ياء .. سين

يهتزّ قلب الأب، بركات، بينما يتسلل إليه صوت ابنه ياسين، يحمل نبرة لم يسمعها إلا من سيدة واحدة: نهال. "مملكتنا" تلك الكلمة التي لم تعد إلا ذكرى، بيتٌ هجره منذ سنوات، لكنه يجد نفسه يسوقه الحنين ورغبة في استعادة دفءٍ باتت روحه تشتاق إليه. يضمّ ابنه إليه، يستنشق عطره، شذىً يختلط فيه عبير الطفولة برائحة لا يملك إلا أن ينسبها لنهال، كأنها هي من مسحت على رأسه في غفوته. ها هو الطفل، ياسين، يخشى اقتراب البشر، يرتعش خوفاً، وكأنه ورث من أمه هشاشتها وقلقها. لكنه، كزهرةٍ رقيقةٍ تخترق أنفاس الجميع، يجد في نسيمٍ عابرٍ ما يعيد إليه بعض الأمان، لينقذه من موتٍ كان يلوح في الأفق. وفجأة، تظهر الأم، نهال، بين نسائم خفية، لتقتل خوفه وتنقه من براثن الهلاك، فتُثبت أن الأم، في الحقيقة والخيال، درعٌ لا يُقهر. ياء .. سين
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEi4BqVmDFN1MIbw1n20vcN-a-7baTlPDebCELugJM-_HbFFbhOXkaI1K45tndhFYnC5d5VSmi4abZpDuOBV2GQWYDvUXEcjtX4reo1Mif7rhObwxqXMe3iEgQb90NeeKDYlqfY-Pp8XeI4awn2Khryn196CrbJrzH7WEI8QrRFr_Frt8jabQjQOS2j66jM/s320/300.jpg

يهتزّ قلب الأب، بركات، بينما يتسلل إليه صوت ابنه ياسين، يحمل نبرة لم يسمعها إلا من سيدة واحدة: نهال. "مملكتنا" تلك الكلمة التي لم تعد إلا ذكرى، بيتٌ هجره منذ سنوات، لكنه يجد نفسه يسوقه الحنين ورغبة في استعادة دفءٍ باتت روحه تشتاق إليه. يضمّ ابنه إليه، يستنشق عطره، شذىً يختلط فيه عبير الطفولة برائحة لا يملك إلا أن ينسبها لنهال، كأنها هي من مسحت على رأسه في غفوته. ها هو الطفل، ياسين، يخشى اقتراب البشر، يرتعش خوفاً، وكأنه ورث من أمه هشاشتها وقلقها. لكنه، كزهرةٍ رقيقةٍ تخترق أنفاس الجميع، يجد في نسيمٍ عابرٍ ما يعيد إليه بعض الأمان، لينقذه من موتٍ كان يلوح في الأفق. وفجأة، تظهر الأم، نهال، بين نسائم خفية، لتقتل خوفه وتنقه من براثن الهلاك، فتُثبت أن الأم، في الحقيقة والخيال، درعٌ لا يُقهر.

ياء .. سين رواية 300 88 أكتوبر 2019 yes 201091985809 غادة مايز كاتبة مصرية https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEg9Om1YmGFd7dZy0MErzmI9fLssGYm8n_OOnlzeqt8SzB2dOg5ix8E_p0jORAZIFvF_EyptUFMMtEJKXNQ3HikrLyTmKscR2SWvirtdEDNcSh_oFHQNppbXeiPcOri3YXTi4l7YTvJx-zm64SrUbV-y5UMkBRbQM68yT62apAAPzdXALwkzijh_LFZ47MA/s800/%D8%BA%D8%A7%D8%AF%D8%A9%20%D9%85%D8%A7%D9%8A%D8%B2.jpg

ياسين، الصغير الذي لم تتجاوز سنواته الست، يقف أمام نافذة الوجود يصرخ بعينين تبصران ما وراء الحجب، منادياً أماً غادرت عالمنا لكنها لم تغادر روحه. تبدأ رواية "ياء .. سين" للكاتبة غادة مايز من تلك اللحظة الحرجة التي يختلط فيها النحيب بالدهشة، حيث يصبح الموت مجرد جسر رقيق تعبره الأرواح لتلقي بظلالها الحانية على جروح الأحياء. إنها حكاية عن الشفافية التي تمنحها القلوب حين تكلُّ الأبصار، وعن تلك "المملكة" التي لم تكن سوى بيتاً دافئاً هجره الأب بركات لسنوات، وظلَّت تسكنه روح الزوجة الراحلة نهال، تنتظر عودة السكينة إلى أهلها. وتتجلى في الرواية تيمة الحقيقة والخيال بوصفهما وجهين لعملة واحدة، فما هو محجوب عن العقل قد يكون منكشفاً للقلب المنصاع لنداء الروح، تماماً كما يرى الفيلسوف باروخ سبينوزا أن الأشياء لا تُرى على حقيقتها إلا من منظور الأبدية.

تنطلق الأحداث من حادثة مأساوية كانت القيادة فيها أولى الخطوات نحو الفقد، حين فقدت نهال السيطرة على المقود تحت وطأة توتر الاتصالات وإلحاح المخاوف، لتترك خلفها زوجاً مثقلاً بالذكريات وطفلاً ورث منها رقة الملامح ورجفة الخوف. بركات، الأب الذي حاول احتضان فجيعته بالهروب من المكان، يجد نفسه محاصراً بصدى صوت زوجته في نبرات ابنه، وبكلماتها التي لا يعرف سرها أحد سواهما. الرواية تنسج خيوطها حول فكرة "المملكة"، ذلك الفضاء الروحي والمكاني الذي يمثل الأمان المفقود، حيث تطالب الروح الراحلة عبر طفلها بالعودة إلى الجذور، إلى البيت الذي شهد الحب الأول، كأن الموت ليس غياباً بل هو إعادة ترتيب لللقاءات بطريقة أكثر تجرداً ونقاءً.

يظهر ياسين في النص كقنطرة بين عالمين، فهو لا يرى أمه بعين اليقين البشري فحسب، بل يستمد منها القوة لمواجهة نوبات الفزع التي تكاد تودي بحياته. الكاتبة ترسم مشهداً مهيباً لرحمة الله التي تتجسد في نسمة رقيقة تخترق أنفاس الجميع لتصل إلى وجه الصغير، معيدةً إليه نبض الحياة في لحظة كاد الموت أن يحتضنه فيها. هنا تتجلى صورة الأم المحاربة التي تكسر قوانين الطبيعة لتمسح على رأس طفلها وهي نائمة في لحدها، وتهمس في أذن زوجها عبر لسان ابنهما، لتقودهما نحو الخلاص. إنها دعوة للتحرر من اللون الأسود الذي صبغ القلوب، وبحث عن النور في "الكلمات المباركات" التي تملك القدرة على إحياء ما أماته الوجع.

بركات، الذي ظل يرفض العودة إلى مملكتهم القديمة، يستسلم في النهاية لملامح ابنه التي تكاد تذوب في ملامح نهال، ويستنشق رائحتها العالقة في خصلات شعر الصغير. يدرك أن الهروب من الأمكنة لا يعني النجاة من الأرواح التي تسكننا، وأن الوفاء للرحيل يقتضي مواجهة الذكريات لا دفنها. الرواية في جوهرها هي رحلة استبصار، تؤكد أن الحياة ليست مجرد سعادة تُمنح للمخلوقات، بل هي منحة لمن يبصر بروحه، فالأرواح الخالدة لا يمنعها الغياب من نثر الزهور على جانبي جروحنا. تنتهي الكلمات لتبدأ الحقيقة في قلب القارئ، حقيقة أن الحب هو القوة الوحيدة التي تتجاوز برزخ الموت لتعيد بناء الممالك المهدمة، وأن "ياء سين" ليست مجرد اسم لفتى، بل هي نداء روحي لاستعادة الآنس المفقود في وحشة الفقد.