نساء على ضفاف الحلم

تعلقت عيناها بنافذة المكتب، ضوء خافت يلقي بظلاله على مقتنيات مرتبة بدقة، كأنها تتفتش عن شيء ضائع في ثنايا الليل. لم يكن بحثها عن شيء غائب، بل عن شيء لا يكتمل بدونه. نبض قلبها الخشبي، توقف عن الدقات، استبدله صقيع برد. في غرفة النوم، تقلب الأغطية، تبحث تحت الوسائد، تتجاوز سريرها، تدرك عبثية ما تفعل. لا شيء هنا سيجيبها، ومع ذلك، وجدت نفسها أسيرة هذا البحث، عاجزة عن التوقف. تتابع مباراة كرة القدم أمام التلفاز، دون أن تدرك تعابير وجهه الذي يرتدي ألوان الفريق المفضل، ويدعو للفريق الآخر بالخسارة. تنتظر بفارغ الصبر صافرة نهاية الشوط، علها تجد في لحظة الإعلان عن نهاية الشوط بداية لشيء آخر، أو ربما نهاية لهذا الانتظار. نساء على ضفاف الحلم
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEj-LkH9mrFAZuqTRFanvCKgpm1ztFzk3ZkKgcvHm1lwFH-Jc7PYeqKJ55rcXyBP561BSdnIytCiP3XMgQu1iIYN_to0H8zHvMfE7hhQdIArLbSWYv2JTgoQ331hPaEhLO6XqOtc_-FZcVKrpFhQ_tz6v4fyH1gcOyGBOmLXXqF3j4vSbK07gFInwUVpdo0/s320/243.jpg

تعلقت عيناها بنافذة المكتب، ضوء خافت يلقي بظلاله على مقتنيات مرتبة بدقة، كأنها تتفتش عن شيء ضائع في ثنايا الليل. لم يكن بحثها عن شيء غائب، بل عن شيء لا يكتمل بدونه. نبض قلبها الخشبي، توقف عن الدقات، استبدله صقيع برد. في غرفة النوم، تقلب الأغطية، تبحث تحت الوسائد، تتجاوز سريرها، تدرك عبثية ما تفعل. لا شيء هنا سيجيبها، ومع ذلك، وجدت نفسها أسيرة هذا البحث، عاجزة عن التوقف. تتابع مباراة كرة القدم أمام التلفاز، دون أن تدرك تعابير وجهه الذي يرتدي ألوان الفريق المفضل، ويدعو للفريق الآخر بالخسارة. تنتظر بفارغ الصبر صافرة نهاية الشوط، علها تجد في لحظة الإعلان عن نهاية الشوط بداية لشيء آخر، أو ربما نهاية لهذا الانتظار.

نساء على ضفاف الحلم مجموعة قصصية 243 88 يوليو 2019 yes 201091985809 عائشة بناني كاتبة مغربية

على ضفاف الحلم، تتشكل حكايات النساء، تتشعب في دروب الحياة كما تتشعب أغصان شجرة عتيقة. تبحث إحداهن، وقلبها خشب بارد، عن شيء لا تعرفه، شيء غامض يمنح الوجود معنى. تفتش في أدراج الليل، وفي زوايا الغرفة، تتبع أثر شيء ضائع، وإن أدركت أن ما تبحث عنه لن تجده هنا، فإن البحث نفسه يملك إغراءً لا تقاومه. في خضم مباراة كرة قدم، تندمج الروح مع الفريق المفضل، تشاطر اللاعبين فرح الانتصار وهمهمة الخسارة، تتعاطف مع الألوان التي ترتديها، وتدعو لمن يرتدي لون فريقها، وتلعن من يرتدي لون الخصم. الزمن ينساب، والدقيقة التسعون تنتظر إعلاناً لنهاية حلم.

تستيقظ من ضجيج الرعد، رغم أن الربيع يærtدي ثياب الأمان، فلا شيء يوقظها سوى وقع المطر، كأن الطبيعة تفرغ ما تبقى فيها. تلتف حول ذاكرتها، تبحث عن السكينة قبل الدخول إلى عالم الزوج، عاصبة رأسها بمنشفة مبللة. في غرفة التلفاز، تجلس أمام شاشة تعرض برنامجاً، قد يكون رياضياً أو غيره، لا يهم، المهم أن الزوج يتابعه. تشعر بالأمان حين يلفت انتباهه شيء ما، وكأنها تستعيد طفولتها في كهف الطبيعة، حين كانت المرتعشة من غضب السماء، تتشبث به خوفاً، كما تتشبث هي بالهدوء الذي يغمر زوجها.

تستعد للقاء، ترتدي ثوباً خاصاً للعناية بالنفس، تجهز أعشاباً من وحي الطبيعة، تطحنها لتصنع صابوناً من خلاصة الأراك، وجسراً للجمال. تختار لوناً تضفيه على بقية جسدها، لوناً تجلبه خصيصاً من مدينة فاس، حيث تتوارث النساء طقوساً خاصة، طقوس العروس التي تزف إلى عريسها، ولحظات يعشنها كأنهن أمرأة واحدة. تجد أم مريم قد سبقتها، بالقرب منها، في مكان غالباً ما يكون للمحظيات.

في الصحراء، حيث لا تنتهي الرمال، تشتري مجلة، وتمنح بطاقة العودة إلى واقع يعج بالحياة. ينطلق الهاتف، لكن البطارية تنفد، وتتآكل شاشته مع مرور الزمن، ليصبح مجرد خردة. تندم على ما لم تأخذه بعين الاعتبار، حين وثقت بالهاتف الذي أصبح عديم الفائدة وسط هذا الفضاء الشاسع. تكتب رسائل، وتضعها في زجاجة ماء فارغة، لتصبح شاهداً على غربة روح وحيدة.

تتطلع إلى جسر يعبر عليه الأمل، تسير كل يوم بخطى ثابتة، كأنها تنظر من نافذة قطار. تتأمل كيف يمكن لشجرة أن تتقن مقاومتها للبرد، حين تدرك أن الحياة تتطلب إتقاناً، وأن كل عمل، مهما بدا بسيطاً، يحمل في طياته دروساً. تتوسل لسيدة لتمنحها وظيفة، شغالة تنظف شقتها وتعتني بطفليها، بعد رحلة طويلة وشاقة للحصول على هذه الفرصة، في سوق يعرض إمكانيات لا نهائية، لكنها تبدأ بالبحث عن عمل كعاملة نظافة.

في قصة أخرى، يراقب المحقق التاريخي، لا ليبحث عن حقائق، بل ليوثق معلومات يصحح بها معتقدات الآخرين. يسأله زوجها عن وصول الرسائل، سؤال يظل يحوم في ذهن الزوج، كيف وصلت؟ يسأل عن لغة بلا أرقام، حلم صغير لقارئة قادمة من بلاد تعيش فيها الأرقام. كل خطوة تقطعها تشبه قفزة، تقودها نحو الضياء، نحو فهم أعمق للحياة.