مع العصفور

تتسلل حكايات العصفور إلى الروح، لا ككلماتٍ تُقال، بل كأصداءٍ تُسمع في غياهب الوجدان. هي أرواحٌ تتجسد في حروفٍ، تئنُّ بصمتِ من باتوا غرباء في وطنهم، وتُحلّقُ بأحلامِ من رأوا المستحيلَ ممكنًا. هؤلاء هم الكادحون، والبسطاء، وكلُّ صاحبِ أملٍ تشبّث بحلمٍ في زمنٍ يبتلعُ الأحلام. هذا الكتابُ رحلةٌ إلى قلبِ الإنسانية، حيثُ تتناثرُ همومُ الأوطانِ وخطايا الفاشلينَ على أكتافِ الأوفياء. هنا، تُهدى الكلماتُ إلى الأبِ الراحل، والأمِّ الباقية، والزوجةِ السند، والأبناءِ الأمل. إنها قصائدُ تُنسجُ من خيوطِ الصدقِ والوفاء، تحملُ في طياتها شكرًا لمن سانَدَ وشجّع، ونقدًا بنّاءً قَوَّمَ المسار، ودعمًا صبورًا جعلَ من فكرةٍ بسيطةٍ نبراسًا للحرف. نَغوصُ معًا في "مع العصفور" لنرى كيفَ تتكشفُ لنا أسرارُ الروحِ، وكيفَ تُزهرُ الكلماتُ عطرًا في حدائقِ العشقِ والألم، وكيفَ يُصبحُ العصفورُ رمزًا للأملِ في زمنِ القحط. مع العصفور
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEhUTdCyiw37a411epwVeSc6CHZwhINtuJsla1U33FcJjbaQTTqI_opWT4hgTsdI2eB4dg2iiYKwy1Gap7eCL9ToP7_soNTCrlIzDcu7ok1n9cSgDl7fXG3MU3Iaq4-sLIMHaKqiHEIiVOpQe4s7HNosnBJZsh56ZDGtXd5WD4LDjo-VQdX4LWkF9XfMJWw/s320/341.jpg

تتسلل حكايات العصفور إلى الروح، لا ككلماتٍ تُقال، بل كأصداءٍ تُسمع في غياهب الوجدان. هي أرواحٌ تتجسد في حروفٍ، تئنُّ بصمتِ من باتوا غرباء في وطنهم، وتُحلّقُ بأحلامِ من رأوا المستحيلَ ممكنًا. هؤلاء هم الكادحون، والبسطاء، وكلُّ صاحبِ أملٍ تشبّث بحلمٍ في زمنٍ يبتلعُ الأحلام. هذا الكتابُ رحلةٌ إلى قلبِ الإنسانية، حيثُ تتناثرُ همومُ الأوطانِ وخطايا الفاشلينَ على أكتافِ الأوفياء. هنا، تُهدى الكلماتُ إلى الأبِ الراحل، والأمِّ الباقية، والزوجةِ السند، والأبناءِ الأمل. إنها قصائدُ تُنسجُ من خيوطِ الصدقِ والوفاء، تحملُ في طياتها شكرًا لمن سانَدَ وشجّع، ونقدًا بنّاءً قَوَّمَ المسار، ودعمًا صبورًا جعلَ من فكرةٍ بسيطةٍ نبراسًا للحرف. نَغوصُ معًا في "مع العصفور" لنرى كيفَ تتكشفُ لنا أسرارُ الروحِ، وكيفَ تُزهرُ الكلماتُ عطرًا في حدائقِ العشقِ والألم، وكيفَ يُصبحُ العصفورُ رمزًا للأملِ في زمنِ القحط.

مع العصفور شعر 341 100 نوفمبر 2019 yes 201091985809 محمد حسني نصار كاتب مصري https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEiJewTDmbyINh19Wq9SR1QTmo93nQok7ZWrr4wmKIN3lhJAcPTAA1st_eYp6mncWmvqeVXKMoMDfx6YfHFTCGMMY5HgUspheeCCmBRAgCybfEde5o-4-1NhPBgwGfXaXJt49d2oH1vcM6ZYFueZlEPvKEYHzkeVt-Tishdd0457ZtWLX9uWQ2v-Vt6GdAc/s800/%D9%85%D8%AD%D9%85%D8%AF-%D8%AD%D8%B3%D9%86%D9%89-%D9%86%D8%B5%D8%A7%D8%B1.jpg

يشرع محمد حسين نصار في ديوانه "مع العصفور" الصادر عن دار لوتس للنشر الحر، في نسج علاقة جدلية بين وجع الذات وتشرذم الوطن، متخذاً من الكلمة ملاذاً أخيراً لأولئك الذين خذلهم الكلام أو آثروا الصمت طوعاً وقسراً. 

يفتتح الشاعر عوالمه بإهداء يفيض بالانكسار النبيل، موجهاً بوصلته نحو الكادحين الذين صاروا في أوطانهم غرباء، يحملون على كواهلهم خطايا الفاشلين ويدفعون من عرقهم ودمهم فواتير ديون لا تنتهي. تتجلى في نصوصه روح "أبو العلاء المعري" في عزلتها وتأملها، حيث يغدو الحلم عبئاً، وتصبح الحرية ضريبة باهظة تُسدد من رصيد الطمأنينة الشخصية، في عالم يضيق بالبسطاء ويتسع للأقوياء العابرين فوق أوجاع المنسيين. الديوان ليس مجرد تجميع لقصائد، بل هو شهادة حية على زمن التحولات الكبرى، حيث تتحول القصيدة إلى زفرة احتجاج صامتة ضد التهميش والغياب.

تنساب الأبيات في تدفق عاطفي يربط بين أحلام الطفولة البسيطة وصدمات الواقع المعقد، حيث يستحضر نصار صورة "العصفور" كرمز للرقة التي تواجه ريحاً عاتية، ومثالاً لأمة الطيور التي يراها أرقى من البشر في إخلاصها ودأبها. يغوص الشاعر في تفاصيل الحياة اليومية، مستنطقاً صمت الجدران وأنين القلوب المتعبة، ومنها صرخة "المرأة" التي تبرز ككيان نابض باللحم والدم، تطالب بحقها في الوجود والتقدير بعيداً عن قسوة الألفاظ وهجران العاطفة. 

هذه المرأة في قصائده هي أيقونة الصبر التي تغزل من حزنها ستراً للبيت والولدان، بينما ينسج الزمان خطوطه بفظاظة على الوجوه، ليبقى التساؤل عن معنى الوفاء في زمن النكران هو المحرك الأساسي للنص الشعري. تتداخل في لغته الفصحى الرصينة مع نبرات عامية دافئة في مواضع محددة، مما يمنح النص حميمية تجعله قريباً من وجدان القارئ الذي يرى نفسه في مرآة هذه الكلمات.

ينتقل الديوان في قسمه الأخير إلى ملامسة الجرح السياسي المفتوح، مصوراً مشهد المحاكمة والموت المفاجئ، كاستعارة كبرى لضياع الحقوق في زحمة "العساكر والجناة". يرثي الشاعر في نصوصه القيم التي تهاوت، مسلطاً الضوء على المفارقة الموجعة بين ثبات المظلوم وارتباك المحيطين به، وبين صمت السجون وضجيج الشاشات التي ترقص على جراح الثكالى. 

إن الموت هنا ليس غياباً فيزيائياً فحسب، بل هو ارتحال للأخلاق من القلوب، وضياع للحلم في دروب الخيانة والعمالة، حيث يدفن الشريف في توابيت النسيان بينما يصفق الجمع للتعويضات الزائفة. يختتم نصار رحلته بمرارة شفيفة، تاركاً للقارئ عبرة القصص التي لا تنتهي، ومؤكداً أن القصيدة تظل هي الصرخة الباقية حين يصمت الجميع، وهي اليد الحانية التي تمسح على رؤوس الغرباء في وطنهم، في محاولة لاسترداد المعنى من خضم الفوضى والخذلان.