فين عصايتك

أهلاً بك في عالم "فين عصايتك؟"، حيث تتجسد العامية المصرية نبضًا حيًا يحمل بين طياته ألف حكاية وحكاية. هذا ليس مجرد شعر، بل هو مرآة تعكس وجوهًا رأيناها ولع قلوبنا بها، وإن شابها بعض العتمة. هنا، يتساءل القارئ مع الشاعر: هل نملك عصا سحرية لتجاوز غشاشينا، أو لنضيء دروبًا تعتريها ظلال الأنانية؟ في هذه الصفحات، تتردد أصداء مجتمع يشهد على تحولات عميقة، حيث يصبح الكذب واقعًا يوميًا، وتصبح الرشوة هبة لا غنى عنها. إنها دعوة للتأمل في روح الوطن، تلك الروح التي ترفض الانكسار، وتتشبث بالأمل رغم كل شيء. الشاعر لا يلقي خطبًا، بل يرسم صورًا نابضة بالحياة، مستلهمًا من نبض الشارع، ومن ألم الناس، ليقدم لنا قصائد تلامس شغاف القلب، وتفتح أبوابًا للفهم والحوار. فين عصايتك
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEjlDV4bfnFCrpNZ2xi2oHl0T1h-HAzaWtFpxRtOsDW8YrI_zgrHJ48WTQXO54xd0PtE_mnU14oHeC36xCIEbUT5VKFElbcWQ_OuGF5lWp2-LPa5AXN-7rLKGEksJy2HaU_PFIoxGSa-ewTdIykHy3D8X6sIbkIaJPFKsYFBp2kLpRBzEQobZNviGwp4UxI/s320/283.jpg

أهلاً بك في عالم "فين عصايتك؟"، حيث تتجسد العامية المصرية نبضًا حيًا يحمل بين طياته ألف حكاية وحكاية. هذا ليس مجرد شعر، بل هو مرآة تعكس وجوهًا رأيناها ولع قلوبنا بها، وإن شابها بعض العتمة. هنا، يتساءل القارئ مع الشاعر: هل نملك عصا سحرية لتجاوز غشاشينا، أو لنضيء دروبًا تعتريها ظلال الأنانية؟ في هذه الصفحات، تتردد أصداء مجتمع يشهد على تحولات عميقة، حيث يصبح الكذب واقعًا يوميًا، وتصبح الرشوة هبة لا غنى عنها. إنها دعوة للتأمل في روح الوطن، تلك الروح التي ترفض الانكسار، وتتشبث بالأمل رغم كل شيء. الشاعر لا يلقي خطبًا، بل يرسم صورًا نابضة بالحياة، مستلهمًا من نبض الشارع، ومن ألم الناس، ليقدم لنا قصائد تلامس شغاف القلب، وتفتح أبوابًا للفهم والحوار.

فين عصايتك شعر عامية 283 192 سبتمبر 2019 yes 201091985809 طارق معن كاتب مصري https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEjbczm8ZbH3EOv4scQxmxtuWdIrKF6Ze0i49CQ0Xr6ZvCQpaBF4GbiaAs8SLIw808JCI7hfVfQeCVWL27_SBUpijwoVyAnc5CrxK8DXCjnThGeq8wVY_wpkscZgvW1eBTeaBprLAaF67QbYuaOkUnZceaq8Wf2D_kcQW2fC_KiVuBy1kOWCnJePhqnvUSo/s800/%D8%B7%D8%A7%D8%B1%D9%82-%D9%85%D8%B9%D9%86.jpg

تتفتح صفحات "فين عصايتك؟" لطارق معن كمرآةٍ تعكس وجوهًا متعددة لوطنٍ يتأرجح بين أمرين، بين ما يجب أن يكون وما آل إليه. لا تبدأ هذه الصفحات بتمهيدٍ خطابي، بل تغوص بنا مباشرة في قلب الأزمة، في "أكتر من سبعين في المية"، حيث تتجاور الحقيقة مع الكذب، ويصبح الغش عادةً مألوفة، والفوضى تسود. تتكشف القصيدة الأولى لواقعٍ مرير، فبعد أن كان المزاح هو السمة الغالبة، تغوّل الغش حتى بلغ حدًا لا يطاق، تاركًا وراءه حسرةً عميقةً ومرارةً في الحنايا. هنا، يصبح العرق جبينًا يُسلب، والعمل المُتقن يُهمَل، والمماطلة في سداد الديون هدية، والرشوة باتت عرفًا مقبولًا.

تتساءل القصائد التالية: كيف وصلنا إلى هذا الحال؟ هل علمنا ثم كسلنا عن التطوير؟ هل أصبحنا نبحث عمن يعلمنا بعد أن فقدنا القدرة على البناء بحسن النية؟ تتصاعد الأصوات في نقدٍ لاذعٍ لمن جعل من جهله خبرة، ومن فقد احترام رأي الكبير، فأصبح الوصول إلى "العاملية" مستحيلاً. يصف الشاعر كيف أن مساعدة الظالم تقوي يده، وكيف أن الأمان يغيب، تاركًا الحال النفسية في تدهور مستمر، كل ذلك في سياق "أكتر من سبعين في المية".

لكن الكتاب لا يكتفي بالتشخيص، بل يتجه صوب "ابن مصر"، ذلك المواطن الذي يحلم ببناء بلاده، والذي يراقب العدو المتربص بعينٍ صاحية. يتحدث الشاعر عن كارهي مصر الذين يريدونها غافلة، تعيش في وهمٍ، تنقسم كأنها شطران. هذه الرؤية لبن مصر الحالم، الذي يجعل من الدنيا صدىً لحلمه، ومن سلاحه وعيًا لمن يريد الهدم. إن الخيار المطروح يبدو قاسياً: إما أن نعيش مهزومين، ننظر لقهرنا بعين الشفقة، أو أن ننهض.

ثم يظهر مصر كبلادٍ تستحق الرفعة، يدافع عنها أبناؤها ببسالة، لا يعرفون الاستسلام. يصف الشاعر كيف أن التراب يتحول إلى ذهب في أيدي هؤلاء، وكيف أنهم لا يعرفون الرجوع مهما عانوا. الإرهاب، هنا، ليس زرعًا مصريًا، بل هو مستورد، عبءٌ ثقيلٌ على أرضٍ خيّرةٍ ومحبّة. مصر، رغم قساوة الظروف، تبقى جميلة، وحب الأبناء لها معجزة لا مثيل لها.

تتجه القصائد نحو دعاءٍ صادقٍ وإلحاحٍ على الإصلاح. "أصلح يا رب الحال" تصبح لازمةً تتكرر، دعوةٌ لحماية البلاد من "الأندال"، ومن كل من تسول له نفسه العبث بأمنها. يتمنى الشاعر أن يقود الصالحون سفينة الوطن، وأن يحققوا الآمال المعقودة. دعوةٌ للنجاح، للرزق الحلال، لتمكين الضعيف، ولتكون يدٌ تصنع كل ما تحتاجه البلاد.

تتجسد الإسكندرية في الكتاب كنقطة ضوء، كمدينةٍ تحمل في طياتها سحرًا فريدًا، مدينةٌ لا يمكن أن يعشق العين غيرها. بحرها ينسي الهم، ورملها حضنٌ دافئ، وطبعها يكمن في الروح. هي "نقطته وحرفه"، المدينة التي تشع نورًا للأمم.

تتخلل الصفحات صورةٌ لمصر تكبر وتشمخ، "حلوة صورتك يا بلادي". رغم محاولات الأعداء، تظل مصر "أم الدنيا" بتاريخها العظيم. يصف الشاعر كيف أن أبناء مصر قادرون على تحدي العصر، وعلى تحقيق النصر في كل مجال، وسحق كل معتدٍ. في وقت الجد، يتحول همس الأبناء إلى زئيرٍ يزرع الرعب في قلوب الحاقدين. تتجسد الوحدة، "الإيد في الإيد"، كل أبناء مصر جنودٌ لها، يقدمون أرواحهم فداءً.

يصل الكتاب إلى ذروته في التأكيد على قدرة المصريين على تشكيل "بركان" يفتح أبواب الأمان للمظلومين. مصر، التي خاطبها الرحمن بقوله "اهبطوا مصر آمنين"، تظل حصنًا لا يُغزاها جيش. التاريخ يشهد على بأسها، وعلى هؤلاء الوحوش البشرية التي تدافع عنها بأرواحها.

وينتهي المطاف بالدعوة إلى الوحدة بين أبناء الديانات المختلفة، مسلمين ومسيحيين. "شعب مصر محمول" من نسيجٍ واحد، يجمع بين دين محمد وعيسى. شعبٌ يحب ضيوفه، ويتحول إلى "غول" على الظالم. مصر، حضن أمانٍ لكل الأديان، لن تصبح أبدًا مجرد ماضٍ، مهما حاول الجاهلون. هذه الروح الجامعة، وهذا الحب الصادق، هي الوقود الذي يجعل مصر عصيةً على كل من يريد بها السوء.