عندما ينطق الحجر ويخبرنا بالحقيقة

...
عندما ينطق الحجر ويخبرنا بالحقيقة

في مكان ما بين الحجارة والصور القديمة، يكمن سر لم يرو بعد. فحين نتجول في المدن ونحدق في معالمها التاريخية، فإننا قد لا ندرك أننا نمشي فوق ذاكرة أريد لنا أن ننساها. وعندما نسأل: من بنى هذه الصروح؟ وكيف استطاع أن يشيدها في زمن لم يعرف من عاشوا فيه الكهرباء

في مكان ما بين الحجارة والصور القديمة، يكمن سر لم يرو بعد.

فحين نتجول في المدن ونحدق في معالمها التاريخية، فإننا قد لا ندرك أننا نمشي فوق ذاكرة أريد لنا أن ننساها.

وعندما نسأل: من بنى هذه الصروح؟ وكيف استطاع أن يشيدها في زمن لم يعرف من عاشوا فيه الكهرباء أو الآلات الحديثة؟

في تلك اللحظة تطالعنا شروحات من مرشدين سياحيين توضح لنا ما نرى، وكيف جاء إلى الوجود.

نصدق، لكن يبقى في أعماقنا إحساس بأن هناك شيئاً غير منطقي.

حقيقة مخفية رغم أنها أمام أعيننا، أو تاريخ مفقود.

***

عندما نقف أمام بناء مهيب مثل قوس النصر Arc de Triomphe في باريس -على سبيل المثال- فإن السؤال ذاته يظل يتردد داخلنا: كيف صنعوا هذا؟

بيد أن صخب المشهد وضجيج الحشود قد يمنعانا من طرح هذا السؤال بصدق.

لكن لو أننا حدقنا في الحجارة الباهتة بتأمل، فسوف ندرك أن ما نراه ليس مجرد معلم سياحي، بل شاهد على زمن آخر.

زمن لم تكتب فصوله كاملة.

فخلف هذا القوس ربما يكمن السر، وفي ظلاله قد تختبئ الحكاية الحقيقية لمن شيدوه، ولماذا أرادوا أن يبقى صرحهم قائماً يقاوم النسيان.

نحن نقف أمام قوس النصر كأنه يروي فصولاً من تاريخ غامض، والناس من حولنا يرفعون هواتفهم الذكية لالتقاط صور تحفظ لحظة الإعجاب العابر.

يبدو المشهد عادياً وواقعياً إلى حد يخدر فينا الشك.

وقبل أن يزدحم المكان بسياح جدد يملؤون الأجواء صخباً، نستسلم لوهم الوضوح ونقول في أنفسنا: لا بد أنهم بنوه فعلاً، فها هو قائم أمامنا.

لكن شيئاً في الأعماق يهمس: هل نرى الحقيقة، أم ما أريد لنا أن نصدقه؟

ربما يرجع ذلك إلى أننا خلال سنين تلقيننا في المدارس، نادراً ما عرضت علينا صور قديمة للمدن العريقة التي تنتشر في أرجاء العالم.

ولعل ذلك كان لسبب وجيه، فلو أننا شاهدنا مثل هذه الصور في طفولتنا حين كانت الفطرة سليمة غير ملوثة، ورأينا بشراً بدائيين من العصر الفيكتوري يبدون صغاراً كالجراد بين ظلال عمارة مهيبة فخمة بديعة تفوق الوصف، لا بد وأن الشك كان سيبدأ بالتسرب إلى أذهاننا، ونتساءل:

كيف لهؤلاء البدائيين بوسائل مواصلاتهم التي لم تتجاوز العربة والحصان، أن يبنوا هذه الصروح المهيبة؟

لكن وبما أن أحداً لا يريدنا أن نسأل، فبكل بساطة لم نر هذه الصور إلا بعدما كبرنا على التلقين وتشويه الفطرة وعمى البصيرة، كي لا ندرك أن ما يعرض علينا قصصاً منتقاة بعناية لترسم لنا تاريخاً مصطنعاً يخفي الحكاية الحقيقية.

لقد تربينا على الجاهز من الإجابات، على حكايات مُعلبة تلقن كما تلقن التعاويذ حتى اعتدنا ألا نفكر، وألا نشك.

بيد أن الصور القديمة حين عادت لتطفو أمامنا، بدت كصفعة توقظ شيئاً في الداخل، شيئا ظل نائماً طويلاً في ركام الصمت والخداع.

***

يقولون إن قوس النصر يتكون من 36695 متراً مكعباً من الحجر الجيري، ويزن 95407 طن.

أما بناؤه فقد استغرق 12 سنة على مرحلتين، الأولى بين عامي 1806 إلى 1814، والثانية بين عامي 1832 إلى 1836.

ولكن كيف نُقل هذا الكم الهائل من الحجر الجيري باستخدام العربات التي تجرها الخيول ونراها في الصور القديمة؟

القٍ نظرة عن كثب على المنحوتات الأربع التي تزين جوانب القوس، وتأمل دقة النحت وتناسق الزخارف التي تحيط بالإطار.

إن كل جزء مكرر بإتقان دون أي انحراف أو تفاوت، وكأن صانعه لم يكن إنساناً بل آلة دقيقة تزن الكمال بمعيار لا نعرفه.

فالحجارة تتجاور بانسجام عجيب، والزوايا تتلاقى كما لو أنها نحتت بهندسة تفوق ما ندرسه اليوم في أرقى المعاهد.

كيف أمكنهم في زمن نسميه بدائياً أن يبدعوا هذا النسق المعماري المتناغم؟

تذكر أن أول آلة كهربائية حقيقية لم تخترع إلا بعد 60 سنة من اكتمال هذا القوس، ومع ذلك يقال إنهم نحتوه يدوياً.

أحقاً ذلك ممكن؟

ثم انظر إلى سقف القوس: زهور ثلاثية الأبعاد منحوتة بدقة هندسية مدهشة، وتناسق تام.

إن رهافة ودقة النقش ونعومته تبلغ حداً يكاد يصيب الناظر بالذهول.

***

حسناً، تعال نتجول في بقية باريس في تلك الفترة من الزمن.

انظر مرة أخرى نرى وفرة من المباني المعمارية المذهلة الشاهقة والضخمة حد الاستحالة.

هل تلاحظ أن بنية المدينة التحتية تبدو مهيبة باذخة، بينما سكانها ووسائل نقلهم بدائية لا توحي بأي تطور يمكن أن يبني مدينة بهذه العظمة.

فالطُرق غير ممهدة، غير مستوية، موحلة وقذرة.

هذا بلا شك يمثل مزيداً من التباين في المشهد العمراني، فحين نمعن النظر في مزيد من صور تلك الحقبة نرى على النقيض مباني تتناسب مع سكانها.

بسيطة التكوين، خشنة الملامح، غير متناسقة النسب، بنيت من الخشب والجص، تظهر أثر اليد الإنسانية وليس بصمة الآلة.

ذلك بالضبط هو النمط المعماري الذي نتوقعه من جيل العربات والخيول، جيل كان يستأنس بالنار والزيت والمطرقة والمسمار، ولم يعرف بعد أسرار التكنولوجيا التي ستأتي لاحقاً، أو التي كانت موجودة سابقاً.

لذا، فإن هذا التباين بين الأنماط المعمارية للفترة نفسها لا بد وأن يلفت نظرنا إلى أن البناء في الحقيقة امتداداً للإنسان وانعكاس لتقدمه.

ولو أننا عدنا إلى قوس النصر، فسوف نكتشف أنه في زمن التقاط هذه الصورة كان قد مضى على اكتماله نحو 40 عاماً، رغم ذلك انظر إلى بعض أجزائه كم تبدو بالية، وعلامات التعرية واضحة توحي بأن القوس أقدم من التاريخ الرسمي المروي لنا.

وتعال نسافر مرة أخرى إلى موسكو في أواخر القرن التاسع عشر، لنجد أن سكانها قرروا أخيراً مغادرة منازلهم والخروج إلى الشوارع.

إن الميدان الأحمر الشهير أصبح يعج بالحياة، وفي المشهد، تظهر كاتدرائية القديس باسيل Saint Basil’s Cathedral، وبرج سباسكايا Spasskaya Tower يهيمنان على أفق الساحة.

لقد بدأ بناء كاتدرائية القديس باسيل عام 1555، واكتمل البناء عام 1561، أي أن بناؤها استغرق ست سنوات فقط.

وفي عام 1737 تعرضت لحريق هائل، ثم خضعت لترميم استمر 20 عاماً.

بنيت في ست ورممت في عشرين.. غريب جداً.

ولكن انظر إليها الآن، أي صرح هذا؟

كأنه من عالم غير واقعي لا نظير له.

فقد شكلت الآلاف من الطوب الأحمر وصفائح القصدير لتكون تلك القباب البصلية المميزة.

كيف طوعوا المعدن ليبلغ هذه الدقة والكمال في القرن الثامن عشر؟

وإذا كانوا يملكون تلك المهارة والإتقان لبناء معجزة كهذه، فلم كانت الطرق من حولهم رديئة ومغطاة بالطين؟

ولا يقتصر ذلك على موسكو فقط، فهذه الصروح العجيبة نراها في صور القرن التاسع عشر في كل مكان.

خذ على سبيل المثال قصر الكريستال Crystal Palace في لندن.

بناء هائل من الزجاج شيد قبل وجود تقنية تصنيع الزجاج الآلي.

لدينا أيضاً دير وستمنستر Westminster Abbey، وقوس هيوستن Houston Arch الذي بني من الحجر الرملي النقي عام 1837، بينما الشوارع كذلك غير معبدة ومليئة بالوحل.

فلمَ لم يُعط هؤلاء الناس الأولوية للشوارع التي يسيرون عليها؟

انظر إلى كنيسة فراون كروتشيه Frauenkirche في دريسدن بألمانيا.

انظر إلى القبة البديعة الفخمة المتقنة التي تناقض بعظمتها عربات الخيول المتهالكة وأساليب المعيشة البسيطة للناس في أسفلها، والذين يبدون كشعب يعتمد على الضروريات فقط، قزم أمام ضخامة العمارة وجلالها.

ثم لدينا مكتبة البرلمان Library of Parliament في أوتاوا بكندا، والتي استغرق بناؤها 17 عاماً.

لقد وصل أوائل المستوطنين عام 1800، وكان عدد سكان المدينة وقتها لا يتجاوز 20 ألفاً.

فهل كانت مكتبة فخمة بهذا البذخ أولوية بالنسبة للناس؟

ولماذا يبدو المبنى وكأنه قطع من أوروبا ولُصق في كندا؟

وحتى عند مطلع القرن العشرين، أي قبل أربعين عاماً من قيام شركة بوش بتطوير الآلة الكهربائية الحديثة، نجد محطة بنسلفانيا القديمة Old Penn Station في نيويورك.

انظر إلى حجمها الهائل، إلى تلك الأبعاد الخارقة للعقل.

ولا تدع الصورة الفوتوغرافية تخدعك، فقد نظن النقوش والزخارف صغيرة، بيد أن كل نمط مثمن منحوت في سقف القبة المقوسة أكبر من حجم الإنسان.

تأمل أيضاً الأعمدة العملاقة وتفاصيل الزخرفة، وتلك الأكمام التي تتوج الأعمدة.

يقولون إن بناء هذه المحطة استغرق ست سنوات فقط.

ست سنوات؟

ألهذا الحد نحن سُذَّج وأغبياء؟

فحتى نحن اليوم مع المعدات الحديثة وقطع البناء القابلة للطباعة وتكنولوجيا الرافعات، لا نستطيع إعادة بناء مثل هذا العمل المعماري، بل إننا في عصرنا الحاضر لا نبني هذا النمط المعماري إطلاقاً.

وجدير بالذكر أن الكذابين الرسميين في عالمنا وضعوا مصطلحاً شاملاً لهذه الأنماط المعمارية التي نراها في أمريكا الشمالية، يسمونه الأسلوب التاريخي Historism.

وهو مصطلح صِيغ لوصف طراز معماري يقوم على الإحياء، أي تقليد أنماط سابقة من عصور ماضية.

وكأن أولئك الذين لا يعرفون كيفية إنارة شوارعهم، تمكنوا من بناء هذه الصروح عن طريق تقليد الأساليب المعمارية القديمة.

فالأقواس المهيبة والمباني ذات الأعمدة الضخمة التي نراها بنيت على الطراز الكلاسيكي، أو اليوناني الروماني، أما الكاتدرائيات فشيدت على الطرازين النهضوي والقوطي لعصور أوروبا الوسطى.

وتتضمن عناصر هذه الطرز المعمارية قصوراً شاهقة، ونوافذ مقوسة، وأبراج مراقبة، وقباباً، وأروقة مقنطرة، وتماثيل، وأبواباً عملاقة، ونوافذ دائرية هندسية، وأعمدة، وساعات ضخمة، وأبراج أجراس.

هذه الآثار المعمارية المستحيلة توجد حرفياً في كل مدينة، وعلى امتداد عالمنا اليوم، بعضها ما زال قائماً ومصاناً كقوس النصر وكاتدرائية نوتردام في باريس، وبعضها اندثر وطواه النسيان مع الزمن، كقوس هيوستن ومحطة بنسلفانيا القديمة.

وبينما نسافر نحن أبناء الحاضر مسافات طويلة لالتقاط صور لهذه العجائب كتذكارات، فإن مصوري القرن التاسع عشر فعلوا الأمر نفسه، بيد أنهم منحونا شيئاً أعظم مما كانوا يتخيلون تقديمه للأجيال القادمة، منحونا المنظور الذي رأينا من خلاله شعباً بدائياً في مواجهة خلفية معمارية متقدمة بشكل لا يصدق.

ورغم ما يرويه لنا المؤرخون الرسميون من روايات عن التطور الدارويني والتقدم المتسلسل عبر العصور، حيث كان اللاحقون دوماً أكثر تقدماً من أسلافهم، إلا أننا نرى بعيوننا تناقضاً غريباً في هذه الرواية.

فبما أن قمة التطور بالنسبة لأهل القرن التاسع عشر لم تتجاوز العربة والحصان، إذن فهذه الصروح وهذا النمط من العمارة مستحيل على أولئك الذين عاشوا في القرون التي سبقتهم، وأي شخص يملك قدرة على التفكير والتساؤل يستطيع أن يشعر فوراً عند النظر إلى هذه الصور الفوتوغرافية، بأن هناك شيئاً ما خاطئ.

هناك خللاً في السرد التاريخي السائد، كما أن الأرقام لا تتسق مع المنطق.

على سبيل المثال، في صورة بانورامية لمدينة سان فرانسيسكو San Francisco التقطت عام 1877، نرى اتساع المدينة المذهل وضخامتها، نرى مزيجاً من العمارة التاريخية، وأعمدة تزين مداخل مبان ملكية شامخة، وأبراجاً وقباباً كاتدرائية على الطراز القوطي ترتفع في الأفق.

يقال إنه في عام 1846، لم يكن يسكن هذه المنطقة التي تعرف اليوم باسم سان فرانسيسكو سوى أقل من 500 مستوطن من المورمون Mormons، وأنها كانت أرضاً حدودية شبه خالية تنتظر من يضع يده عليها.

لكن بين عامي 1848 و1849 -ومع انطلاق حمى الذهب في كاليفورنيا- قفز عدد السكان إلى 25 ألفاً.

وبعد 28 سنة فقط، أي عند التقاط هذه الصورة البانورامية، اقترب عدد السكان من 200 ألف.

فمن ذا الذي يصدق هذه الرواية؟

أتبدو لك هذه مدينة يسكنها 200 ألف نسمة، بنيت دون تكنولوجيا حديثة أو أدوات طاقة أو تصنيع آلي أو محركات كهربائية؟

فضلاً عن أن قوماً في أرض غريبة غير مأهولة، أيعقل أنهم في طور النشوء استطاعوا تشييد مدينة كهذه في 30 سنة فقط؟

انظر مرة أخرى إلى ذلك الهدوء الغريب والسكون العميق.

إنها صورة لمدينة خاوية تماماً.

أين ذهب الناس؟

ظل العمود البادي في الصورة يخبرنا أنها ليست ساعات الصباح الأولى، فظلال قصيرة كهذه لا تظهر إلا عند منتصف النهار.

هل يعقل أن تكون مدينة بهذا الاتساع خالية من الحياة في الظهيرة ولا نرى فيها إنساناً، فقط فرس سائبة بلا صاحب أو قائد تمثل أثر الحياة الوحيد.

بالطبع من المستبعد جداً أن يكون الناس قد أُمروا بالبقاء في منازلهم لأن جلسة تصوير كانت تجري.

وعند ربط الخيوط ببعضها نجد أن خلال العقود ذاتها تقريباً في القرن التاسع عشر، تظهر الصور مدناً روسية وأوروبية وأمريكية خالية تماماً من الناس أيضاً.

ثم بعد سنوات قليلة نرى الأماكن نفسها وقد امتلأت بالحياة والحركة.

بشعوب تبدو عاجزة تماماً عن بناء تلك العمارة المهيبة التي تحيط بها.

إن هذه الصور تخبرنا بوضوح أن الرواية التي تلقيناها ليست الحقيقة، ولا ينبغي لنا أن نقبل أية رواية مهما بدت رسمية أو موثقة، ما لم تكن منطقية.

فالناس الذين نراهم في تلك الصور وأسلافهم، لم يكن بإمكانهم أن يشيدوا هذا المعمار الذي نراه.

إنه أمر مستحيل.

إذن من بناه؟ ومتى؟ وكيف؟

حسناً، لنغامر ونتعمق داخل هذه المدن.

فبلا شك هناك أدلة تنتظر أن نكشفها لتساعدنا على فهم سبب خلو هذه المدن من سكانها الأصليين، وترشدنا للمكان الذي جاء منه سكانها اللاحقون فجأة.

فبين الجدران الصامتة أسرار مخفية، وتحت الأنقاض بقايا إشارات إلى حضارة طمست عمداً وغمرها النسيان.

لكن ربما حين نغوص في أزقة المدن القديمة نبصر خيوط الحكاية، ونكتشف أن ما ظنناه مستحيلاً لم يكن سوى فصل محذوف من تاريخ البشر.

وقبل أن نُكمل رحلتنا، هل تريد أن تمسح الطين الذي علق بحذائك في الشوارع الموحلة؟

لا ترهق نفسك، فهذا الطين تحديداً يحمل مفتاحاً هاماً لفهم ما حدث في ذلك العصر، ويُرشدنا إلى حقيقة كانت أمام عيوننا منذ البداية، لكننا لم نرها، ولم يسمح لنا أحد أن نراها.

وثائقي: التاريخ المفقود للأرض المسطحة | الحلقة رقم: 02