عندما يُعشق الزيتون

زيتونةٌ تُعشق، لا شجرةٌ باردةٌ تُثمر. هي قلبٌ ينبضُ بالأرض، وروحٌ تتشبثُ بالتراب. هذه الرواية ليست مجرد سردٍ لزمنٍ مضى، بل هي استدعاءٌ لشعلةٍ لم تنطفئ. تبدأ الحكايةُ من حيثُ يحتضنُ الحلمُ الواقع، حين كانت حروفُ الأبجديةِ تتراقصُ في الأذهان، والروحُ تبحثُ عن نصفها الآخر بين أزقةِ الحياة. لم تكن هناك أوزوريسٌ يبحثُ عن جثته، ولا فرسانٌ يمتطون الخيولَ الوردية، بل رجلٌ أسَر بقلبه، وامرأةٌ أحاطتهُ بنظرتها. في خضمِ صخبِ الحياة، تتشابكُ المصائرُ كجذورِ الزيتونِ العتيق؛ فمن بينِ رصاصٍ طائشٍ وحلمٍ بالحرية، تسقطُ سماحٌ شهيدة، لتُكتبَ مأساةُ البترِ كوشمٍ على جسدِ بطلتنا، وترسمَ ندوبَ المقاومةِ على صفحةِ الوجود. هذه ليست مجرد قصة، بل هي صرخةٌ تُولدُ من رحمِ الألم، لتُعانقَ السماءَ بحثاً عن معنى. عندما يُعشق الزيتون
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEh00BndZB1o2pNiIJnQnr8JGSRQtSf1Fttc0an4X-Ike2L7sUr6pJ5MRTTjTDuNG663V99q_oBa_r_2brHK1edB1F2qDHcol3Fe8uxnQEEwkysDG6f9gM06FlMQsuZCCqHbCF6vPkRO7PLbWFZX-SZQpKUagdUQcg8OUBSS1M0Tr3av_e9Sb72KkSjo9-c/s320/367.jpg

زيتونةٌ تُعشق، لا شجرةٌ باردةٌ تُثمر. هي قلبٌ ينبضُ بالأرض، وروحٌ تتشبثُ بالتراب. هذه الرواية ليست مجرد سردٍ لزمنٍ مضى، بل هي استدعاءٌ لشعلةٍ لم تنطفئ. تبدأ الحكايةُ من حيثُ يحتضنُ الحلمُ الواقع، حين كانت حروفُ الأبجديةِ تتراقصُ في الأذهان، والروحُ تبحثُ عن نصفها الآخر بين أزقةِ الحياة. لم تكن هناك أوزوريسٌ يبحثُ عن جثته، ولا فرسانٌ يمتطون الخيولَ الوردية، بل رجلٌ أسَر بقلبه، وامرأةٌ أحاطتهُ بنظرتها. في خضمِ صخبِ الحياة، تتشابكُ المصائرُ كجذورِ الزيتونِ العتيق؛ فمن بينِ رصاصٍ طائشٍ وحلمٍ بالحرية، تسقطُ سماحٌ شهيدة، لتُكتبَ مأساةُ البترِ كوشمٍ على جسدِ بطلتنا، وترسمَ ندوبَ المقاومةِ على صفحةِ الوجود. هذه ليست مجرد قصة، بل هي صرخةٌ تُولدُ من رحمِ الألم، لتُعانقَ السماءَ بحثاً عن معنى.

عندما يُعشق الزيتون نوفيلا 367 112 يناير 2020 no عزة مصطفى عبد العال كاتبة مصرية https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEiesCOckkpflmYiCTVud5KkffE8cgEpltZO1vKl1EqhSzjbUWJCMejLJX-y8AqeUBbrUIgDs4qlbv6oPDA7EeN9r44EFYpgXR19QsOWyAZfeE60D7w2VIVlNGfRg50_gChmtDYygjfWRq-jLGr-jIf_TvffPE9kC8h8WQJQUL52milrA-hVvWiJzrPQqQg/s295/%D8%B9%D8%B2%D8%A9-%D9%85%D8%B5%D8%B7%D9%81%D9%89-%D8%B9%D8%A8%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D9%84.jpg

الزيتون في هذه الرواية ليس مجرد شجر، بل هو حارس الذاكرة الذي يضرب بجذوره في أرض لا تقبل القسمة على اثنين، ونصوص عزة مصطفى عبد العال في "عندما يُعشق الزيتون" تنسج من وجع الاقتلاع ملحمة إنسانية تتجاوز حدود الحكاية التقليدية لتلامس تخوم التراجيديا الإغريقية بلسان فلسطيني مبين. تبدأ الحكاية من عتبة التكوين، حيث السيرة الفردية تتقاطع مع السيرة الجماعية في لحظة ميلاد ليست ككل المواليد، فالبطلة هنا تولد لتجد نفسها في مواجهة مع قدر مدجج بالسلاح، لا يترك لها خياراً سوى أن تكون هي أو لا تكون. تستحضر الكاتبة بروحها المثقفة صورة إيزيس التي تلملم شتات الوفاء في زمن الغدر، لكنها ترفض أن تكون مجرد باحثة عن جثث الهوية، بل تختار أن تكون صانعة لها عبر "نضال"، تلك الشخصية الرمزية التي ابتكرتها بريشتها لتزلزل بها عروش المحتلين وتوقظ ضمير العالم الغافي خلف ستائر التغافل.

المأساة تبدأ من "الرصاص المطاطي" الذي لا يكتفي باختراق الجسد، بل ينفجر في الروح ليترك ندبة لا تمحى، حيث يتحول بتر الساق إلى بتر لجزء من الطفولة، لكنه في الوقت ذاته يصبح الوقود الذي يشعل نار المقاومة بالكلمة واللون. تصف المؤلفة مشهد استشهاد "سماح" و"ناصر" لا كأرقام في كشوف الموتى، بل كخيوط من دماء وحلم تارةً ترسم وجه الحرية، وتارةً تسكن غرف التحقيق المظلمة التي تفوح منها رائحة الموت والتحلل. في تلك الزنازين، حيث يختبر السجان صلابة الساق الصناعية بالسوط، تبرز قيمة المنبر الذي تحدث عنه الشيخ في الرؤيا؛ إنه منبر الحق والعدل الذي لا يعتليه إلا من آمن أن الكلمة هي الأثر الخالد الوحيد الذي لا يطاله الصدأ.

اللغة في الرواية تنساب كزيت يضيء قناديل العودة، فالبطلة التي فقدت جزءاً من جسدها لم تفقد يوماً بوصلتها، بل جعلت من "نضال" كائناً حياً يسكن جدران المدن وقلوب الناس، حتى صار المحتل يخشى ورقة مرسومة أكثر من خشيته من ترسانة عسكرية. إنها استعادة لمفهوم "المثقف المشتبك" الذي تحدث عنه غسان كنفاني، حيث يتحول الفن إلى جبهة قتال، وتصبح اللوحة بياناً سياسياً يرفض الانكسار أمام لسعات البرد أو سياط التعذيب. الكاتبة تضعنا أمام مرآة الحقيقة، حيث الموت أرحم من الوجود تحت وطأة الظلم، وحيث الانتماء للأرض هو الفعل الذي يمنح الحياة معناها الحقيقي، بعيداً عن صخب الشعارات وجفاف الأيديولوجيا.

تنتهي الشذرات التي بين أيدينا بمشهد مهيب، حيث تُسحب البطلة على الأرض القذرة وهي تحتضن ساقها الصناعية كأنها تحتضن وطناً جريجاً، لتمزج بين عجز الجسد وعنفوان الروح في صورة فنية بليغة. الكتاب في جوهره صرخة في وجه النسيان، وردة مغروسة في طريق الشوك، وإهداء لكل من يعشق الزيتون لا كشجر، بل كرمز للصمود الذي لا ينحني للعواصف. في كل جملة من جمل هذا العمل، نلمس نبض الدماء التي تبقي الكاتبة على قيد الحياة، ونسمع صدى الدعوات التي ترفعها الأمهات نحو السماء، وكأن الرواية في مجملها صلاة طويلة من أجل الخلاص، وسجل حي للأرواح التي سكنت حجرات القلب ولم تغادرها أبداً رغم رحيل الأجساد مباغتةً تحت وابل الرصاص.