حينما فاض قلبي

قلبٌ فاضَ بما فيه، لم يعد يتسع لصمت. همساتٌ تولّت، وأشواقٌ غامرة، تركت أثرها كوشمٍ على الروح. تتبعُ الشاعرة "آمنة محمد قناش" خيوط الشجن، فتنسج منها قصائدَ تشبهُ العاصفة الهادئة، تهزّ وجدان القارئ دون أن تكسره. هنا، لا تجدُ الكلماتِ مجرّدَ حروفٍ مرصوفة، بل نبضَ روحٍ تئنّ، وتشتاق، وتحبّ، وتتألم. هي رحلةٌ إلى أعماق الذات، حيث تتجسّدُ الأحلامُ والآلامُ في صورٍ شعريةٍ قوية، تلامسُ شغاف القلب. هذا الفيضُ الشعريّ، هو صرخةٌ للحياة، واحتفاءٌ بالجمال، وتحدٍّ للواقع القاسي. كأنّ كلّ بيتٍ هو نافذةٌ تطلّ على عالمٍ إنسانيّ عميق، يدعوكَ لتشاركهُ أفراحهُ وأحزانه. حينما فاض قلبي
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEhVKSPqNgcUdORFbeKMogrmKuAxdQhGK1yD6nQ18lL95yo-lrEh5f017n1x6CWIe6xbYQNmnB0HfxMF4QWi0-hl8e8wtN_QMqNLQ2hzvexVNsNegzcfC3HKptbPL8AaXtbhBRGi3fWP5Y5Fo8FFIMf1utmXE6ZXbsCiOn-8VifehVMjhZ7jwfDDYUOp4kA/s320/401.jpg

قلبٌ فاضَ بما فيه، لم يعد يتسع لصمت. همساتٌ تولّت، وأشواقٌ غامرة، تركت أثرها كوشمٍ على الروح. تتبعُ الشاعرة "آمنة محمد قناش" خيوط الشجن، فتنسج منها قصائدَ تشبهُ العاصفة الهادئة، تهزّ وجدان القارئ دون أن تكسره. هنا، لا تجدُ الكلماتِ مجرّدَ حروفٍ مرصوفة، بل نبضَ روحٍ تئنّ، وتشتاق، وتحبّ، وتتألم. هي رحلةٌ إلى أعماق الذات، حيث تتجسّدُ الأحلامُ والآلامُ في صورٍ شعريةٍ قوية، تلامسُ شغاف القلب. هذا الفيضُ الشعريّ، هو صرخةٌ للحياة، واحتفاءٌ بالجمال، وتحدٍّ للواقع القاسي. كأنّ كلّ بيتٍ هو نافذةٌ تطلّ على عالمٍ إنسانيّ عميق، يدعوكَ لتشاركهُ أفراحهُ وأحزانه.

حينما فاض قلبي شعر 401 150 يناير 2020 yes 201091985809 أمنة محمد قناش كاتبة فلسطينية

تنبثق الكلمات في ديوان "حينما فاض قلبي" للشاعرة آمنة محمد قناش كأنها اعترافات أخيرة تقال تحت ضوء قمر شاحب، حيث تتحول القصيدة من مجرد وزن وقافية إلى مأوى للمتعبين والباحثين عن مرافئ آمنة وسط عواصف الوجود. تبدأ الشاعرة نصها برؤية تذكرنا برقة مي زيادة في رسائلها، لكنها تحمل صلابة الأرض التي نبتت منها، فتجعل من "الفيض" عنواناً لحالة شعورية تتجاوز حدود الجسد لتسكن في الفراغات الثقافية والروحية للقارئ العربي.

إنها تكتب بمداد من الأشواق التي لا تهدأ، وكأنها تستعيد مقولة جلال الدين الرومي بأن "النور يدخل من الجروح"؛ فكل قصيدة في هذا الديوان هي جرح مفتوح على السماء، يحاول أن يستسقي الأمان في زمن شحّت فيه الطمأنينة. تتجلى في الأبيات ملامح الغربة، لا بصفتها ابتعاداً مكانياً فحسب، بل بوصفها حالة وجودية تجعل من المخيم والمدينة والحدود قضبانًا تحاصر الروح التواقة إلى العناق الأول.

تنسج قناش علاقة صوفية مع المكان، فغزة في قصائدها ليست مجرد إحداثيات جغرافية، بل هي "العشق" الذي يسكن الوتين، حيث يمتزج صوت الأم بحكايا التاريخ، وتتحول رفح إلى حضن يلملم أشلاء الراحلين في مشهد تراجيدي يقطر حزناً نبيلاً. وتنتقل الشاعرة بين وجع العام وخيبات الخاص بسلاسة موسيقية، فتارة نجدها تنحني أمام خط الحياة الذي مال بها نحو المشيب، وتارة أخرى نراها تتمسك بنرجسة الروح التي ترفض الذبول رغم احتراق الأيام. إنها تستحضر في نصوصها ثنائية العجز والقدرة، حيث يكبلها الواقع وتطلقها اللغة نحو "جنة فردوس" تنشد فيها الغفران والخلاص من كيد التكرار اليومي الممل.

يظهر في ثنايا الكتاب حضور طاغٍ للآخر، الشريك والرفيق والخصم، في جدلية عاطفية تشبه حوارات غادة السمان وغسان كنفاني، حيث تضيع الفواصل بين التحقيق والوهم، وتغص الكلمات بالريق حين يحين وقت المواجهة. تصف الشاعرة الحب بأنه بناء هش لـ "أعشاش وثيرة" سرعان ما تذروها رياح البين، تاركة خلفها ياسميناً جافاً وأغصاناً تهتز من فرط الوجع. وفي هذه اللحظات من الانكسار، تظهر "جنية الشعر" كمنقذ أسطوري، تسرق الشاعرة من عالمها الضيق لتقذف بها في بحور الضياء، وكأن الشعر هو الترياق الوحيد القادر على رتق ثقوب القلب وإنعاش الذاكرة المنهكة.

لا تكتفي آمنة قناش برصد العواطف المجردة، بل تمنح المرض والألم الجسدي صوتاً إنسانياً يئن بين السطور، فتخاطب الصداع والحمى كزوار ثقلاء يحاصرون كينونتها. وفي مشهد مهيب، تبرز صورة الأمومة التي تخشى على صغارها من عدوى الحزن قبل عدوى الجسد، وهي صورة تعكس عمق التضحية الإنسانية التي تسمو فوق الأوجاع الذاتية.

إن الديوان في جوهره هو رحلة بحث عن "سقيا" تزيل بقايا الهم، هو دعاء طويل ممتد من غزة إلى أقصى حدود الروح، ينتهي بتسليم كلي للقوة الغيبية التي تمنح الرشد في لحظات التيه. ويبقى السؤال عن جدوى الانتظار معلقاً في هواء القصيدة، بينما تظل الشاعرة واقفة كغصن ببان يداري حزنه المتهادي، منتظرة انهماراً يغسل وعثاء الطريق ويعيد صياغة الأحلام التي تكسرت على صخرة الواقع الغرور.