قسمة ونصيب

ينحت أحمد البحيري خيوط الروح على صفحات ديوانه "قسمة ونصيب"، ناسجًا من العامية المصرية خيوطًا تلامس شغاف القلب. لا تبحث هنا عن بلاغة زخرفية تزين المعنى، بل عن صدق منفرد ينساب كدمعة لا تُرى، كضحكة لا تُسمع. قصائده ليست مجرد كلمات، بل هي نبضات صادقة، حنين متأجج، وجراح تعبر عن نفسها بجرأة المحب الصادق. يغوص بنا في مياه الحب العذبة والمُرة، في صحراء الوحدة، وفي واحات الصداقة التي قد تخون أو تبقى وفية. كل قصيدة هي نافذة على جرح قديم، أو أمل يولد من رماد الألم، أو شجن يختبئ خلف ابتسامة. كأننا نقرأ لأخٍ لم نره، يتحدث عن مصائرنا المتشابكة، عن تلك القسمة التي قد تأتي بالنعيم أو بالنار. هو بحر من المشاعر، يتلاطم على شواطئ الوجدان، تاركًا وراءه أثرًا عميقًا، كحكاية قديمة تتجدد مع كل قراءة. قسمة ونصيب
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEgrf5gScGB78xVYDOwSz90iCFns87arWy8Y2lEndJpHctg9plI6sEkEdDmTe5_ezOgW6-bTpF7zE5pwgXrewUJ-i_Ug9Zlf1YH0TpDQVThI-5pToWK7wxQscJOOb3r3JzcoSSL3gfPyKMYELa4m2Qe2aAYf9t8GdbxW7UtiSn0G49AwixjJxY_ggVwd9so/s320/340.jpg

ينحت أحمد البحيري خيوط الروح على صفحات ديوانه "قسمة ونصيب"، ناسجًا من العامية المصرية خيوطًا تلامس شغاف القلب. لا تبحث هنا عن بلاغة زخرفية تزين المعنى، بل عن صدق منفرد ينساب كدمعة لا تُرى، كضحكة لا تُسمع. قصائده ليست مجرد كلمات، بل هي نبضات صادقة، حنين متأجج، وجراح تعبر عن نفسها بجرأة المحب الصادق. يغوص بنا في مياه الحب العذبة والمُرة، في صحراء الوحدة، وفي واحات الصداقة التي قد تخون أو تبقى وفية. كل قصيدة هي نافذة على جرح قديم، أو أمل يولد من رماد الألم، أو شجن يختبئ خلف ابتسامة. كأننا نقرأ لأخٍ لم نره، يتحدث عن مصائرنا المتشابكة، عن تلك القسمة التي قد تأتي بالنعيم أو بالنار. هو بحر من المشاعر، يتلاطم على شواطئ الوجدان، تاركًا وراءه أثرًا عميقًا، كحكاية قديمة تتجدد مع كل قراءة.

قسمة ونصيب شعر عامية 340 92 نوفمبر 2019 yes 201091985809 أحمد البحيري كاتب مصري https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEigDbhBeM5bUyye7Zy_E5DBuhKr6icY8X-NOsFfrJ4dVAosaPQF_M8DDx4RwusmWDxn5nJ9_VxnBcebXOmuU_ZuVCh5JZeew1_6H2VdJUGXsCJjfQV7eWf43rW60YKGWRpUS5iduajlUY74OHSHyID7m48fjHqLcJNLOaQ3Y3jLwCUdIaJ_XrmVVRdavNw/s800/%D8%A3%D8%AD%D9%85%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%AD%D9%8A%D8%B1%D9%8A.jpg

يمتد ديوان "قسمة ونصيب" بأجنحة من الشعر العامي المصري، ليكشف عن رحلة روحٍ تتأرجح بين مرارة الفقد وحلاوة الذكرى، وتستبيح لنفسها بحر العشق بكل ما فيه من جزر ومد. أحمد البحيري، الشاعر الذي يكتب بدمه على بياض الورق، لا يخشى أن يغوص في أعماق التجربة الإنسانية، ليقدم لنا قصائد ليست مجرد كلمات، بل نبضات قلبٍ مكشوف.

في ثنايا الديوان، تتجلى مشاعر الحنين الملتهبة، كشعلة لا تنطفئ في ليالي الوحدة. يتحدث عن غيابٍ ترك القلب جريحاً، لا يعرف كيف يقرر، ولا يجد طبيباً يداوي كسره. فالأيام ضلمة، وتغيب عنها شمس النهار، ولا يعوض عن هذا الغياب سوى صورة المحبوب التي تباغت العين ليلاً ونهاراً، والشوق الذي يزداد مع كل دقة ساعة، والحنين الذي يرافقه. كلمات الشاعر هنا ليست مجرد تصوير، بل هي محاولة لاحتواء هذا الفراغ الهائل، الذي لا يسعه عشرات الدواوين.

تنساب قصائد الوداع كأنها همسات أخيرة، تحمل أسئلة تتساءل عن جدوى البعد، وعن إمكانية العيش في يومٍ خالٍ من وجود من أحب. يستحيل على القلب أن يتخلى عن نبضه، فهذا المحبوب هو عيد العمر، وهو الروح والجسد. كيف يرحل من عاش من أجله، وجعل الحب صاحب أيامه؟ لحظة الغياب عن القلب، هي ضياع، وحسرة، وضياع لكل ما كان.

يتكشف ديوان "قسمة ونصيب" عن عبثية المحاولة لفهم ما يفعله الحب بقلوبنا، فهو يطرح أسئلة تتلاشى أمامها كل الإجابات. يعرّي الشاعر إحساسه العميق بالوحدة، فهو محروم من الكلمة الحلوة، ومن لهيب الشوق الذي لا يطفئه إلا حبيبه. يسهر الليالي وحيداً، يناجي طيفه، بينما ينام حبيبه بين أحلامه، غافلاً عن ألمه. يتحدث عن لسان حبيبه الذي يذكر كلمة الشوق، ويصف فرحة قلبه، فيظن الشاعر أن هذا الوصف له، فيطير قلبه فرحاً. لكن الحقيقة تكون أشد وطأة، فالوصف ليس له، بل لغيره، وهذا هو الألم الأعظم.

يتعانق الحب في أبياته مع نارٍ تحرق، ويجد القلب أمام هذا الحس المتدفق ينهار. لم يحب الشاعر غيره، ولن يختار سواه. لكنه يذكر الصديق، الأخ الغالي، الذي هو كالقريب، ليؤكد أن الحب، وإن كان مؤلماً، لا ينسيه قيمة الصداقة.

تتخلل الديوان صورٌ لوفاءٍ لم يجد مقابله، فالشخص الذي رحل، ترك فراغاً لا يعوض بربع حنانه. لف الشاعر الدنيا، وعرف الكثير، لكن مكان هذا الغائب ظل باقياً. قرر أن يبيع الكل، ليصاحب خيال من فقده، ويعيش باكياً ليلاً ونهاراً، وقلبه نارٌ، ومشتاقٌ لأيامٍ مضت. تركه الحبيب وحيداً، يناجي الليل والحزن الذي أغرق روحه. صورة الحبيب تتجاوره في عقله، والشوق يزداد، والحنين يتضاعف، والدموع لا تجف.

يسترجع الشاعر ذكريات الطفولة، حين كان الحب مشروعاً بريئاً، وحلماً جريئاً بدأت قصته بهواه. يتذكر الوعد الذي قطعه بأن يعيش معه، وأن هذا كان حلم حياته. يقف على بابه، مؤمناً بأنه يسكن قلبه وروحه. وإن مرت عصور، سيأتي بنور الكون على يديه، ويعيش خادماً له، فرحته تكمن في ابتسامته. لكن جرح الفقد، وسماع خبر الوفاة، يترك القلب مكسوراً، ويعود ليؤكد أن غياب الحبيب لا يعوض.

تتساءل بعض القصائد عن أسباب البعد، رغم حبٍ وشوقٍ لا ينتهي. من قال إن الحب قد هشّ؟ يبقى الشاعر على وصف معنى حبه، ويسأل ألف "لماذا؟". لماذا البعد، والقلب يعيش على ودّ الحبيب؟

تتفتح وردة بيضاء في الديوان، تحمل رسالة قلبٍ إلى حبيبه، تصف ناره ولهيبه. تطلب من الورقة البيضاء أن تخبره كم يحتاج لحنانه، وأن نهاره وليله دعاءٌ لأن يصبح نصيبه. بنظرة واحدة، انقلب كيانه، ورماه قلبه على الأحلام، وأصبحت كل الآمال فيها. بسببها، لم ينم القلب أبداً، ومن نظرة وهمسة، صارت كل حياته. ولكن في لحظة الكلام، يجد لسانه يقول "حرام".

تتساءل قصيدة "معقول" عن اختيار البعد لهما بين العشاق، بينما يحوط الفرح جارهما، ويكون الحزن نصيبهما. لماذا القلب صافٍ، يسهر لياليه بين الأحلام، بينما الويل غالب في حياتهما؟

يأتي شهر رمضان كضيفٍ عزيز، شهر الرحمة والغفران، يملأ المكان بالخير، ويجمع العائلة على الفطور. هو أجمل شهر، يأتي مسلماً، ويبارك.

تتغنى قصيدة "يا شمس" بطلة جميلة، كأحلى زهرة في بستان، تشرق وتزهر. يوم ميلاد أغلى زهرة، لا تبخروها بالبخور، احذروا عين الحاسد.

تتحدث قصيدة "سوء ظنونك" عن لسانٍ يحرق القلب، رغم أن صاحبه يشعر بأن دنياه مروية من حنانها. لماذا أخفت بيديها ضحكة حاول رسمها منذ زمن؟ المكان الوحيد الذي لها فيه، لم يصل إليه أحد غيرها.

يغيب الحبيب، فتعيش العين في نار، ويصبح القلب مجروحاً بمر الغياب، لا يعرف كيف يقرر. كل الأيام فيها ظلمة، ولا يزورها نهار. يسمع القلب نبضاته، وترى العين الكلام، ويهرب اللسان، تاركاً النظرة تحكي الحنين. إن حاول وصف حبه، فلن تكفيه عشرات الدواوين. فمن يوم غياب الحبيب، يصيب الهم سنين.