انتبه إلى يمينك لعله يسار

تأمل زاوية يمينك، فقد تعكس اليسار. راجع لحظات الماضي القريب، ستجد نفسك مقتنعاً برأي استنزف أعصابك. سنوات قليلة مرت، وتلك القناعة أصبحت مشهداً مضحكاً. كيف تبنيت ذلك الرأي أصلاً؟ قبل اتخاذ أي موقف جديد، توقف طويلاً. وإن حالفك الحظ لاتخاذ موقف، فاهدأ. لا ترهق نفسك بالانفعال والدفاع والتحيز؛ فما يطفو على السطح هو جزء ضئيل مما خفي. لا تثق بالاتجاهات لمجرد لافتة تحمل سهماً. قد تكتشف أن بعض الحقائق التي كنت متمسكاً بها، هي مجرد وهم. الماضي القريب يعلمنا أن الانحياز لأفكارنا الأولى قد يكون أقصر طريق للخطأ. هذا الكتاب يدعو إلى إعادة النظر، إلى فحص قناعاتنا بعين فاحصة، لا بعين المتعصب. هو دعوة لاستكشاف ما وراء اللافتات، بحثاً عن حقيقة أعمق وأكثر ثباتاً. انتبه إلى يمينك لعله يسار
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEgB3vrPF8oYgA1lOr2cMVz3W1kDbMI4Yi7nVl6E5XHwbdWr1IIkZnIAkM7IKnqc21e6I45WjYxjOp6AX_TqMVW0u3uhPOAaHyIFYmPwqXdqG7D5MusVKOmRuq1xpvO4sRzcYq7ost5uJO2zCcT4F_yHGD1sffI-5s8v45LnxVL_dGGjDql33w7Bb5tTSf4/s320/234.jpg

تأمل زاوية يمينك، فقد تعكس اليسار. راجع لحظات الماضي القريب، ستجد نفسك مقتنعاً برأي استنزف أعصابك. سنوات قليلة مرت، وتلك القناعة أصبحت مشهداً مضحكاً. كيف تبنيت ذلك الرأي أصلاً؟ قبل اتخاذ أي موقف جديد، توقف طويلاً. وإن حالفك الحظ لاتخاذ موقف، فاهدأ. لا ترهق نفسك بالانفعال والدفاع والتحيز؛ فما يطفو على السطح هو جزء ضئيل مما خفي. لا تثق بالاتجاهات لمجرد لافتة تحمل سهماً. قد تكتشف أن بعض الحقائق التي كنت متمسكاً بها، هي مجرد وهم. الماضي القريب يعلمنا أن الانحياز لأفكارنا الأولى قد يكون أقصر طريق للخطأ. هذا الكتاب يدعو إلى إعادة النظر، إلى فحص قناعاتنا بعين فاحصة، لا بعين المتعصب. هو دعوة لاستكشاف ما وراء اللافتات، بحثاً عن حقيقة أعمق وأكثر ثباتاً.

انتبه إلى يمينك لعله يسار خواطر ومقالات 234 156 يونيو 2019 yes 201091985809 محمد زكريا كاتب مصري https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEh8lYaMbQ9zZFOTlEEoBShZB1hkXYM850LD_-vC4Ff3K1gsOONp5LbtrPOg5atnO-h-K0aeisKQEMAaFJgPKj-SZJW849GCPec5zu66D9YJk5c9QAW7quxc62_ccY4EidpQuSe-7uGSUlyvWyvTMY1iZ1R2fro7Nj3WQ4mUKq4OHaLdj9BXf7UbG73qf_o/s800/%D9%85%D8%AD%D9%85%D8%AF-%D8%B2%D9%83%D8%B1%D9%8A%D8%A7.jpg

العقل البشري يشبه جهاز رادار قديم، يميل أحياناً إلى تثبيت إشاراته على زاوية واحدة معتقداً أنها الحقيقة المطلقة، بينما تكمن المفارقة في أن ما تراه اليوم يميناً قد يكشف لك الزمن بعد سنوات قليلة أنه كان يساراً خالصاً. يبدأ محمد زكريا سليمان في كتابه "انتبه إلى يمينك لعله يسار" من هذه الظاهرة الملموسة، حيث يراقب الإنسان نفسه وهو يدافع باستماتة، وبأعصاب محترقة، عن رأي أو موقف معين، ثم يمر الوقت لتتحول تلك الاستماتة إلى مشهد يثير ضحك صاحبه قبل غيره. إننا نتحرك في واقع يشبه الغابة الكثيفة، ما يظهر منها على السطح لا يتجاوز 10% من حقيقتها المعقدة، بينما تظل الـ 90% المتبقية مخفية خلف تعقيدات اجتماعية ونفسية وتاريخية لا تدركها العقول المحدودة مهما ادعت العبقرية. التسرع في اتخاذ المواقف بناءً على لافتات الطريق الجاهزة هو فخ هندسي يسقط فيه العابرون؛ فاللافتة التي تشير إلى اليمين قد تكون وضعت في لحظة تضليل أو سوء فهم، مما يجعل التريث قبل تحريك الخطى ضرورة حيوية لا مجرد رفاهية فكرية.

هذا المبدأ في التشكيك المنهجي والبحث عن العمق يمتد ليشمل المنظومة الدينية والاجتماعية التي نعيشها، حيث يرفض الكتاب فكرة التسليم الأعمى بما يسمى "المسلمات" الموروثة دون تمحيص. الدين في جوهره بناء محكم، والقرآن الكريم الذي بين أيدينا هو المرجعية التي فصلت المحرمات بوضوح رياضي مذهل، تماماً كما تُحدد النسب المئوية في توزيع المواريث؛ فالسدس والربع والنصف أرقام لا تقبل التأويل العاطفي. ومع ذلك، يقع الكثيرون في خطأ محاولة تغيير هذه الأحكام الصريحة تحت دعاوى المساواة أو تغير الظروف، متناسين أن الحكمة الإلهية قد تتجاوز حدود الإدراك البشري اللحظي. إن محاولة تحويل "للذكر مثل حظ الأنثيين" إلى مساواة حسابية كاملة هي محاولة لكسر قانون هندسي ثابت بمسطرة بشرية مرنة، بينما الواقع يشير إلى أن المرأة ترث أكثر من الرجل أو مثله في نحو 30 حالة، ولا ترث نصفه إلا في أربع حالات فقط، مما يعني أن الأحكام تُؤخذ كحزمة متكاملة لا كقطع منفصلة.

تنتقل العدسة بعد ذلك إلى خطورة اللغة ومنزلقات التكفير التي تكتسح المجتمعات، حيث يتم التعامل مع الكلمات وكأنها طلقات عشوائية لا يدرك قائلها مداها. يحذر الكتاب من "الغلو" الذي يحول المتدينين إلى قضاة أو آلهة يحكمون على ضمائر الناس، وهو ما يشبه منح شخص غير مؤهل مفاتيح غرفة تحكم مفاعل نووي. هناك فارق جوهري بين "التهوين" من كبائر الكلام وبين "التهويل" الذي يقود إلى تكفير العوام وتجهيل المجتمع؛ فالمسلم "الصعب" هو ذلك الذي يصعب إخراجه من الملة لمجرد كلمة قيلت في لحظة غضب أو جهل. إن قاعدة "حمل الكلام على أحسن محمل" تعمل كصمام أمان اجتماعي يمنع انفجار العلاقات الإنسانية تحت ضغط التصنيفات الدينية الحادة. الكلمة الواحدة قد تهوي بصاحبها في النار أو ترفعه درجات، لكن الحكم على هذه الكلمة لا ينبغي أن يكون وسيلة لغرس فكرة "جاهلية المجتمع" في أذهان الناس، بل يجب أن يظل في إطار النصح الذي لا يتحول إلى منكر بحد ذاته.

الحياة الفكرية والدينية تشبه الميزان الحساس الذي يتأثر بأقل ذرة من الانحياز، والهدف من هذه الخواطر هو إعادة المعايرة لهذا الميزان. لا يمكن بناء وعي حقيقي إذا ظل الإنسان رهيناً لردود الأفعال اللحظية أو التفسيرات السطحية التي تطفو فوق بحر من الغموض. إن الدعوة إلى التفكير والمراجعة والاجتهاد ليست دعوة للفوضى، بل هي دعوة للامتثال للمنهج الذي وضعه ابن حزم قديماً، حيث طالب بالدليل المفصل الصريح قبل إطلاق أحكام التحريم. الانتباه إلى جهة اليمين أو اليسار هو في الحقيقة دعوة لليقظة العقلية، لكيلا يجد المرء نفسه في نهاية المطاف قد سار مسافات طويلة في الاتجاه المعاكس لما كان يظن أنه الحقيقة، تماماً كما يضل المسافر طريقه حين يثق في بوصلة معطلة دون أن يكلف نفسه عناء مراقبة النجوم.