كان شيئاً كان ثم انقضى

يأتي هذا الديوان كشاهدٍ على لحظةٍ انقضت، لكنها ما زالت تنزف في الحواس. حيث يعيد الشاعر بهاء الدين حسين تشكيل العلاقة مع الذات والآخر عبر قصائد تتراوح بين الغزل العذري والرثاء الصوفي والهجاء اللاذع، متنقلاً بين أزقة بغداد ومقامات الحب التي لا تكتمل إلا بالفراق. هنا، يلتقي النبوي بالوجداني، ويتشابك المديح النبوي مع شجن الأطلال، وكأن الشاعر يكتب من فوق جدار الزمن المتصدع. إنه شعر لا يخفي جرحه، بل يُصر على عرضه أمام القارئ بكل وقاحة العاشق الذي يرفض أن يُشفى. بأسلوب كلاسيكي متين، لكنه لا يخلو من مفاجآت لغوية تجعله قريباً من الروح المعاصرة، يضعنا الديوان أمام مرآة تنكسر كلما اقتربنا منها، ولا تترك في أيدينا سوى شظايا الكلمات التي لم تعد تحتمل تأويلاً واحداً. كان شيئاً كان ثم انقضى
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEiIh6zhsbeXE9wX8oIVYnWPNuFxuRGLzgFHR7GY01BVh_XGMdHOyt2mrgtcdpGemj03A0hXNKZ2VCMqQQgyr00k2c1MTlnS-NfRKq6f2E9IkVveP1WVxtorchahjQVFVWQktc5owkokOSgH88nDyiJr357hYy4ZJZRPfGgkN_Davg2JLCdoJ8cpmdkniPw/s320/545.jpg

يأتي هذا الديوان كشاهدٍ على لحظةٍ انقضت، لكنها ما زالت تنزف في الحواس. حيث يعيد الشاعر بهاء الدين حسين تشكيل العلاقة مع الذات والآخر عبر قصائد تتراوح بين الغزل العذري والرثاء الصوفي والهجاء اللاذع، متنقلاً بين أزقة بغداد ومقامات الحب التي لا تكتمل إلا بالفراق. هنا، يلتقي النبوي بالوجداني، ويتشابك المديح النبوي مع شجن الأطلال، وكأن الشاعر يكتب من فوق جدار الزمن المتصدع. إنه شعر لا يخفي جرحه، بل يُصر على عرضه أمام القارئ بكل وقاحة العاشق الذي يرفض أن يُشفى. بأسلوب كلاسيكي متين، لكنه لا يخلو من مفاجآت لغوية تجعله قريباً من الروح المعاصرة، يضعنا الديوان أمام مرآة تنكسر كلما اقتربنا منها، ولا تترك في أيدينا سوى شظايا الكلمات التي لم تعد تحتمل تأويلاً واحداً.

كان شيئاً كان ثم انقضى شعر 545 72 أبريل 2021 yes 201091985809 بهاء الدين حسين كاتب مصري https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEiz8Fm4pRXX9Y9YSiDAeCRAx-UnimxsURkIu1zidN8AZy33ELCMPXxsb41k5FbBovivmc81wTuvtHdNc7NN-8UmSTDDgL-Ca3kSGBL7TKLsLrClPGY5buIjh2IuD8PNtIxyAHGOAGlUZmXdiRURaA1QPMWs5nw9NgQlP9gx15mKGCSAcZM-ERoNi3En4aQ/s295/%D8%A8%D9%87%D8%A7%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%8A%D9%86-%D8%AD%D8%B3%D9%8A%D9%86.jpg

يستهل الديوان بقصيدة "حديث نفس" التي تؤسس لمناخه العام؛ إنها اعترافات شاعر لا يطلب الإنصات بقدر ما يفرضه. حيث تتجلى صورة المتكلم الشعري كفارس يعشق الغموض، ويحمل سيفاً لم يَجنِ قط، وقلباً أمسى عضيناً بالفراق. ثم تنتقل الأجواء إلى مساحة أكثر حميمية في "منزل الحبيب"، حيث يتحول المكان إلى وعاء للذاكرة، وتصير الجدران شهوداً على حب لم يُكتمل، وتتخذ القصائد منحى درامياً يكاد يكون مسرحياً في تصويره لحالة العاشق الذي يعاين منزل محبوبته وقد صار قاتلاً له. وهنا يبرز توظيف الشاعر للتناص مع أبيات شعرية قديمة، كقوله "أمر على البيت الذي فيه قاتلي"، مما يخلق حواراً بين الزمن الشعري القديم والحديث، ويضفي على التجربة بعداً تراثياً لا يثقلها، بل يفتح لها آفاقاً جديدة.

ولئن كانت القصائد الأولى تفيض بالشجن، فإن قصيدة "الومسا" تحمل همّاً أخلاقياً يختلف عن سابقاتها، إذ تتحول النصيحة الأبوية إلى درس في التمييز بين اللفظ والمعنى، وتصبح اللغة سلاحاً ذا حدين. يكتب الشاعر هنا بعين الناقد الاجتماعي، محذراً من صحبة السوء ومنزلقات الكلام التي قد تقلب الحقيقة إلى مهزلة. ثم يتجه الديوان نحو منحى تأملي في "عناب على الرحيل"، حيث يتصاعد إحساس الغربة والخذلان، وتبدو القصيدة كأنها رثاء للصحبة التي تخلت، أو للأيام التي سُلبت بغتة. في هذه النصوص، يبدو الصوت الشعري أكثر انكفاءً، وأكثر لجوءاً إلى الاستفهامات التي لا تنتظر أجوبة، وكأن الشاعر يمارس لعبة الغياب والحضور مع نفسه قبل أن يمارسها مع الآخرين.

ولا يغيب البعد الصوفي عن الديوان، خاصة في القصائد التي تتجه نحو المديح النبوي، حيث ينتقل الشاعر من عشق المحسوس إلى عشق المعنى الأسمى، ويبدو ذلك جلياً في قصائده التي تخلد ذكرى النبي والصحابة، وتمتدح آل البيت، بل وتستدعي أمجاد الفتوحات الإسلامية. هذا التناوب بين العشق الأرضي والعشق الروحي يمنح الديوان سمة التفكك المتعمد، وكأن الشاعر يبحث عن مرساة روحية تنتشله من غرق الغراميات. كما أن قصائده التي تتغنى بالأمجاد التاريخية، كالقصيدة التي تخاطب روما وأثينا، تحمل نبرة تحدٍ وافتخار بالهوية، وتجعل من الذاكرة الإسلامية محوراً للفخر والاستنهاض.

من ناحية الشكل، يعتمد الديوان على القصيدة العمودية الكلاسيكية، محافظاً على نظام القافية والوزن الخليلي، لكنه يضخ فيها روحاً عصرية تجعلها بعيدة عن الجمود. كما يبرز استخدام الشاعر للضمير المؤنث المتعدد، الذي تارة يكون حبيبة حقيقية، وتارة تكون رمزاً للروح أو للوطن أو للمعنى الضائع، مما يضفي على النصوص هالة من الغموض الجذاب. وفي هذا السياق، تظهر قصيدة "الطيف الجديد" التي تمزج بين العشق الصوفي والذاتي، وتقدم الشاعر ككائن يعيش صراعاً بين محاولة التحرر من قيود الحب، واستسلامه الكامل له، وكأنه يرقص على حبل رفيع بين الفناء والبقاء.

لكن الديوان لا يخلو من نبرات هجائية ساخرة، خاصة في قصائده التي تخاطب محبوبته بأسماء مستعارة، حيث تكشف عن علاقة معقدة تجمع بين الحب والكراهية، بين الانجذاب والانزجار. إنها صورة للعلاقة الإنسانية في أكثر تجلياتها تناقضاً، حيث يتساوى العشق مع السخرية، وتصبح الأبيات أشبه بمحكمة تحاكم المحبوبة وتدافع عنها في آن واحد. وبهذا، يصل الديوان إلى لحظة ذروته في قصيدة "جنوة"، التي تكاد تكون وصية أخيرة، أو وقفة تأمل قبل الرحيل، حيث يتسرب اليأس من كل مسامات النص، وتصبح الكلمات المتناثرة كقطع من مرآة تحطمت على أرضية الذاكرة.