اعتذار غير مُجدي

تُولد الغربةُ فينا، لا نختارها، بل هي التي تسكننا، كأنها قدرٌ قديمٌ خطّته السماء لأرواحٍ أضناها البحث عن وطنٍ لا تجده إلا في ثنايا الذاكرة. "أنا قطرةٌ لفظها البحر"، هكذا يقول الشاعر، يحمل في طياته دهشةَ الوجودِ المنفصل عن مصدره، عن ذلك البحر الذي احتضنه ثم لفظه، تاركاً إياه حبةَ رملٍ مبللة تحت حوافر الأقدام المسرعة. في هذا النص، نغوص مع الشاعر في دروبٍ معتمة، حيث تتشابكُ مشاعرُ الحزنِ والشوقِ والألم، لتنسجَ قصائدَ تنبضُ بالحياةِ رغمَ قسوةِ الظروف. كأنّ القصيدةَ هنا هي ملاذُ الروحِ الوحيد، هي الكسوةُ التي تُدفئُ جسدَ الحقيقةِ العارية، وتُعيدُ للألمِ لونهُ الإنساني، لا مجردَ صراخٍ بل لحنٌ حزينٌ يترددُ في أروقةِ الوجدان. هنا، تتجسدُ الكلماتُ كدموعٍ تتساقطُ بصمت، لتُرويَ ظمأَ أرواحٍ تبحثُ عن معنى في عالمٍ قاسٍ، تتشابهُ فيه الآلامُ وتتوارى الفرحةُ خلفَ غيومٍ سوداء. اعتذار غير مُجدي
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEhWEjr6MjkanicKtzTHiShKoMPJEQzbAfdVxkBMOEtbbDGamsQ3OkhKVjol8FSY2jmpCl_9UrR6gC6i0KsjcUlGP4c6z3flGjfhB547vo_ZU5IgXnUwXFtMXVjY-qXOw7wEzW0rY6qYksIRJ84HAC9UYPCWy9N2dSS6adpL00aB77Loh_2q8bvYF-_kcjA/s320/422.jpg

تُولد الغربةُ فينا، لا نختارها، بل هي التي تسكننا، كأنها قدرٌ قديمٌ خطّته السماء لأرواحٍ أضناها البحث عن وطنٍ لا تجده إلا في ثنايا الذاكرة. "أنا قطرةٌ لفظها البحر"، هكذا يقول الشاعر، يحمل في طياته دهشةَ الوجودِ المنفصل عن مصدره، عن ذلك البحر الذي احتضنه ثم لفظه، تاركاً إياه حبةَ رملٍ مبللة تحت حوافر الأقدام المسرعة. في هذا النص، نغوص مع الشاعر في دروبٍ معتمة، حيث تتشابكُ مشاعرُ الحزنِ والشوقِ والألم، لتنسجَ قصائدَ تنبضُ بالحياةِ رغمَ قسوةِ الظروف. كأنّ القصيدةَ هنا هي ملاذُ الروحِ الوحيد، هي الكسوةُ التي تُدفئُ جسدَ الحقيقةِ العارية، وتُعيدُ للألمِ لونهُ الإنساني، لا مجردَ صراخٍ بل لحنٌ حزينٌ يترددُ في أروقةِ الوجدان. هنا، تتجسدُ الكلماتُ كدموعٍ تتساقطُ بصمت، لتُرويَ ظمأَ أرواحٍ تبحثُ عن معنى في عالمٍ قاسٍ، تتشابهُ فيه الآلامُ وتتوارى الفرحةُ خلفَ غيومٍ سوداء.

اعتذار غير مُجدي شعر 422 68 مايو 2020 yes 201091985809 محمد البدري كاتب مصري https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEj8eKXTGOyp46rvzejHiaRtdau3HIq9itoZX0oqnREuB6lP3qik7PH__jcwmTct6xKJ2kO7uRewEYOKg_WcZT0_yus6451l62yXZaui_CoCTdlZQW9bRGfbZKy2A2Ohiywdc5nOxEOCyBCKL89JjF3WErx1i8aas9BUgPASCm9zROw9UW1b3eYjkRt0c3A/s295/%D9%85%D8%AD%D9%85%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%AF%D8%B1%D9%8A.jpg

يمتزج شعر محمد البدري في "اعتذار غير مجدٍ" بصدقٍ يلامس جوهر الغربة، لا تلك التي تعرف حدّاً جغرافياً، بل غربة الروح التي تتجذر في القلب حينما يصبح الوطن حلماً بعيد المنال. إنها غربةٌ لا تبحث عن مأوى، فقد أصبحت هي نفسها الأرض والوطن. الغربة هنا حبرٌ يلوثه الملح، وقلبٌ ينزف بشدةٍ خذلته دماؤه. هو، الشاعر، قطرةٌ لفظها البحر، جزءٌ لم يكتمل قدره، تتقاذفه أمواج الحياة ليكون مجرد حبة رملٍ مبللة، تدوسها الأقدام المرحة والقلوب المتعبة.

في غياهب ليلٍ طويلٍ يعصف به بردُ القسوة، ينتظر الشاعر شمس الغد بشغف، علّها تمنحه جسداً من نورٍ ليسمو ويتجاوز حدود المد والجزر. يمتطي سحابةً مثله، مطاردةً وطناً تائهاً، باحثةً عن لحدٍ يضمّ جسدها المتعب. يرى في العابرين مثله، غرباءً يتركون خلفهم أحبةً، لكنه لا يخاف. ربما يروي نبتةً أنهكها الجفاف، أو يبحث عن نبعٍ يخفف ظمأ الروح. يخشى أن يكون مجرد قطرة دمٍ أو دمعة أمٍ، أو حتى سماً زعافاً. يناشد أمه ألا تتساءل عن مصيره، فربما تجمعهم الضفاف يوماً، لكن الجرح الذي لفظه البحر لن يندمل.

تتجسد في قصيدة "اشتهاء السم" نظرةٌ تتحدى براءة العالم، لعنةٌ موجهةٌ للأبرياء. عينان كالسماء تحتضنان ظلمة الليل، والشمس تبدو عليهما بخجل. يشتهي الشاعر السم لو مرّ عبر شفتيها، والنار لو أحسّ ولهيب شبابها. يتمنى لو قضى عمره القصير ليقبّل فاها، يشتهي رغبةً حرّى وهمساً قلقاً يعتصر قلبه.

وبين صفحات الكتاب، تتكشف صورٌ أخرى للأسى. حين يجلدون فتصرخون، وحين تبكون عند الفراق، يتمنى الشاعر لو تطيع عيناه. يعلّقون آلامهم على خشبات الصلب، لكنه هو وحده المصلوب على جسده، مشنوقٌ على حبالٍ من دمه. يحمل قدره كوزره، مشدوداً من القلب إلى الصدر، ودماؤه الحارة تلسعه، تسري حريقاً في عروقه.

في "اغتيال العبير"، يخاطب زهرته الساحرة، متسائلاً عن سبب اختيار القدر لها. سكبت رحيقها، خنقت عطرها. يعتذر لروحه الحائرة التي لم تستطع حمايتها، لجراحه الثائرة. ودّع نعيم عينيك، وولّت روحه مدبرة. قلبه بركان، ويداه مقيدتان. عيناه غابات دمعٍ متحجرة. سأل الله أن يعينك، فهو لا يملك سوى الشعر، وماذا يفعل الشعر لجرحٍ يلفظ دماءه حرباً؟ إنما ينزف شعراً، تتساقط عيونه على أوراقه، يبكي. راقبها تذبل، لكنها تظل ساحرة، هي اللحن والغناء. لا يزال يحج إلى رحابها، فراشةٌ ترفل في الضياء، يغوص في كوثرها العميق، يصبو إلى رشفةٍ من رحيق.

يجد فرحاً يسافر في سحيق الفضاء، لكنه لم يصادف إلا الجراح. كيف علّمت روحه الفرح؟ يا عطراً صباحياً لم يعد يأتي، ولم يعد يأتي الصباح. صار عمق الفرح جرحاً. لا يلوم الشاعر زهرته، بل يلتمس منها العذر، عاجزاً أمام شمسٍ آفل. رأى ما حدث عند الغروب، قادوا الضياء إلى المقصلة. يعتذر لعدم قدرته على تقديم يد العون، أو رفع الصوت، أو حتى اللجوء إلى الصمت والفوز بالموت. كان الجمال بين عينيك، نقيضاً لقبح حياته. ذبحوا الجمال على مرأى من الجميع، كسروا شراعه، أغرقوا مرساته. تركوه، تقوده خطواته لترسم خيوط مأساته. ترحل أزهارته، تذبل بعيداً. كان هو البستاني.

ماتت وتركته وحيداً، شريداً. كأنما خُلقوا ليُعانوا. كم تعانقت نظراتهم فعانقت الأماني فيهم. حلموا بسرقة ساعةٍ من العمر، فسرقتهم الدقائق والثواني. ليت الزمان توقف بهم هناك، أو ألقى بهم إلى النسيان. كانت هبةً من الرحمن، فلماذا انسحبت الآن؟ ودّع على شفتيها آخر بسمات الزمان، لكن البسمة دامعة. أتراها تسحقها الشفاه، أم يحزنها فراق قلبه المسكين؟ يرافقه الجرح كما يرافقه السكون.

هذه القصائد المتناثرة، "رسائل لم تصل"، "بين أجنحة الكاردينال"، "أسيرة روح"، وغيرها الكثير، تكشف عن عالمٍ روحيٍّ متعب، يعيش صراعاً أبدياً بين الحب والخذلان، بين الأمل واليأس. تنوعت العناوين لتشكل خارطةً لمشاعر متقلبة، تتأرجح بين رحلات روحية وشخصية، بين مواجهات مع الذات ومع الآخرين. يتجسد في كل عنوانٍ ومقطعٍ حزنٌ دفين، وشوقٌ عارم، ونظرةٌ ثاقبة إلى تعقيدات النفس البشرية. إنها رحلةٌ في دروب الحياة، حيث يتداخل الجمال بالقبح، والفرح بالألم، والحب بالخيانة.