عم صابر

ليس عم صابر رجلاً واحداً، بل هو كل من حمل همَّ الوطن على ظهره ومشى. في هذا الديوان الشعري بالعامية المصرية، يرسم محمد حسني نصار ملامح رجل بسيط يقرر الهجرة هرباً من ضيق العيش وطبقية المجتمع، ليكتشف أن الألم ليس حكراً على بلدٍ دون آخر. لكن القصيدة لا تتوقف عند حكاية المهاجر، بل تتمدد إلى مسرحيات شعرية تنبض بالحياة: غابةٌ يتحالف فيها حمار مع أسد ليذبح الزرافات، ومحاكمةٌ صوريةٌ يساق إليها أحرارٌ بتهمة التفكير، وقدسٌ تنزف حروفاً وتنتظر جيلاً جديداً. بأسلوبٍ يمزج البساطة بالعمق، والسخرية بالرثاء، يتحول الديوان إلى مرآة تعكس واقعاً عربياً مريراً، لكنها لا تخلو من ومضات أملٍ تطل من بين القضبان. هنا، حيث يلتقي وجع الفرد بوجع الجماعة، وحيث يصير الحلم بالحرية أغلى من الخبز، يولد شعرٌ لا يُقرأ، بل يُعاش. عم صابر
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEg2RpSUN7-TUsPcjkZ_PLW9pi79Tcp8GJLP87sU4jw1PC15k-pxJQE2BZ6zbEOSc2XsNRggUdAr0GG-IL-B8ZTFRgjH5tZsKiBPu5W5EIdCQ9wS-FQh5GhVk1oYOwcY_iG5hwldJO0glTqlxWpaJK2ccPonmZ8pruhvJcTlb9YF6yWD-Kxjx9zIO3FVRRE/s320/523.jpg

ليس عم صابر رجلاً واحداً، بل هو كل من حمل همَّ الوطن على ظهره ومشى. في هذا الديوان الشعري بالعامية المصرية، يرسم محمد حسني نصار ملامح رجل بسيط يقرر الهجرة هرباً من ضيق العيش وطبقية المجتمع، ليكتشف أن الألم ليس حكراً على بلدٍ دون آخر. لكن القصيدة لا تتوقف عند حكاية المهاجر، بل تتمدد إلى مسرحيات شعرية تنبض بالحياة: غابةٌ يتحالف فيها حمار مع أسد ليذبح الزرافات، ومحاكمةٌ صوريةٌ يساق إليها أحرارٌ بتهمة التفكير، وقدسٌ تنزف حروفاً وتنتظر جيلاً جديداً. بأسلوبٍ يمزج البساطة بالعمق، والسخرية بالرثاء، يتحول الديوان إلى مرآة تعكس واقعاً عربياً مريراً، لكنها لا تخلو من ومضات أملٍ تطل من بين القضبان. هنا، حيث يلتقي وجع الفرد بوجع الجماعة، وحيث يصير الحلم بالحرية أغلى من الخبز، يولد شعرٌ لا يُقرأ، بل يُعاش.

عم صابر شعر 523 84 يناير 2021 yes 201091985809 محمد حسني نصار كاتب مصري https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEjCzM5p_1F1yHdI1W-D7Sq5UnlxmRTEqLGtZUf0ZyXnLa_MfRGTlmjLea9c1ecgLBHOwDl1iG9KpAj7ZuGAAwOuNAtUBxY4oEBKHgS_oKGA-YgB0oYeT264uyqJeish-_js0NHFPaAYcWm4EiZX24V7BIFBKrI-PRdMvlq2hXOpXNSMdnC41uWf_TdHVFI/s800/%D9%85%D8%AD%D9%85%D8%AF-%D8%AD%D8%B3%D9%86%D9%89-%D9%86%D8%B5%D8%A7%D8%B1.jpg

ينفتح الديوان على قصيدة العنوان "عم صابر"، حيث يلتقي الراوي بعد طول غياب بعمه الذي يشبه الأب، ليكتشف أنه على وشك الهجرة. الحوار الذي يدور بينهما لا يحمل طابع الوداع العاطفي فحسب، بل يتحول إلى مرثية للواقع المصري بأسره. يرسم عم صابر مشهد الضيق بألوانٍ قاتمة: الغلاء الفاحش، تردي الصحة والتعليم، وغياب العدالة الاجتماعية. حين يسأله ابن أخيه عن سبب الرحيل، يجيبه بأن الحياة صعبة في كل مكان، ولكن ثمّة فرقاً بين من يغادر بحثاً عن لقمة العيش وبين من يظل يرزح تحت وطأة الظلم. تبرز من بين أبياته صورة الحاج منسي، ذلك الرجل الذي جرجرته العصابة بين عياله وأمام زوجته كأنه حلمٌ خيالي، ليصبح رمزاً لكل المهمشين الذين ضاع حقهم "زي صبحي زي صبري وناس كتير". وهنا، تتحول الهجرة من خيار فردي إلى استعارة للضياع الجماعي، حين يصبح الوطن نفسه مهجوراً، ولو بقي أهله فيه.

غير أن الديوان لا يقف عند حدود الواقعية الاجتماعية، بل يمتد إلى المسرح الشعري، حيث تتحول النصوص إلى عوالم رمزية متكاملة. في مسرحية "حكاية الفيل"، تقوم الغابة على نظامٍ طبقي ظالم، حيث يأمر الأسد بقتل الزرافات، ويكلف الحمار بالإشراف على التنفيذ. يندفع الفيل هارباً وهو يصرخ في وجه الذئب والقرد والنمر، كاشفاً المؤامرة: لم يعد قانون الغابة يحمي الضعيف، بل صار الحكم بيد جحشٍ لا يفقه سوى مالحقة سيده. غير أن الحيوانات، التي ترمز إلى شرائح المجتمع، تنقسم بين خائفٍ مذعور، ومتملقٍ ينقل الأخبار للسلطان، وثائرٍ يرفض الصمت. تتقاطع أصوات الزرافات وهي تلوذ بالفرار باكية، وصوت النسر الذي يستذكر أيام العدل، لتنتهي المسرحية إلى دعوة صريحة للوحدة ضد الظلم، مؤكدة أن الخوف هو العدو الأكبر، وأن الحرية ليست هبةً تُمنح، بل مشوارٌ طويل يتطلب صبراً وتضحية.

في الجهة المقابلة، تقدم مسرحية "اطلاعات" مشهداً مختلفاً لكنه متوافق في الجوهر، حيث تنتصب قاعة المحكمة كمسرح للعبث السياسي. هنا، يساق المتهمون بتهم ملفقة: تغيير نظام الحكم، الدعوة للحرية، المطالبة بالعدالة الاجتماعية. يصف الشاعر بأسلوب ساخر وموجع تفاصيل المحاكمة الصورية، حيث القاضي والنائب العام والحاجب جميعهم أدوات في يد السلطان. يتصدر المتهم العاشر المشهد، ليجيب بثبات عن سؤال النائب العام المستفز: من أنت حتى تطالب بالتغيير؟ يجيبه بأنه كل ما هو جميل في هذه الأمة: روح الفداء، صوت الحق، نبض الطفل، حلم الثائر، وحضن الأم الحاني. يعلن رفضه للتوريث والاستبداد، ويصر على أن الوطن ليس ملكاً للحكام، بل للشعب المسكين الذي يدفع الثمن غالياً. مع أن الحكم بالإعدام يقطع حبال الصوت، تبقى الكلمات الأخيرة للمتهم الأول طافحة بالأمل: سنظل نحب الوطن ولو ذقنا فيه مرارة الأيام، فالحرية أغلى ما يملكه الإنسان، وثمنها دمٌ يسري لينير الطريق للسائرين في كل ظلام.

يتنوع الديوان في قصائده الأخرى ليشمل أبعاداً إضافية. قصيدة "قطار الحياة" تتأمل مرور الأيام وتقلب الأحوال، داعيةً إلى الصبر والرضا، ومؤكدة أن الحكمة تكمن في تقبل التغيرات والبحث عن الجميل حيثما كان. غير أن نبرة الحزن تسيطر على "القدس"، حيث يرثي الشاعر حال الأمة العربية التي غفلت عن نصرة القضية الفلسطينية، فتحولت القدس إلى رمز للفقدان والانتظار. يبني القصيدة على تيار من الأسئلة الوجودية عن جدوى النضال، لكنه يختتمها بوعدٍ يتجدد: من ثنايا الركام، سيبعث جيلٌ جديد يقرأ القدس حرفاً جليلاً، ويعيد لها بهاءها. وفي "الأخي"، ينتقل الشاعر إلى الفضاء الشخصي، مرثياً صديقاً غائباً بالحب والوفاء، ومجدداً العهد رغم المسافات، وكأنه يذكر القارئ بأن العلاقات الإنسانية النقية هي ما يمنح الحياة معناها، في زمنٍ يموج بالانقطاع والنسيان.