أحلام مبتورة

تُعلقُ الحياةُ أحيانًا في سياقِ الأحلامِ المبتورة، حيثُ لا ينجلي غبارُ الأمسِ مهما حاولَ الزمنُ أن يمحوَ ندوبه. إنها تلكَ القسوةُ العمياءُ التي تضربُ دونَ إنذار، تسرقُ الروحَ وتتركُ الجسدَ صلدًا، لكنه يرفضُ الانكسار. في أرضٍ نخرتها الحروب، تنبضُ نساءٌ بالحياةِ رغمَ كلِّ ما سرقَ منها. قد تملكُ الخسائرُ القدرةَ على هدمِ الأقوى، لكنَّ الروحَ الإنسانيةَ تمتلكُ قدرةً أسمى على البحثِ عن جبرٍ يمحو الألم، وعن قوةٍ تفيضُ ابتسامةً، وصديقٍ يمنحُ الحبَّ، وعائلةٍ تُشكلُ سندًا. هذهِ هيَ الكلماتُ التي تترددُ في صدرِ "أحلام"، وهيَ تُصارعُ زمنًا يضعُ على المرأةِ عبءَ أخطاءِ الآخرين، وعبءَ كونها أرملةً، وعبءَ واجبٍ يفرضُ عليها أن تكونَ شمعةً تُضيءُ لمن حولها، بينما تتوارى في ظلالِ الألوانِ القاتمة. أحلام مبتورة
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEiqYWXJRZR_AzdTxPfW9udDQYFEMTM9TeUvVBnNg7u2DVwHu8VvaaBVcapW_cNgIP8tgDLGL3u1GkZ9MpOvk3a_Iiy8Aw1KBuQYfU4OFidRO1bj-6TFQYpLU4plCJKTpa01CkQL1k6WzSnZDAwZl25EhivKj86jYbJOIeKh2RuD-xOGCSZt9QMO_EEkt48/s320/399.jpg

تُعلقُ الحياةُ أحيانًا في سياقِ الأحلامِ المبتورة، حيثُ لا ينجلي غبارُ الأمسِ مهما حاولَ الزمنُ أن يمحوَ ندوبه. إنها تلكَ القسوةُ العمياءُ التي تضربُ دونَ إنذار، تسرقُ الروحَ وتتركُ الجسدَ صلدًا، لكنه يرفضُ الانكسار. في أرضٍ نخرتها الحروب، تنبضُ نساءٌ بالحياةِ رغمَ كلِّ ما سرقَ منها. قد تملكُ الخسائرُ القدرةَ على هدمِ الأقوى، لكنَّ الروحَ الإنسانيةَ تمتلكُ قدرةً أسمى على البحثِ عن جبرٍ يمحو الألم، وعن قوةٍ تفيضُ ابتسامةً، وصديقٍ يمنحُ الحبَّ، وعائلةٍ تُشكلُ سندًا. هذهِ هيَ الكلماتُ التي تترددُ في صدرِ "أحلام"، وهيَ تُصارعُ زمنًا يضعُ على المرأةِ عبءَ أخطاءِ الآخرين، وعبءَ كونها أرملةً، وعبءَ واجبٍ يفرضُ عليها أن تكونَ شمعةً تُضيءُ لمن حولها، بينما تتوارى في ظلالِ الألوانِ القاتمة.

أحلام مبتورة نوفيلا 399 126 يناير 2020 yes 201091985809 جنان الهلالي كاتبة عراقية https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEgLx7KjKI05XGvwKG_MmSzq3zOYAnTEDxgiBlK_jnL98zdpbkXboChQoHej7viagDva-PiwnvWXwwbPp0YFrEbtuixWyqeFXx95PKFt9I987iXEPriphHxP9g6v5c0t1q8Ubqp662g-dZ1xFU0JS7ybTbRkakh0vdQu03bkWlNYr3Vshd0npqQiNU0WLrM/s295/%D8%AC%D9%86%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%87%D9%84%D8%A7%D9%84%D9%8A.jpg

جنان الهلالي في روايتها "أحلام مبتورة" لا تكتفي بسرد حكاية امرأة، بل تنبش في ذاكرة الأرض التي نخرتها الحروب، لتقدم لنا نصاً يقطر وجعاً وأملاً في آن واحد. تبدأ الحكاية من انكسار الروح أمام "مقصلة عمياء" تسميها الحياة، حيث تجد البطلة "أحلام" نفسها وحيدة في مواجهة إرث ثقيل من الفقد والترمل. هي ليست مجرد أرملة في مجتمع يترصد خطواتها، بل هي الرمز الحي لكل النساء اللواتي أُجبِرن على ارتداء الألوان القاتمة، وإخفاء الابتسامات خلف أقنعة الواجب، لكي لا يُتَّهمن بنسيان دماء الشهداء. تستحضر الكاتبة هنا بروحها القلقة ما يشبه تساؤلات "دوستويفسكي" حول جدوى المعاناة الإنسانية، فنجد "أحلام" تلوك صبرها وهي تردّد أن الدموع لا تضيع سدى، وأن الله سيجبر كسر القلوب بوجوه صديقة أو بقايا عائلة، محاولةً لملمة شتات أبنائها في واقع يغلي بالتناقضات والحروب التي لا تنتهي.

المشهد الدرامي في الرواية يتحرك بين رتابة اليومي وقسوة التاريخ، حيث تبرز شخصية "عادل" و"هدى" كمرآة للبيت العراقي المثقل بالهموم الصغيرة والكبيرة. يظهر الطفل "جمال"، الذي لم يتجاوز ربيعه العاشر، وهو يرتدي قناعاً حربياً ذهنياً، متأثراً بهوس العسكرة الذي غلف أدمغة الصغار في تلك الحقبة. يلعب الأطفال لعبة "الحرب" في الأزقة، حيث النصر للأقوى دائماً، وهي صورة تعكس بمرارة كيف تتحول البراءة إلى وقود لمستقبل غامض، بينما تنشغل الأمهات في المطابخ بمحاولات يائسة لإدامة الحياة بوجبات طعام هي في الحقيقة بقايا ليالٍ سابقة، تماماً كما هي أيامهن بقايا أحلام منسية. الفقر والجوع ليسوا مجرد نقص في الموارد، بل هم حالة من الاستنزاف النفسي تجعل الحوارات العائلية تشتعل عند أتفه الأسباب، وتتحول مائدة الغداء إلى ساحة لتفريغ الانفعالات المكبوتة.

التاريخ في "أحلام مبتورة" ليس أرقاماً جافة، بل هو "عام الانتفاضة" 1991 الذي اقتلع العائلات من جذورها، وأحرق البساتين التي كانت تظلل القلوب قبل الأرض. نلتقي بـ "أم أمير" التي ابيضت عيناها من الحزن، وهي شخصية مأساوية تذكرنا بـ "يعقوب" في انتظاره الطويل، لكنها لا تنتظر قميص يوسف، بل تبحث عن جثث أبنائها الذين أُعدموا ودفنوا في مقابر جماعية مجهولة. هذه المرأة التي تسكن بجوار "أبو مروان" تجسد الضريبة الباهظة التي تدفعها الأمومة في بلاد تسوي بين البريء والمذنب تحت وطأة الرصاص. الحزن هنا ليس عاطفة عابرة، بل هو كائن حي ينمو بين البيوت، يغير ملامح الوجوه ويطفئ بريق العيون، ويجعل من مجرد الرغبة في العثور على جثة حلماً بعيد المنال يطفئ نار القلب المحترقة.

في خضم هذا الرماد، تنبثق محاولات خجولة للحياة من خلال طلب "خديجة" خطبة "سارة" ابنة أحلام لولدها "مروان". هذا العرض لا يمثل مجرد زواج تقليدي، بل هو صراع بين الرغبة في تأمين المستقبل والخوف من تكرار مآسي الماضي. "أحلام" التي ذاقت مرارة ترك الدراسة والارتباط المبكر، تقف مترددة، تخشى على ابنتها من فخ "الأحلام المبتورة". هي تريد لسارة أن تكمل تعليمها، أن تملك سلاحاً يحميها من غدر الزمان الذي لم يرحم جيل الأمهات. الرواية بهذا المعنى هي مرثية لجيل كامل من النساء اللواتي عشن "حياة منتهية الصلاحية" لأجل إسعاد الآخرين، وهي في الوقت ذاته صرخة احتجاج ضد مجتمع يحمل المرأة مسؤولية أخطاء العالم، ويطالبها بأن تظل حبيسة الحداد حتى وهي تنبض بالحياة.