رحلة إلى تدمر

تُرى كم سرّاً تخفيه صحراء تدمر؟ وكم قصةً ترويها حجارتها الصامتة عن ملكات ومحاربين، وعشاق ومفكرين، وثوارٍ آمنوا بوحدانية الخالق في زمنٍ كثرت فيه الآلهة؟ هذه الرواية ليست مجرد سرد تاريخي، بل رحلة روح تعانق الماضي، وتنفض عنه غبار النسيان. بين معابد بعل شمين، ونوافير أفقا، وغابات البطم، وحكايا الجد خثم، تنبض الحياة في شخصيات تأسرك بتفاصيلها، وتسافر بك عبر العصور، من العموريين إلى زنوبيا، مروراً بمعن الباحث عن أهله، وسلمى الشاعرة الموحدة، وأقمة السجينة المنتظرة. رواية تختزل في طياتها صراع العقائد، ولحظات الفرج بعد الشدة، وحكمة الأجداد، وموسيقى العود التي تمس شغاف الروح. رحلة إلى تدمر هي دعوة لاستنشاق عبق التاريخ، والوقوف على عتبة مدينة لم تمت، بل ما زالت تهمس لمن يريد أن يصغي. رحلة إلى تدمر
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEi5jRGCFajhL57IV9N0YRbz-jEunNgsGpPCSxl8SWwWWA9razI7p9xe46t2K8jh5eCTo8MJ9G9i-Krp5wYx7tmgc7q-KtLIBP7dQycWYO3MA0oKHXIZ7c-5PC7FEda7GD3w7rpESefelxfmy9votVfs3JhURsheXQRcE-Yxh_zzNGfLo4GBLCtX69aMYvw/s320/750.jpg

تُرى كم سرّاً تخفيه صحراء تدمر؟ وكم قصةً ترويها حجارتها الصامتة عن ملكات ومحاربين، وعشاق ومفكرين، وثوارٍ آمنوا بوحدانية الخالق في زمنٍ كثرت فيه الآلهة؟ هذه الرواية ليست مجرد سرد تاريخي، بل رحلة روح تعانق الماضي، وتنفض عنه غبار النسيان. بين معابد بعل شمين، ونوافير أفقا، وغابات البطم، وحكايا الجد خثم، تنبض الحياة في شخصيات تأسرك بتفاصيلها، وتسافر بك عبر العصور، من العموريين إلى زنوبيا، مروراً بمعن الباحث عن أهله، وسلمى الشاعرة الموحدة، وأقمة السجينة المنتظرة. رواية تختزل في طياتها صراع العقائد، ولحظات الفرج بعد الشدة، وحكمة الأجداد، وموسيقى العود التي تمس شغاف الروح. رحلة إلى تدمر هي دعوة لاستنشاق عبق التاريخ، والوقوف على عتبة مدينة لم تمت، بل ما زالت تهمس لمن يريد أن يصغي.

رحلة إلى تدمر رواية 750 88 ديسمبر 2023 yes 201091985809 أميرة الأسعد كاتبة سورية

تفتتح الرواية بمشهد تأسيسي، حيث تسمع السيدة "أقما" عزفاً حزيناً يخرج من مكان قريب، فتحاول معرفة مصدره لكنها تكتفي بالاستماع إليه. وفي اليوم التالي تزورها "سلمى" الفتاة المتمردة التي لا تخاف من الآلهة، وتنشأ بينهما صداقة عميقة. من هنا، يبدأ الكشف عن مصير "أقما" المحبوسة في معصرة الزيت منذ سبعة عشر عاماً، بعد أن أنجبت ثلاثة أطفال بصور حيوانات، أو هكذا زعمت ضرتاها اللتان دبرتا مؤامرة لإبعادها. لكن القابلة، التي رفضت قتل المولود الأول، أودعته لدى صياد على نهر الفرات، وسلّمته إلى قوافل التجارة. 

أما المولود الثاني والثالث فقد أخفيا في أماكن أخرى. وهكذا، تنطلق خيوط الرواية في اتجاهات متعددة، كأنها سيمفونية يعزفها القدر. وفي الموازاة، تنسج سلمى علاقتها بالشاعر "معن"، الذي يأتي إلى تدمر ضيفاً على الحاكم "عبيد" زوج أقما، بحثاً عن والديه الحقيقيين. يتعرف معن على أخي سلمى "تيم"، ويصبحان رفيقين، ويخوضان مغامرات في سبيل الحصول على شجرة الحياة والبلبل الغريد، بمساعدة الجني "أبجل". وتتوالى الأحداث ليكتشف القارئ أن معن هو ابن أقما الأول، وأن التوأمين الآخرين يعيشان في اليمن وفي دورا أوروبوس.

الرواية مبنية على بنية سردية متقاطعة، تجمع بين حياة الأشخاص وتاريخ المنطقة. فمن خلال حوارات الجد "خثم" مع حفيدته سلمى، نتعرف على هجرات العموريين، وعلى نبوءة إبراهيم الخليل، وعلى الحج إلى البيت الذي طهر من الأصنام. كما تمر بنا تفاصيل بناء تدمر، وشبكات الري، وغابات البطم، وأهمية طريق الحرير، دون أن تغفل الجانب الإنساني: الحب الذي يجمع سلمى بعامر القضاعي الذي وحدها على الإيمان، وخيبة شكيب بن عمها الذي يغادر للحرب ثم يعود مسيحياً، وقصة زنوبيا التي تقود جيوشها بعد زوجها أذينة.

وتتخلل الرواية قصائد شعرية بالعربية الفصحى تعكس ملامح الشخصيات وأحاسيسها، خاصة لسلمى التي تمثل الصوت الموحد في زمن تعددت فيه الأرباب. من أبرز محطات الرواية، رحلة معن وتيم إلى جنة قوء، ومواجهتهما للوحوش، ولقاؤهما بالراهب الذي يعلمهما دعاء إبراهيم وموسى وعيسى، وهو ما يفتح آفاقاً جديدة في إيمانهما. كما تمر بنا مشاهد الحرب في داقيا، وأورشليم، وانتصارات زنوبيا، وأسرها في النهاية، وتراجع دور تدمر بعد تحول طريق الحرير عن المدينة وزلزالها المدمر.

تتكشف الحقائق تدريجياً: تعترف القابلة بفضلتها، وتكشف الضرتان عن مؤامرتهما، فيخرج عبيد للبحث عن أولاده، ويجدهم: معن في دورا أوروبوس، ونادين في اليمن عند التاجر يشجب، والثالث في قطنا. وتعود أقما إلى قصرها، وتصفح عن زوجها، وتُكمل حياتها بعد أن ظننت أنها فقدت كل شيء. 

وتنتهي الرواية بزواج سلمى من عامر، وميلاد ابنتها زينب ثم زيد الخيل، وبزواج زينب من شرحبيل بن شكيب، ليستمر النسل وتتصل الأنساب. وتُختتم بلمسات أخيرة تطل من خلالها الكاتبة على تدمر في عهد زنوبيا، وتستعيد أحداثها المروية في ثنايا الكتاب، وكأنها تقول إن التاريخ ليس مجرد سرد جاف، بل نسيج حي من الألم والأمل، يظل ماثلاً في ذاكرة الحجارة والصحراء.