نحو مقاربة جديدة لإعادة التربية

تتعلق مشكلة هؤلاء الصغار، الذين يطلقون عليهم "جانحين"، في جوهرها بعلاقة معقدة بين تكوينهم الشخصي والبيئة المحيطة بهم. هذه العلاقة أشبه بدائرة مغلقة، تتغذى فيها العوامل الداخلية والخارجية لتنتج سلوكيات تخرج عن المألوف. فعندما ينظرون إلى العالم، لا يرون فيه سوى انعكاس لقدراتهم المحدودة والضغوط التي يتعرضون لها. هذا التفاعل المستمر بين الداخل والخارج، بين ما يملكونه وما يحيط بهم، يشكل نظامًا ديناميكيًا متكاملًا. عندما يصبح هذا التوازن مضطربًا، تبرز الحاجة إلى "إعادة هيكلة" هذه العلاقة. هنا تبدأ عملية "التدخل النفسي التربوي". الهدف ليس فقط نقل الشاب من كونه مجرد متلقٍ للمساعدة إلى مشارك فعال في رحلة إعادة تأهيله، بل تمكينه من استعادة توازنه النفسي، ليصبح فاعلاً في الاندماج الاجتماعي. هذا التحول يعتمد على فهم عميق لكيفية عمل هذه المنظومة، وكيف يمكن تعديلها لتسمح له بالنمو والتطور. نحو مقاربة جديدة لإعادة التربية
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEg_SHZBl1hyphenhyphenO5a-9tkVz4xToTCs65Syh5o2gQGMlvmS6-MslGeB6L6-p1GgRoGI2Ns7dSN9oisd4IAwhMqpjUrQ5jXbwDoYQkzNnpM8JCCAOqWaTQERnOMWMVpsnjaW1_KBdztXtgyv47TMLA1neiAYGzZ9S642PMfVK3AF2ldWPFpTGsIEdmoKawtW81o/s320/385.jpg

تتعلق مشكلة هؤلاء الصغار، الذين يطلقون عليهم "جانحين"، في جوهرها بعلاقة معقدة بين تكوينهم الشخصي والبيئة المحيطة بهم. هذه العلاقة أشبه بدائرة مغلقة، تتغذى فيها العوامل الداخلية والخارجية لتنتج سلوكيات تخرج عن المألوف. فعندما ينظرون إلى العالم، لا يرون فيه سوى انعكاس لقدراتهم المحدودة والضغوط التي يتعرضون لها. هذا التفاعل المستمر بين الداخل والخارج، بين ما يملكونه وما يحيط بهم، يشكل نظامًا ديناميكيًا متكاملًا.

عندما يصبح هذا التوازن مضطربًا، تبرز الحاجة إلى "إعادة هيكلة" هذه العلاقة. هنا تبدأ عملية "التدخل النفسي التربوي". الهدف ليس فقط نقل الشاب من كونه مجرد متلقٍ للمساعدة إلى مشارك فعال في رحلة إعادة تأهيله، بل تمكينه من استعادة توازنه النفسي، ليصبح فاعلاً في الاندماج الاجتماعي. هذا التحول يعتمد على فهم عميق لكيفية عمل هذه المنظومة، وكيف يمكن تعديلها لتسمح له بالنمو والتطور.

نحو مقاربة جديدة لإعادة التربية دراسة أكاديمية 385 270 يناير 2020 yes 201091985809 د.فاطمة محي الدين كاتبة مغربية

التربية ليست مجرد تلقين قيمي، بل هي عملية ميكانيكية حيوية تهدف إلى ضبط إيقاع الفرد مع محيطه، تماماً كما تُضبط التروس في محرك معقد ليعمل بانسجام. يتناول بحث الدكتورة فاطمة محي الدين مفهوم "إعادة التربية" بوصفه هندسة نفسية واجتماعية تستهدف الأحداث الجانحين الذين اختلت في حياتهم معادلة التكيف. تبدأ الرحلة العلمية بتفكيك المصطلحات التي تباينت جغرافياً؛ فبينما ركزت المدارس الفرنسية على "التربية الخاصة" لدمج غير المتكيفين مهنياً، ذهبت ألمانيا وسويسرا نحو "البيداغوجيا العلاجية". لكن التحول الجذري في هذا الحقل جاء من مدرسة "كيبيك" الكندية التي صاغت مفهوم "التدخل النفسي التربوي"، وهو المفهوم الذي نقل الحدث من مجرد "مستقبل" سلبي للخدمات الإيوائية إلى "فاعل" محوري في مسار إصلاحه. هذا النموذج الكندي يعامل المراهق كمجموع قوى داخلية وخبرات حياتية، حيث يمثل المربّي هنا دور الموازن الذي يسعى للوصول إلى تعادل ديناميكي بين قدرات الفرد وتوقعات المجتمع، محولاً المؤسسة من سجن للمكان إلى فضاء لإعادة الهيكلة النفسية.

المؤسسات الإصلاحية في المغرب تمثل المختبر التطبيقي لهذه النظريات، حيث تطورت استراتيجيات التدخل لتتجاوز مجرد الاحتجاز الجسدي. إن إشكالية "الجسد والمكان" تظل هي التحدي الأكبر؛ فوضع الحدث خلف القضبان لا يعني بالضرورة إصلاح مساره السلوكي إذا لم يصاحب ذلك نظام "التدخل النفسي التربوي" الفعال. تشير البيانات إلى أن المؤسسات الوطنية، بالرغم من توفر إرادة سياسية وتطوير في النصوص القانونية، ما تزال تصارع لإيجاد حلول للمفارقة الصعبة بين التحفظ على الجانح وتأهيله للاندماج. تظهر مراكز حماية الطفولة كفاعل أساسي يواجه نسبة متزايدة من الحاجة لبرامج وقائية، حيث كانت المكاتب الاجتماعية قديماً تضم فريقاً متكاملاً من المربين والمساعدين الاجتماعيين ومندوبي الحرية المحروسة، وهو ما يشبه "فلترًا" اجتماعياً يمنع تسرب الأحداث نحو الانحراف الكامل، إلا أن هذه الوظيفة الاستباقية تحتاج إلى إحياء حقيقي عبر مراكز الاستماع والاتصال الحديثة.

التدخل النفسي التربوي يعمل مثل "نظام تشغيل" جديد يتم تثبيته في وعي الحدث الجانح، حيث يركز الفصل الرابع من الكتاب على أن هذا التدخل ليس وعظاً بل هو منهجية عمل وممارسة مؤسساتية منظمة. يعتمد هذا النظام على فكرة أن الانحراف هو اختلال في التفاعل بين المكونات النفسية والظروف المحيطة بنسبة تصل إلى 100% في بعض الحالات التي تفتقر للدعم الأسري. لذا، فإن الهدف هو إعادة بناء العلاقة مع المحيط لتصبح "جهازاً" (Dispositif) داعماً للتوازن النفسي. هنا يتحول المربي من سلطة مراقبة إلى "مهندس سلوك" يستخدم أدوات التعبير الفني والتدريب الفعلي لإعادة ترتيب الأولويات الذهنية لدى المراهق. إن المشروع الشخصي للحدث هو الأداة التقنية التي تضمن استمرارية الإصلاح؛ فهو بمثابة خارطة طريق زمنية ومكانية تهدف إلى تحويل طاقة "الجنوح" المدمرة إلى طاقة "بناء" نافعة عبر الاندماج المهني والاجتماعي.

الفن في هذا السياق ليس ترفاً جمالياً، بل هو وسيلة تقنية للتفريغ وإعادة صياغة الذات، إذ يمنح الحدث لغة بديلة عن العنف للتعبير عن أزماته الداخلية. الكتاب يستعرض كيف أن الانتقال من المؤسسات المغلقة إلى المؤسسات "شبه المفتوحة" يعكس تطوراً في فهم سيكولوجية الجنوح، حيث تشير التجارب الناجحة إلى أن تقليل ضغط المكان يزيد من فرص نجاح "التدخل النفسي". إن نجاح عملية إعادة التربية يقاس بمدى قدرة الحدث على العودة إلى وسطه الطبيعي دون ارتداد سلوكي، وهو ما يتطلب تضافر المؤسسات الصحية والتعليمية وقطاع التشغيل في منظومة واحدة. في المحصلة، يطرح الكتاب رؤية علمية مجردة ترى في "إعادة التربية" استثماراً في الرأس مال البشري المعطل، من خلال استبدال المقاربة الزجرية التقليدية بمقاربة تربوية تقنية تعيد برمجة العلاقة بين الفرد والمجتمع على أسس من التوازن والتفاعل الإيجابي.