خواطر مواطن

سيارة أجرة في شوارع جيبوتي، ومقود بيد سائق، لكنه ليس سائقاً عادياً. إلياس محمود محمد يقود سيارته، وفي الوقت نفسه يقود خواطره عن وطنه، مسجلاً مشاهداته وانطباعاته وهو في قلب الزحام. هذا الكتاب ليس مجموعة مقالات اعتيادية، بل هو رحلة يومية في عوالم المدينة، حيث الحفر والزحام، والأثرياء والبائسون، والعجائز والمجانين، وأصحاب الوجبتين الذين يجمعون بين عملين ليواجهوا غلاء المعيشة. بأسلوب شفاف يخلو من التكلف، يحول الكاتب شوارع جيبوتي إلى فضاء للحكي، كاشفاً عن طبقات المجتمع وهمومه اليومية، حاملاً القارئ معه في كل رحلة، ليرى ما يراه، ويشعر بما يشعر به، من دهشة عابرة إلى موقف حَرِج، ومن تأمل فلسفي إلى سخرية لاذعة. خواطر مواطن
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEh5R6Xj70Pk4Rr8GUNZjWeQWUeGryeBxG4q9T6UH-YQfHRsJBsOhqPbaP02VoksaoFs1n0xVK-yeV3ZyRwYsijJ7pBPMp2GPNjkuAgxcPuN2_WFzLqMfVWKtAKtMkHpN08tNhjrHUj8cnWbKOZ47pKyKatPK1JmiEBUF4udO6wbHRvCReaaRAqKDWNxb8w/s320/683.jpg

سيارة أجرة في شوارع جيبوتي، ومقود بيد سائق، لكنه ليس سائقاً عادياً. إلياس محمود محمد يقود سيارته، وفي الوقت نفسه يقود خواطره عن وطنه، مسجلاً مشاهداته وانطباعاته وهو في قلب الزحام. هذا الكتاب ليس مجموعة مقالات اعتيادية، بل هو رحلة يومية في عوالم المدينة، حيث الحفر والزحام، والأثرياء والبائسون، والعجائز والمجانين، وأصحاب الوجبتين الذين يجمعون بين عملين ليواجهوا غلاء المعيشة. بأسلوب شفاف يخلو من التكلف، يحول الكاتب شوارع جيبوتي إلى فضاء للحكي، كاشفاً عن طبقات المجتمع وهمومه اليومية، حاملاً القارئ معه في كل رحلة، ليرى ما يراه، ويشعر بما يشعر به، من دهشة عابرة إلى موقف حَرِج، ومن تأمل فلسفي إلى سخرية لاذعة.

خواطر مواطن مقالات 683 130 يونيو 2022 yes 201091985809 إلياس محمود محمد كاتب جيبوتي https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEgQlxvYSvgnDUyHS33qCowhpy3pv2Thox1ueavTvp8nyYFbBVI0nEFFOOj-3vYL2fADALEhQ_S8ZTdtEJY3Ur7-bK2OLqbdWPSelB9YacCMHE4kjV7_XLU4Fv6T6DWbXTXmqyKpuk6aNoimaARbw3gNJHZ5JnrCc62VyTDFGy3wM8eSBB3g8srF7C7iI_U/s295/%D8%A5%D9%84%D9%8A%D8%A7%D8%B3-%D9%85%D8%AD%D9%85%D9%88%D8%AF-%D9%85%D8%AD%D9%85%D8%AF.jpg

هذا العمل، الصادر عن منشورات لوتس للنشر الحر في 2022، يحمل عنواناً بسيطاً ومراوغاً في آن واحد: "خواطر مواطن". وهو بالفعل مجموعة من الخواطر، لكنها ليست تأملات برج عاجي، بل نصوصٌ وُلدت في رحم الشارع، على مقعد سيارة أجرة، أثناء التنقل بين أحياء العاصمة جيبوتي. الكاتب إلياس محمود محمد، وهو موظف في وزارة التربية يعمل سائق تاكسي بعد الدوام، يقدم نفسه كمراقب ومشارك في آن، يرصد الحياة اليومية بعين تبحث عن المعنى في التفاصيل الصغيرة. فالمقالات التي يتضمنها الكتاب هي نتاج لحظات إلهام عابرة، كان يوقف فيها سيارته على قارعة الطريق ليدون ما خطر بباله، قبل أن تفلت الفكرة منه كما تفلت سمكة من شبكة.

منذ المقدمة، يرسم الكاتب جغرافيته الخاصة: الشارع هو مكتبه، والركاب هم مادته الخام، والمقود هو أداة اتصاله بالواقع. يروي لقاءاته مع شخصيات متباينة تملأ عالمه، كرجل الأعمال الذي يحدثه طويلاً عن الثروات ثم لا يزيده في الأجرة، والسيدة الجميلة التي تستدرجه لتساعدها بمال لشراء أثاث بعد طلاقها، والشاب المهذب الذي يتحول إلى زبون يتجه إلى حي مشبوه. كل موقف يتحول إلى درس، وكل لقاء إلى تأمل في طبائع البشر وتناقضات المجتمع. الكتاب لا يقدم استنتاجات نهائية، بل يترك القارئ في فضاء الحيرة ذاته، يسأل أسئلة لا إجابات لها، مثل تساؤله عن نفسه: هل هو سائق أم متلصص آثم يشارك في خطايا الآخرين بمجرد نقله لهم؟

غير أن الخواطر لا تقتصر على حكايات الركاب، بل تمتد إلى تأملات أوسع في حال المدينة والوطن. الكاتب يرصد ملامح الطبقات الاجتماعية بتفاصيلها الدقيقة، من الفقراء الذين يجلسون في أسواق تعج بالحركة، إلى الأثرياء المتجبرين الذين يمتهنون إذلال الخدم، وصولاً إلى المرأة العجوز التي تحمل حزمة حطب على ظهرها كأنها تحمل ثقل عمرها. في مشاهد كهذه، يقترب أسلوب الكاتب من الرصد السينمائي، مصوراً بعين الراوي الحساس أوضاعاً إنسانية تعكس انكسار الأحلام وتباين الحظوظ. لكن النبرة لا تصل إلى حد الاستسلام، إذ تخللها الفكاهة اللاذعة أحياناً، كما في وصفه لعادة ربط الكمامة حول الرقبة كعقد للزينة، أو في حديثه عن الحافلات حيث يُطلق على اللوح الخشبي الذي يجلس عليه الراكب الزائد اسم "وطني" بسخرية قاتلة.

يتخذ الكتاب منحى تأملياً في قضايا اللغة والهوية أيضاً، كحديثه عن العلاقة بين العربية والفرنسية في جيبوتي، وعن فقدان هيبة اللغة العربية في المجتمع، مما يستدعي مشاهد حنينية عن الكتاتيب وأيام ختم القرآن. هذا البعد الثقافي يتداخل مع الرصد الاجتماعي ليشكل نسيجاً يعكس تعقيدات البلاد التي تمر بتحولات حديثة، بين تمسك بالتراث وانفتاح على العالم. في فصل "الكتابة الوطنية"، ينتقد الكاتب غياب أدب محلي يعكس قضايا الوطن، مشيراً إلى أن الكتابة الوطنية الأصيلة لا تنتج في ظل الاحتقان والتعصب، بل في ظل الانسجام والبحث عن الجمال المشترك. هذه الفكرة تجعل من الكتاب بياناً غير مباشر عن دور الأديب، لا كخطيب منبر، بل كمراقب متواضع يسعى لتجميع شتات الوطن.