هذه هي أنا

تُفتح الأبواب المغلقة على فوضى الحياة، حيث تتخبط الروح في متاهات الألم، تبحث عن نسمة هواء في ردهات الذاكرة المتشعبة. كانت الأيام تمضي كفصول رتيبة، يسبقها اتهام بالخداع، ويلحقها طردٌ بلا رحمة. أين ذهبت تلك الوعود الزوجية، وتلك الأحلام الوردية التي اكتملت عند لقاء "نوفيال"؟ أصبحت الروح أسيرة أغلالٍ نسجها مجتمعٌ يزن الشرف بكلام الناس، لا بصدق القلوب. ينسدل الليل ثقيلاً، يلفّ جسداً يرتجف ليس من برد الطقس، بل من قسوة الأهل الذين طعنوا ابنتهم بنظراتٍ باردة، وتركوا أمها صامتة، عاجزة عن الدفاع عن ابنتها أمام سطوة الرجال. في هذا العالم، لا يعلو صوتٌ سوى صوت الذكر، ويبقى الشرف مجرد مفهومٍ نسبيٍّ يخصّ الرجل وحده. هذه هي أنا
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEjBXDbl8jLC9FDOAZa9jfiJJYB2673JelmxhLHtzAzEOwZEcoYCWRDLXpVwkoIMK4W78jmepva_q7ePLTNfc2NF0nKBAQgN1QyxsnXz377DAvjz4a3_aUn3P8CKdvVS358vqRl-g9O-Kjw7bVTfclsd3O30b_4Ypr96cvRgQopywWykxYMPjowLn1rAiBc/s320/389.jpg

تُفتح الأبواب المغلقة على فوضى الحياة، حيث تتخبط الروح في متاهات الألم، تبحث عن نسمة هواء في ردهات الذاكرة المتشعبة. كانت الأيام تمضي كفصول رتيبة، يسبقها اتهام بالخداع، ويلحقها طردٌ بلا رحمة. أين ذهبت تلك الوعود الزوجية، وتلك الأحلام الوردية التي اكتملت عند لقاء "نوفيال"؟ أصبحت الروح أسيرة أغلالٍ نسجها مجتمعٌ يزن الشرف بكلام الناس، لا بصدق القلوب. ينسدل الليل ثقيلاً، يلفّ جسداً يرتجف ليس من برد الطقس، بل من قسوة الأهل الذين طعنوا ابنتهم بنظراتٍ باردة، وتركوا أمها صامتة، عاجزة عن الدفاع عن ابنتها أمام سطوة الرجال. في هذا العالم، لا يعلو صوتٌ سوى صوت الذكر، ويبقى الشرف مجرد مفهومٍ نسبيٍّ يخصّ الرجل وحده.

هذه هي أنا نوفيلا 389 72 يناير 2020 yes 201091985809 سهام يحياوي كاتبة جزائرية https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEjkgrNQAMZvb1MWUG8ism36gZ9HXuDBykRQYDAu2EYohtRmXA3DVbZtK78G4TMtuyZXE3PIMP_nqHBxHICj8jR4oBKMEYp9X_k8UvRaSDvLiDEaXmE_kIq4bxYXPar91BSXglhY33zyJ0LMhbCwVogXNNM2GYHsfkX3c92OfvhBlnPvSBzbndbmikv49LE/s295/%D8%B3%D9%87%D8%A7%D9%85-%D9%8A%D8%AD%D9%8A%D8%A7%D9%88%D9%8A.jpg

المرأة التي تخلع رداء النفاق في أرض يوسف السباعي، لا تبحث عن نزهة في الرذيلة، بل تفتش عن حقيقتها العارية تحت سماء لا ترحم. تبدأ سهام يحياوي سرديتها "هذه هي أنا" بصوت يتهدج بين البراءة والانكسار، مؤكدة أن الوقوع في فخ التوقعات هو الخطيئة الأولى التي ترتكبها الأنثى في حق ذاتها. كانت حياتها نهراً هادئاً يجري في المجرى المرسوم له سلفاً، دراسة عادية، أحلام معلبة، وانتظار لفارس يقبض على ناصية الوقت. وحين أطلَّ "الحب الأسطوري" بوجهه، لم تدرك أنه القيد الذي سيحول كينونتها إلى مجرد تابع يدور في فلك الآخر، ناسيةً مبادئها ورغباتها الأولى في سبيل نيل رضا يغيب خلف ضباب الأنانية. الحب هنا ليس تحرراً، بل هو التنازل الطوعي عن المركز لصالح الهامش، حيث تتحول الـ "نعم" إلى صلاة يومية تذبح على عتباتها الإرادة الشخصية.

العار هو الكلمة التي تسقط كالمقصلة في ردهات البيوت العربية حين تمس السمعة، وهي في الرواية تتجاوز مفهوم الخطأ لتصبح حكماً بالإعدام المعنوي. تصف الكاتبة مشهد الطرد من بيت العائلة ببرودة تقيد الأنفاس، حيث يتحول الأب، الذي كان يوماً رمز الحماية، إلى سجان يلفظ سجينه إلى صقيع الشارع والليل. الصراخ الذي يملأ جنبات المشهد ليس صراخ المظلوم فحسب، بل هو عويل المنظومة الاجتماعية التي تقدس "كلام الناس" فوق دماء القربى. هنا نجد صدىً لفلسفة الخوف التي تجعل الأخ ينسى أخته، والأم تصمت صمت القبور لأنها "مجرد امرأة" في مجتمع لا يسمع إلا صليل صوت الرجل. الطرد لم يكن من جدران الإسمنت، بل كان نفياً من الذاكرة ومن الحق في الوجود، حيث يصبح قتل "الشرف" امتيازاً يمنحه المجتمع للزوج المخدوع أو الأب المكسور.

الشرف في هذه السردية ليس قيمة أخلاقية مطلقة، بل هو عملة اجتماعية متداولة تُقاس بمدى قدرة الفرد على إخفاء ندوبه عن أعين الجيران. عندما خرجت البطلة إلى الشارع، لم يكن البرد الذي شعرت به نتاج انخفاض درجات الحرارة، بل كان صقيع الروح التي جُردت من غطائها الإنساني في لحظة واحدة. إنها اللحظة التي يكتشف فيها المرء أن "الحب" الذي سكر به لم يكن سوى خمر مغشوش، وأن السند الذي اتكأ عليه كان قصبة مكسورة. تتساءل الكاتبة بمرارة عن كنه الرحمة في قلوب تدعي الطهر، بينما تمارس أقسى أنواع التشفي باسم العفة. في هذا الفضاء الخانق، تصبح الحقيقة مجرد وجهة نظر، والسمعة هي الصنم الذي تُقدم له القرابين البشرية دون تردد أو وخز ضمير.

البداية الجديدة التي تنشدها الشخصية لا تأتي من مصالحة مع الماضي، بل من بتر كامل لكل ما يربطها بأرض النفاق تلك. إنها محاولة لاستعادة "أنا" التي ضاعت في زحام إرضاء الآخرين، والبحث عن هوية لا يحدد ملامحها رجل أو عائلة أو مجتمع. الرواية في جوهرها هي رحلة من "الخطوط المسطرة" إلى الفضاء المفتوح على الاحتمالات، حتى لو كان ثمن هذا الفضاء هو الوحدة المريرة واللقب الموصوم. تظل اللغة في "هذه هي أنا" منحازة للجرح، ترسم تفاصيل الانكسار بدقة جراح لا يخشى الدم، وتعلن في النهاية أن المواجهة الحقيقية ليست مع من طردونا، بل مع المرآة التي تعكس صورنا المشوهة بعد سنوات من التخفي خلف رداء النفاق. الدرس المستفاد هنا لا يُقال لسانياً، بل يُعاش عبر تجربة التيه التي تحول الضحية إلى إنسانة تقرر، لأول مرة، أن تقول: أنا موجودة رغم أنوفكم.