قالوا قديماً وقلت مجدداً

يا قارئاً يظن أن المثل الشعبي حكمة لا تقبل المراجعة، وأن كلمات الأجداد خط أحمر لا يُلامس، هذا الكتاب يدعوك إلى وقفة أخرى. إنه ليس مجرد مجموعة أمثال معدلة، بل هو رحلة في دهاليز العقل الجمعي، حيث يعيد الكاتب تشكيل المعاني التي ألفناها، لينفض عنها غبار التكرار. غير أن الأهم من ذلك، أنه يقدم لك مرآتك التي قد لا تراها في أمثال أخرى، إذ يتساءل عن مدى صلاحية تلك الحكم في زمن تغيرت فيه التفاصيل. هنا، يتجلى النقد كفعل محبة، وتظهر إعادة الصياغة كضرورة إنسانية، لا لتقويض ما بناه الأوائل، بل لبناء جسر من الفهم بين الماضي والحاضر. لذا، إن كنت ترى في المثل وعاءً لمعانٍ متجددة، فهذا الكتاب سيكون لك رفيقاً في دهشة الاكتشاف. قالوا قديماً وقلت مجدداً
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEgYci9UZ9pc2jEHoT3oRO-YFwpVookWtUZBGLkg3BgEAx4ENGCqcaVfFvMbZpWjp8JEQ1x1GC-HrUu8BGxj_x_8GHYkwqwthCXMZcVDTNKWex8MJ3KNb-O2Huv5cypg6GcgHkhF_c50QHfGZsrggF_CFswi3B_ih_p0GZJOoTMdd3HjN3Uxs63ubHYVQBs/s320/582.jpg

يا قارئاً يظن أن المثل الشعبي حكمة لا تقبل المراجعة، وأن كلمات الأجداد خط أحمر لا يُلامس، هذا الكتاب يدعوك إلى وقفة أخرى. إنه ليس مجرد مجموعة أمثال معدلة، بل هو رحلة في دهاليز العقل الجمعي، حيث يعيد الكاتب تشكيل المعاني التي ألفناها، لينفض عنها غبار التكرار. غير أن الأهم من ذلك، أنه يقدم لك مرآتك التي قد لا تراها في أمثال أخرى، إذ يتساءل عن مدى صلاحية تلك الحكم في زمن تغيرت فيه التفاصيل. هنا، يتجلى النقد كفعل محبة، وتظهر إعادة الصياغة كضرورة إنسانية، لا لتقويض ما بناه الأوائل، بل لبناء جسر من الفهم بين الماضي والحاضر. لذا، إن كنت ترى في المثل وعاءً لمعانٍ متجددة، فهذا الكتاب سيكون لك رفيقاً في دهشة الاكتشاف.

قالوا قديماً وقلت مجدداً حكم وأمثال 582 118 يونيو 2021 yes 201091985809 ماهر عطوة كاتب مصري https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEhuph77fvD-jLH6lpkyzZDO4ltt2FMRe42_cYUB-APZPotvlAvkbBXudN54FeM3CFaFa7ahv74U2E2CGusByTfghx8eNKiRssbM_ErQOb1sQzK4OD8FbtqJkJ6bGMyFa6589KAY1DnkCftvLv_O95yDlddpjXLmHsoxZvYVDsGA74kDnW7GYbwSLYGG588/s800/%D9%85%D8%A7%D9%87%D8%B1-%D8%B9%D8%B7%D9%88%D8%A9.jpg

يأتي هذا العمل تحت عنوان "قالوا قديماً وقلت مجدداً"، ليكون محاولة جريئة في تفكيك الموروث الشعبي من الأمثال، وإعادة بنائه على نحو يتلاءم مع روح العصر ووعيه المتغير، فالمؤلف لا يكتفي بسرد الحكم القديمة، بل يضعها في مواجهة مع واقعنا الراهن، متسائلاً عن جدواها في ظل تحولات القيم والمفاهيم. من هنا، ينطلق المشروع من فكرة أن المثل ليس كلاماً مقدساً، وإنما هو نتاج بيئته، لذلك فهو يخضع للتمحيص والنقد، تماماً كأي فكر بشري آخر، إذ يتجلى هذا التوجه بوضوح في معالجته لأمثال عديدة تتعلق بالمرأة، والزواج، والعلاقات الإنسانية، فضلاً عن مفاهيم كالجمال، والحب، والنجاح، والفشل.

ويمثل الكتاب محاولة متواضعة، كما يصفها مؤلفه، بيد أنها تحمل في طياتها مشروعاً طموحاً يتجاوز حدود الترفيه الفكري، ليصبح دعوة إلى تأمل أخلاقي في خطابنا اليومي. فالمؤلف، من خلال إعادة صياغته للأمثال، لا يهدف فقط إلى تحديث اللغة، بل يسعى إلى تجاوز المعاني الحرفية الضيقة التي حُصرت بها الموروثات الشعبية، إلى آفاق أرحب تتفق مع كرامة الإنسان وتقدير مشاعره. وعلى هذا الأساس، نراه يستبدل عبارات تحمل طابع التشاؤم أو القسوة بأخرى تنبض بالأمل والتفاؤل، كتحويله مقولة "المرأة المطلقة امرأة فاشلة" إلى "المرأة المطلقة امرأة ناجحة في التخلص من إنسان فاشل"، وهو ما يعد نقلة نوعية في الخطاب، من الرفض إلى التحرر من العلاقات السامة، ومع ذلك، فإن هذا التعدي على المألوف لا يخلو من جرأة، فهو يلامس مساحات شائكة في ثقافتنا، مثل النظرة إلى الرجل والمرأة وأدوارهما الاجتماعية.

ثمة محور آخر يشتغل عليه الكتاب، ألا وهو نقد فكرة "الطبع" و"الوراثة" الأخلاقية، التي تكرسها بعض الأمثال، وكأن الإنسان محكوم بجينات لا يمكنه التخلص منها. في المقابل، يصر المؤلف على فكرة التغيير والإرادة، مؤكداً أن الطباع ليست قدراً محتوماً، بل يمكن تهذيبها وتعديلها، وكأنما ينتصر لمفهوم التعلم والخبرة على مفهوم الجبرية البيولوجية. بل إنه يذهب إلى أبعد من ذلك، فيمحو من بعض الأمثال تلك النزعة إلى التبرير الأخلاقي، مستعيضاً عنها بقيم المسؤولية الفردية، وهنا نجد في إعادة صياغته لمثل "أعرف ابنك من جليسه"، مؤكداً على أثر الصحبة، دون أن يلغي دور التربية والاختيار الشخصي، لذلك يبدو مشروع الكاتب أقرب إلى نقد للضمير الجمعي، محاولاً تحرير الفرد من تبعات الأمثال الجاهزة التي قد تختزل تجربته الإنسانية المعقدة.

غير أن هذا الطموح النقدي يواجهه تحدٍ كبير، يتمثل في الحفاظ على روح الطرفة والفكاهة التي تمتاز بها الأمثال الشعبية، إذ لا يريد الكاتب أن يحول عمله إلى خطاب وعظي جاف. ومن هنا، نراه يحافظ، في غالب الأحيان، على الإيقاع الساخر، مع أنه يضيف إليه بعداً فلسفياً، وكأنه يقول إن التغيير لا يعني التطبيع، بل هو شكل من أشكال الوعي الجديد. فضلاً عن ذلك، يتطرق الكتاب إلى مفهوم الحكمة نفسه، معتبراً أنها ليست ملكاً لفئة أو زمن معين، وإنما هي نتاج تأمل وتجربة، فالحكمة، في نظره، قابلة للنمو والتطور، تماماً كالكائن الحي، وهذا التصور يجعله يدعو إلى نوع من "الديمقراطية المعرفية"، التي تتيح لكل جيل أن ينتج حكمته الخاصة، من دون أن يلغي بالضرورة ما سبقه، بل يبني عليه.