كلام ابن عم حديت

يُولد الشعر من رحم الصمت، لا من هدير الجماهير. وكأنَّ هذه الكلمات، "كلام ابن عم حديث"، قد انتزعت من جرحٍ عميق، صرخةٌ مكتومةٌ تتردد بين أزقة الروح. نقرأها فتُشبهُ النافذة التي تُطلّ على عتمةٍ لا ينقشعُ ضبابها، حيثُ السرقاتُ والقتلُ والحرقُ تُصبحُ "شيئاً معقولاً" في وطنٍ يتقدمُ على حافةِ الهاوية. هنا، لا تسأل عن الأوطانِ أو الأهرامات، بل عن الإنسانِ الذي يُصبحُ "سائحاً" في أرضه، وطفلةٌ تشبهُ الزهرةَ تجدُ أمانها في العراء. يأتي هذا الشعرُ ليُبحرَ بنا في واقعٍ قاسٍ، ليُشعلَ فتيلَ الوعي في عالمٍ قد يبدو أحياناً خاوياً، ليُذّكرنا بأنَّ القصيدةَ ليست مجردَ كلماتٍ على ورق، بل هي نبضُ قلبٍ يُصارعُ كي يبقى حياً. كلام ابن عم حديت
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEjb4m9jmdF7WNnSHiDbNsJxUUI8NEkcA6yJzXH72UxFj9I9UPqZQUAzSfScGyPdgJSfv8mc5Dt4KqYuXSPoQzZZ4IfLq_Ao78VVoWoal9QubqSK0OS14uSlX1ZhET3Yt3HNIQA1zSZ0nBVNnmQX6xppy7i7Qu4zi-J865BvDwH4PotUvBFVGHiHDGDol0s/s320/293.jpg

يُولد الشعر من رحم الصمت، لا من هدير الجماهير. وكأنَّ هذه الكلمات، "كلام ابن عم حديث"، قد انتزعت من جرحٍ عميق، صرخةٌ مكتومةٌ تتردد بين أزقة الروح. نقرأها فتُشبهُ النافذة التي تُطلّ على عتمةٍ لا ينقشعُ ضبابها، حيثُ السرقاتُ والقتلُ والحرقُ تُصبحُ "شيئاً معقولاً" في وطنٍ يتقدمُ على حافةِ الهاوية. هنا، لا تسأل عن الأوطانِ أو الأهرامات، بل عن الإنسانِ الذي يُصبحُ "سائحاً" في أرضه، وطفلةٌ تشبهُ الزهرةَ تجدُ أمانها في العراء. يأتي هذا الشعرُ ليُبحرَ بنا في واقعٍ قاسٍ، ليُشعلَ فتيلَ الوعي في عالمٍ قد يبدو أحياناً خاوياً، ليُذّكرنا بأنَّ القصيدةَ ليست مجردَ كلماتٍ على ورق، بل هي نبضُ قلبٍ يُصارعُ كي يبقى حياً.

كلام ابن عم حديت شعر عامية 293 112 سبتمبر 2019 yes 201091985809 أشرف محمد كاتب مصري https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEjm5YKYoIOzbzuo7BZRjo0BuwtBksHl_y8wORUk-rxWV65s1yOx9rD3G1wN6-d714ZUpyd7ooI3U1i1u3DmSADLrJRiQK76Xpu6bZV6D5dK3UVgKMPc6VEWi43JYGM4iejYY4oxwwD1iQZF86Ds0CjVkz6K3Ki_YQgB6nhLbxUQKNgvgf84NPBwcK9_PsY/s800/%D8%A3%D8%B4%D8%B1%D9%81-%D9%85%D8%AD%D9%85%D8%AF.jpg

في ضفائر عامية استقرت في روح "كلام ابن عم حديد"، تتجسد مصر بأوجاعها وأحلامها. هنا، لا تروى الحكايات بالخطابة الرنانة، بل بدمع طفل فقد دفء بيته، وصوت شعب تبخرت أحلامه كالدخان. الشاعر، بقلب ينبض بوجع الوطن، يقف أمام مرآة الواقع ليرى صدى خيبات الأمل، حيث المسؤول يبرر المصائب بأعذار واهية، والوطن يتقدم نحو لعنة الإرهاب. تتساءل القصيدة ببساطة مؤلمة: ألم يعد الزمان جميلاً كما وعد؟

تتوالى الصور الباهتة لشعب سُرق منه ما يملك، وقُتل، وحُرق؛ شعب أصبح غريباً في وطنه، تدور في عروقه كؤوس القتل. وبين أنين طفل ومناحة آخر، يكتب المسؤول بأن "الحادثة شيء معقول". هنا، يصبح الأمن مجرد وهم، وتترك الأراضي القاحلة بلا حياة، كقلوب باتت لا تسمع نداء الضمير. يتحدث الشاعر عن حسين درويش، الطائر الذي قُصت ريشه، وبسطة تطلب الحق بلا حسنة أو بقشيش، لتجد كل شيء "مفيش". فالإنسان، منذ البداية، رضخ لأن يكون "طرطوراً".

ثم تتكشف قصة أخرى، قصة وطن يُدعى بأنه "محمي" و"مصري" في التاريخ، لكنه في واقعه يبدو وكأنه مجرد وصفة طعام، ولا يملك ساكنوه كياناً حقيقياً، وأملهم في الحياة مبتور. هنا، يرفض الشاعر أن يُسأل عن الأوطان، عن الأهرامات، عن الماء أو البنيان. يطلب أن يُسأل عن الإنسان، عن ذلك الذي يحضن قهره ويعيش في بلاده كالسائح، وعن طفلة تشبه الزهرة انتهى بها المقام نائمة في العراء.

تتجسد الكتابة في الكتابة نفسها، كعاشق للحرف يمضي يبحث عن القصيدة ليهديها قبلته. الشاعر هنا لا يصطاد الكلمات، بل يغوص في بحر الإحساس ليعيد صياغة مشاعره، يعيد الكرة مئة مرة، حتى تخرج القصيدة نبضاً حقيقياً. الحزن هنا ضيف ثقيل، لا يكف عن زيارة الروح، يترك أثره كدمعة تغلب العين. الأم، الغائبة التي يبحث عنها القلب، حين تفارق، يطفئ نور في الروح.

في لحظات الاحتضان، حيث يتلاقى القلبان وتتسارع دقاته خوفاً من الفراق، يولد الأمل من جديد. عيون سوداء تحمل وعداً بالهوى، لكنها في الوقت ذاته تفتح ألف باب مسدود. هنا، يختلط الغرام والشوق، وتصبح الحياة رحلة بين ألف باب مسدود.

حظ قليل، وهم ثقيل، ودنيا تحولت إلى غابة يفرض فيها الأقوياء طباع الديابة. هنا، يفضل الشاعر أن يكون دياباً على أن يكون حماراً، يفضل نغم الربابة على الصمت. "أهل العقول" ينصحون بتجنب قليل الأصل، وحفظ ود الكريم.

يا قلبي، إلى أين تمضي؟ يتوه بين أمرين، كلاهما مر. دارت سواقي الهوى تسقي قلوب الناس، كم قلب كُوي بنار الوحدة. يا زارعي الورد، ويا عشاق البستان، العهد محفوظ، والزمان شاهد. السنين تمضي بين غرام وغرام، والصبر كان سيد الموقف، لكن الأحلام انتهت. نداء لمن يسكنون العالي، نظرة تفرح الروح، كلمة رضا كفيلة بنشر الفرح.

نظرة واحدة من عينيك، تحمل حزناً بلا حدود، توجع القلب وتكسر الوعود. كل يد تمتد إليك تبحث عن أمل، وأنت مصدر السعادة لهم، بينما جرحك يخصك وحدك. لم يلتفت أحد ليقول: "سأساعدك". أنت الوفي، والزمن لا عهود له.

يأتون اليوم يعتذرون، ويقولون "أحبك". لكن القلب الذي عشق اكتفى، اكتفى من غدر الزمان. ضمة الغائب، وأنين الفراق، بعد طول صبر وشوق وحنين، لم تعد تنطلي. كذب من قال إنك من حظهم وقدرهم.

هذه الدنيا، تأخذنا في موجها العارم، وروحي مسروقة، ويومي خالٍ من الأمل. صوتي أنين مكتوم، بين فائز ومهزوم. لا فجر يبدأ، وشمس غريبة تناهد بضوء مكسور. ظننت أن الدنيا ستتركني أفرح بأحبابي، لكنها كسرت سيفي، وأقفلت الباب على طيفي، ولم تقبل أن تكون على كيفي.

حتى الكلمة تعاند، وتكتب نبضك بلا فكرة، ترسم لك لوحة بألوانها، فتطرح زرعها العطشان. لكنها تظل "اسمها"، جانباً من حياتك، لا تتصرف بها. ومهر البنت يا غالي، هو أن تصون العهد من قلبك. إن لم تكن قدها، فكفاك أن نلتقي في حلم سعيد.

يختلط الحلم بالواقع، يصبح العمر مشواراً واحداً. ضحكة تحرك الإحساس، ودمعة تترسب من أفعال الناس. الحلم يصبح عادياً، والنداء لا يُسمع. العمر ضاع بين العمل والدار، والعقل فارغ. تعلمت، لكنك تعيش بعقل حمار، حين تأتيك لحظة رزق، تتكبر على أهلك. والطبالون يمدحونك، ثم يرمونك بأقبح الألفاظ.

الأصيلة كالشمس، تحفظ الود، لا تكل مساعيها، قلبها طيب حنون. تستحي أن تظهر زعلها، تمتلك كل الفنون، بلسم البيت، وفوق كل الظنون.

تذكروني، وكنت أظن جرحك غادراً، كنت ترفض قربي، وتركتني أسافر. لماذا أملتني بقربك؟ كنت سأكون سعيداً بدونك، كل يوم عيد. لم أكن صابراً، كنت أتكلم كثيراً، أسمع كلمات كبيرة، لكن كم واحداً عرفته، قال لك كلمة حلوة واستمعت له؟ لم أكن راضياً، كنت أحمق، ظننتك طاهراً، لكنك كنت غادراً.

الصبر غاب، الكآبة شربت، والزهق من العتاب بلغ منتهاه. لكن سأظل أنا، الإنسان الذي يحفظ كلمته، يعشق خطوات طريقه، ويفتح قلبه ألف باب. لا تدع الدنيا تكسرك، حين تعاكسك. موج البحر الغريق، أو معرفة من صان غربتك، ومن الأصيل وقت الغياب. الدنيا كالمعصرة، كالقلم والحبرة، فيها خطوط متعرجة، وقلوب مكسرة. جسد حي، وقلب ساكن مقبرة. حتى الأسد حكمته فصيلة من الكلاب.

نار في القلب تكويني، وضحكة ماسخة في ملامحك. لم يعد حضنك يدفيني، ولست قادراً على مسامحتك. في ساعة الفجر، لم أعد أجد راحتي في الحكي لك. ما عاد القلب يرتاح لك. شربة ماء ملعونة تسقي شجرة مدفونة، تطرح جرحاً نازفاً. وتأتين تعاتبين من؟ روحي، كفى مرارة وجروحاً. ابقي أنت ظالمة، ونشرب مرارة قدحك. دمتك تدور وتخدعنا، وحين تقولين "تعبانة".