دور المجمع العلمي العراقي

العراق، عام 1947. تولد في هذه الأرض مؤسسة علمية أصبحت فيما بعد بمثابة شريان الحياة للنهضة الفكرية. لم تكن مجرد بناء حجري، بل كانت نواة لولادة جامعات، وصياغة مناهج، ووضع استراتيجيات. تغلغل تأثيرها في الصحافة والإذاعة والتلفزيون، وعملت على جمع كنوز التراث العربي والعراقي، لتصنع جسراً متيناً يربط الماضي بالحاضر. هذه المؤسسة، التي بدأت كإجابة لسؤال عن حاجة العراق العلمية، غدت واجهة مهمة تستقبل إشكاليات مختلف الوزارات والقطاعات، لتقدم حلولاً مبنية على دراسات علمية معمقة. إنها قصة مساهمة في بناء العقل، ورسم ملامح المستقبل. دور المجمع العلمي العراقي
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEjyI2leKl-qso-NZPhzfs3QKJnr5MBswCHleRXXnDvykX0-Ios1excCwOW1fTQJQBM0hyphenhyphen06kuFvTCtyNLUczCu0R1XHnyST3A3gjtEoIL_BMTf0bqJivX4aCDMSz9GDjiWQzkORwcuiehY_GUEjAUZBr5_Ks-NaqPE1XSGea_8eSZy3ClWKSiuM89BN65w/s320/360.jpg

العراق، عام 1947. تولد في هذه الأرض مؤسسة علمية أصبحت فيما بعد بمثابة شريان الحياة للنهضة الفكرية. لم تكن مجرد بناء حجري، بل كانت نواة لولادة جامعات، وصياغة مناهج، ووضع استراتيجيات. تغلغل تأثيرها في الصحافة والإذاعة والتلفزيون، وعملت على جمع كنوز التراث العربي والعراقي، لتصنع جسراً متيناً يربط الماضي بالحاضر. هذه المؤسسة، التي بدأت كإجابة لسؤال عن حاجة العراق العلمية، غدت واجهة مهمة تستقبل إشكاليات مختلف الوزارات والقطاعات، لتقدم حلولاً مبنية على دراسات علمية معمقة. إنها قصة مساهمة في بناء العقل، ورسم ملامح المستقبل.

دور المجمع العلمي العراقي دراسة أكاديمية 360 166 ديسمبر 2019 yes 201091985809 د. صباح علي السليمان كاتب عراقي https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEhH2uv2xGw1BvWLcywgy2dFOCaMGkjyT5982BU-apdrY_D6evTnQmiFiJmhG2dytDsPVD44rIVVcAl009OV1n50bsRsWrt4JAlfCEM4_vfP2nRavActskSV1kE1VAv3fxlCgiydyvAn_0slLTmCQHKJXSL4arP85qif3ISCQjjNHVaCb89HaC53RRVcGnA/s295/%D8%AF.-%D8%B5%D8%A8%D8%A7%D8%AD-%D8%B9%D9%84%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%84%D9%8A%D9%85%D8%A7%D9%86.jpg

تأسس المجمع العلمي العراقي عام 1947 ليكون بمثابة العقل المركزي المحرك لنهضة العراق الحديث، متجاوزاً كونه مجرد هيئة لغوية ليصبح مهندس الخطط الاستراتيجية في التعليم العالي والإعلام. اشتغل المجمع كجهاز إرسال يبث المعايير العلمية والمصطلحات الدقيقة في عصب الدولة، حيث انبثقت عنه الجامعات الأولى ووضعت من خلاله المناهج الأكاديمية التي صاغت عقل الطالب العراقي. يشبه المجمع في وظيفته "وحدة المعالجة المركزية" في حاسوب الدولة، إذ يربط بين الوزارات والقطاع الخاص عبر دراسات علمية تعالج الإشكالات الميدانية، موفراً غطاءً معرفياً لعمليات التنمية الشاملة. لم يكتفِ المجمع بترميم التراث وجمع المخطوطات، بل مدَّ جسوره نحو المستقبل عبر هيكلية إدارية صارمة تضمن استمرارية الإنتاج البحثي بعيداً عن العشوائية.

تتحكم في المجمع منظومة إدارية يقودها أمين عام متفرغ بدرجة خاصة، يمثل حلقة الوصل بين الهيئة العامة ومجلس الوزراء، ويضطلع بمهام تشبه مهام المراقب في المفاعلات النووية لضمان انضباط المسارات العلمية. يتولى الأمين العام متابعة توصيات الندوات والمؤتمرات، ويشرف على العلاقات الخارجية مع المؤسسات المناظرة، إضافة إلى كونه المحرك الأساسي للدائرة الإدارية والمالية. تتشكل القوة البشرية للمجمع من أعضاء عاملين لا يقل عددهم عن 15 ولا يزيد على 37 عضواً، وهم النواة الصلبة التي تضع السياسات العلمية وتشارك في الجلسات بانتظام. وبجانب هؤلاء، توجد فئات أخرى تضم الأعضاء المؤازرين وأعضاء الشرف من العراقيين والعرب، مما يخلق شبكة معرفية عابرة للحدود تضمن تدفق الخبرات المتنوعة إلى داخل المؤسسة.

شهد المجمع نشاطاً توثيقياً غزيراً تجلى في إصدارات تخصصية شملت مجالات التاريخ، والقانون، وعلم الاجتماع، واللغات القديمة. على سبيل المثال، يظهر كتاب "نماذج من الكتابات المسمارية" الذي يقع في 296 صفحة، كيف عمل المجمع على فك شفرات الماضي السحيق وربطه بالوعي المعاصر. كما لم يغفل المجمع عن الجانب اللغوي الصرف من خلال تحقيق أمهات الكتب مثل "الوشي المرقوم في حل المنظوم" لابن الأثير، مما ساهم في الحفاظ على 100% من الهوية اللغوية للأمة في وجه التحديات الثقافية. هذه المطبوعات لم تكن مجرد نصوص جامدة، بل كانت أدوات عمل تخدم الباحثين في الجامعات والدوائر الرسمية، محولةً المجمع إلى مصنع لإنتاج المعلومات الموثقة.

استجاب المجمع للأزمات الوطنية بمرونة عالية، وهو ما يظهر في تنظيمه لمؤتمرات تخصصية لمناقشة قضايا ملحة مثل "بناء الإنسان بعد الحصار" عام 1998، والذي ضم 526 صفحة من البحوث المركزة. شمل هذا النشاط أربعة محاور أساسية هي: المحور الاجتماعي، والتربوي، والجامعي، ومحور البحث العلمي ونقل التقانة، مما يعكس رغبة المؤسسة في تقديم حلول هندسية للمشكلات المجتمعية. وفي التسعينيات، كثف المجمع من ندواته المفتوحة التي تناولت منهجيات تحقيق النصوص والمعجمية العربية، حيث جمعت إحدى هذه الندوات وحدها في عام 1992 أكثر من 516 صفحة من الأبحاث المعمقة. هذه اللقاءات العلمية كانت تعمل كصمامات أمان تمنع تراجع المستوى الأكاديمي خلال فترات العزلة، مؤكدة على دور العلم كمحرك وحيد للنجاة.

تمتد جذور البحث العلمي في المجمع لتشمل دراسة الأصول المشتركة للغات العراقية القديمة، مثل الأكدية والآشورية والسريانية، وربطها باللغة العربية. ففي ندوة عقدت عام 1998، تم استعراض سبعة بحوث مكثفة موزعة على جلستين، هدفت إلى رسم خريطة جينية للغات المنطقة وفهم الوشائج العميقة بينها. هذا التوجه نحو "أركيولوجيا اللغة" لم يكن ترفاً فكرياً، بل محاولة لبناء قاعدة بيانات تاريخية تدعم سيادة الدولة الثقافية. إن الأسماء الكبيرة التي مرت على عضوية المجمع، من أمثال مصطفى جواد وجواد علي وأحمد سوسة، لم تكن مجرد رموز، بل كانت تشكل "كتلة حرجة" من العقول التي استطاعت تحويل المجمع إلى واجهة دولية تليق بتاريخ العراق العلمي وقدرته على النهوض المتكرر.