سجود المشاعر

تئن الأيام تحت وطأة ثقلها، يطوف الإنسان في كعبتها باحثاً عن ماء في صحراء العمر، بعضهم يديم السعي شاكراً، وآخرون يرتكنون هامشيين، يكتفون بالتصفيق حيناً، والابتسام حين، والبكاء آلاف المرات. نقف جميعاً على مسرح الحياة، يؤدي كل منا دوره. هناك بطل يحسن التمثيل، يبكينا ويضحكنا، وهناك جندي مجهول خلف الستار، يصنع تأثيراً موسيقياً يعجل الأحداث، لا يشعر به أحد. يمرّ الشعور بالعجز كضيف ثقيل، يصبح مرارة حين تتوق النفس للثورة، لتعلن للحياة أنك حاضر، لكنك لا تستطيع البوح، فتلوذ بالصمت الكئيب، أو بالإيماءة الماطة التي تحمل معنى بين البين، بين القبول والرفض. في هذا الحيز الضيق، بين ظل الليل وطأة الظلم، يقف الشاعر، ليعبر عن تلك اللحظات الموحشة، حيث يتشابك الألم مع الحلم، وتصبح المشاعر سجوداً لا متناهياً. سجود المشاعر
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEjDJ3jaXMb6wRQ2vNiNenE1O85Hr7F_uLoMyqFIUfCr-LCj4-U4N26UxtGY2twFstD73yoUzu0SzWjLfckMCnzJgRfk7QUq3GEIF4Z3_YS1MgVQXEnNoGy89I0I6Le7z5knpuXT-veoMxqBMofUuEIkV0ZKVfz-QOQ_EqvUC_1ZWbKIeZRjk1Sbh6jG1-A/s320/320.jpg

تئن الأيام تحت وطأة ثقلها، يطوف الإنسان في كعبتها باحثاً عن ماء في صحراء العمر، بعضهم يديم السعي شاكراً، وآخرون يرتكنون هامشيين، يكتفون بالتصفيق حيناً، والابتسام حين، والبكاء آلاف المرات. نقف جميعاً على مسرح الحياة، يؤدي كل منا دوره. هناك بطل يحسن التمثيل، يبكينا ويضحكنا، وهناك جندي مجهول خلف الستار، يصنع تأثيراً موسيقياً يعجل الأحداث، لا يشعر به أحد. يمرّ الشعور بالعجز كضيف ثقيل، يصبح مرارة حين تتوق النفس للثورة، لتعلن للحياة أنك حاضر، لكنك لا تستطيع البوح، فتلوذ بالصمت الكئيب، أو بالإيماءة الماطة التي تحمل معنى بين البين، بين القبول والرفض. في هذا الحيز الضيق، بين ظل الليل وطأة الظلم، يقف الشاعر، ليعبر عن تلك اللحظات الموحشة، حيث يتشابك الألم مع الحلم، وتصبح المشاعر سجوداً لا متناهياً.

سجود المشاعر شعر 320 108 نوفمبر 2019 yes 201091985809 د. زينب عبد التواب كاتبة مصرية https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEjl_CHiFpBNkTu7aQUell3Aww7LRhPsirFmQNzLShc3xs6Ang7yBLpqWZanQGQU_JpOafvqoMHJQH4d3xw5cTZLGVOlY-8nlM644XBTLMl6SvPth7QbsvDQ-dXFkDmJkvJr5chKCo2iFP-FCTvgylVsHPKKxjJ2Gjyy8fwNe_W8sFO5tzoTzVDQdqddNmE/s295/%D8%AF.-%D8%B2%D9%8A%D9%86%D8%A8-%D8%B9%D8%A8%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%88%D8%A7%D8%A8.jpg

تقف الدكتورة زينب عبد التواب في ديوانها "سجود المشاعر" موقف الناسك الذي أدرك أن الحقيقة لا تُنال إلا بالانكسار الاختياري أمام عظمة الوجدان، فصاغت من شتات الروح نصاً يقطر اغتراباً وبحثاً عن الملاذ. تبدأ الرحلة من "كعبة الأيام" حيث يطوف الإنسان في صحراء العمر بحثاً عن قطرة يقين، لا فرق في هذا الطواف بين بطل يتقن فن الأداء على مسرح الأحداث وبين جندي مجهول يرقب الستار في صمت كئيب. 

إنها لغة تشبه مرآة "سارتر" في مواجهة الوجود، لكنها مرآة مؤمنة تعترف بالعجز وتلوذ بالخالق حين يضيق الكون بمداره، حيث يغدو الظل هو النديم الوحيد في ليل طويل يفتقد ضياء الصبح الصادق. تتشكل القصائد كأنها ترانيم حزينة تعزف على أوتار الفقد، فتارة نجد الشاعرة تتقمص روح "قيس" الهائم في وادي العاشقين، وتارة تقف طفلاً يحبو على أرض الخطر، ينهشه القلق بين أمس يصد خطاه وغدٍ زائف يحتضر قبل ولادته.

يستحضر النص صورة الأب بصفته الوتد الذي اهتز بفعل رياح الغربة، فيرتفع صوت الندم والاعتراف بالخطيئة، حيث الشوق ليس مجرد عاطفة بل هو استشهاد بلا قتلى، ومحاولة لترميم ما أفسدته الأيام في علاقة الدم والروح. لا تنفصل هذه المشاعر عن صورة الأم التي تجري دموعها كشريان ضوء في أنهار العتمة، لتشكل مع دعواتها الزاد الوحيد في دروب المصير الوعرة. تعبر الشاعرة عن مأزق الذات التي تمنح النور للآخرين بينما تشتعل ناراً في داخلها، مجسدةً تراجيديا الغفران في زمن الخيانة، حيث يصبح التسامح عبئاً لا يورث إلا مرارة الأعذار القبيحة.

إنها حياة تشبه سوق الرقيق، حيث يشعر المرء أحياناً أنه يُباع ويُشترى بدراهم معدودة في سوق الأقدار، لا يملك من أمره إلا الصرخة التي ترتد إعصاراً يحطم سكون النفس ويسائل الوجود عن جدوى المسير.

تتجلى في الديوان محاكمة قاسية لطباع البشر وزيف العيون، فتهرب القصيدة إلى النجوم والقمر بعيداً عن "أكاذيب عاد ولوط" التي تملأ ردهات الواقع المعاصر. هذا الهروب ليس استسلاماً، بل هو انحياز للجمال الفطري في مواجهة قبح المصالح، حيث السلاح الوحيد هو اللحن الذي يُغنى أمام الشهود دون تستر، حتى وإن كانت النتيجة هي الصرع تحت أقدام القدر. تظل فكرة الغريب هي الخيط الناظم للديوان، ذلك الذي يعيش بين الناس يخفي عيونه لئلا يبكي الآخرين، يدفن حظه العاثر في مشية صامتة، منتظراً نصراً إلهياً يرمم أشلاء روحه الموزعة بين كف الأشقياء ورحمة السماء. 

وفي هذا السجود الشعري، نلمس حكمة "أيوب" في الصبر على البلاء، وتوق "الصوفي" للاتحاد بالمعنى الأصيل للحياة بعيداً عن رياء الوجوه المستعارة، لينتهي النص كما بدأ، صلاةً طويلة في محراب الذات الباحثة عن مستقر في عالم لا يكف عن الدوران حول العدم.