لغز المدن الصامتة والعالم الذي طمسوا ذاكرته

...
لغز المدن الصامتة والعالم الذي طمسوا ذاكرته

مدخل ما إن تستيقظ، يصبح من شبه المستحيل أن تعود إلى النوم مجدداً. فعندما تكتشف أن الأرض ليست كرة تدور، بل سطح منبسط ثابت تعلوه قبة سماوية Firmament، حينها يتغير كل شيء. يتبدل إدراكك لكل ما كنت تظنه حقيقة، وتفقد الأصوات التي كنا نثق بها بريقها، وتتساقط أقنعة الكهنة الجدد

مدخل

ما إن تستيقظ، يصبح من شبه المستحيل أن تعود إلى النوم مجدداً.

فعندما تكتشف أن الأرض ليست كرة تدور، بل سطح منبسط ثابت تعلوه قبة سماوية Firmament، حينها يتغير كل شيء.

يتبدل إدراكك لكل ما كنت تظنه حقيقة، وتفقد الأصوات التي كنا نثق بها بريقها، وتتساقط أقنعة الكهنة الجدد الذين رسموا لنا صورة العالم كما أرادوا، وليس كما هي عليه في الحقيقة.

إنها لحظة صدمة يتداعى فيها البنيان المزيف للفكر والعلم واليقين، ليبدأ سؤال قديم في الهمس من جديد: ماذا لو كان كل ما نعرفه كذباً وتزويراً؟

ماذا لو كان هناك تاريخ مفقود لأرضنا العظيمة المسطحة؟

***


قبل أي شيء، جدير بالذكر أن هذا الوثائقي يتناول موضوعات قد تشكل صدمة للوعي، لذا يحتاج عقلاً مؤهلاً قادراً على الملاحظة والتفكير المقارن، ولا يعني عرضه أننا نصدق عليه أو نؤمن به إيماناً يقيناً، فالقاعدة أن كلاً يؤخذ منه ويُرد عليه.

لا شك في أن تجربتنا مع الأرض باعتبارها مسطحة ثابتة، تتعارض جذرياً مع سرديتهم المصطنعة عن الفضاء والكواكب.

كما أن تشويه أرضنا وعمليات التعدين الهمجية التي دمرت أشجارها العملاقة المهيبة، تتناقض مع ما يروى في كتب التاريخ والرواية الجيولوجية الرسمية.

وهذا ما يجعل المستيقظون يتساءلون بدهشة: ما الذي حدث حقاً على هذه الأرض؟

فإن كانوا كذبوا بشأن الأرض والفضاء وخراب عالمنا المسطح، فكيف يمكن أن نثق بالرواية التاريخية الرسمية التي يروجها التيار السائد؟

إن هذه الرواية، شأنها شأن النموذج المركزي الشمسي Heliocentric Model، تفتقر إلى المنطق والترابط، وكل ما يتطلبه الأمر هو نظرة فاحصة لتبدأ أكاذيبهم التي حكمت فهمنا للتاريخ والعالم منذ ولادتنا بالانهيار والتفكك.

حسناً، لنحفز عقولنا ببعض التأملات العميقة.

لقد قيل لنا إن أول أداة كهربائية حقيقية اخترعت في عام 1895، حين قامت شركة في ألمانيا بدمج محرك كهربائي مع مثقاب يدوي.

كان المثقاب يزن 16.5 رطلاً تقريباً، ويتطلب تشغيله أكثر من عامل.

ولم يبدأ التصنيع على المستوى التجاري حتى عام 1957 حين بدأت شركة اسمها بوش Bosch في إنتاج أدوات كهربائية بكميات كبيرة تجمع بين الكفاءة الاقتصادية والقوة والفاعلية.

إذن كيف تمكن أسلافنا في التاريخ القديم -وهم أقل تطوراً وتحضراً- من تصميم وبناء تلك المباني والهياكل المهيبة التي ما تزال تدهشنا إلى اليوم؟

وماذا عن تلك الحجارة الضخمة المتراصة التي وجدت مقطوعة بدقة مذهلة؟

اسأل نفسك هل يمكننا اليوم بكل ما نملك من ترسانة المعدات الحديثة أن نكرر هذا العمل؟

وماذا عن الآبار المدرجة العجيبة في الشرق القديم والمعروفة باسم الآبار السُلمية Stepwells؟

لقد قالوا لنا إنها كانت آباراً متعددة الطوابق حفرها أجدادنا البدائيون لحفظ المياه أثناء فترات الجفاف، لكن انظر إلى تعقيد هذه التحف المعمارية ودقتها الهندسية، إلى عظمتها وأناقتها وتناسقها الهندسي المذهل، كل ذلك كما يقال: صنع بأدوات يدوية.

حقاً؟ لا بد وأنها كانت أدوات سحرية.

أيضاً ماذا عن شبكات القنوات المائية العملاقة المنتشرة في أرجاء العالم؟

خذ على سبيل المثال قناة إيري Erie Canal في الولايات المتحدة، والتي يبلغ عرضها 12 متراً وعمقها أربعة أمتار، وتمتد لمسافة 360 ميلاً، ويُزعم أنها حُفرت بين عامي أ1817، و1825.

أي في زمن لم يكن هناك مهندسون مدنيون في أمريكا، وكان القائمون على التخطيط والبناء مجرد مبتدئين.

لكن الأمر لم يقتصر على الحفر اليومي من قِبل المهاجرين الإيرلنديين وثيرانهم المرافقة، بل إنهم اضطروا إلى قطع مئات الأشجار أثناء عبورهم الغابات البكر، وبناء الجسور المائية المعقدة والحواجز.

كما كان عليهم اختراق منحدر نياجرا Niagara Escarpment البالغ ارتفاعه 80 قدماً، والمكون من صخر الجير الصلب.

فضلاً عن أن القناة حفرت خلال ثماني سنوات فقط، ما يعني أنهم أنجزوا في المتوسط ميلاً كل ثمانية أيام.

يا له من رقم مذهل، لا سيما وأن الذين أنجزوه كانوا مبتدئين لا يملكون معدات كهربائية أو حتى ديناميت للحفر.

لذا يمكنني القول بكل ثقة إن المستوطنين الأوائل في القارة الأمريكية لم يكونوا هم من شيد تلك الشبكات المائية.

وماذا عن القصور المهيبة العظيمة المنتشرة في أرجاء عالمنا؟

هل كنت تعلم أن معظمها صُمم وبُني دون أنظمة صرف صحي أو وسائل فعالة لتدفئة الغرف؟

عجباً، أكان الملوك والنبلاء في الماضي راضين بالعيش بلا ضروريات الحياة ما داموا يقيمون في القصور الفخمة الباهرة، بينما كان الفلاحون في أكواخهم البسيطة ينعمون بالدفء طوال شتاءاتهم الطويلة المظلمة؟

وبالطبع لا يمكننا تجاهل أهرامات الجيزة العظيمة، والتي شيدت نحو عام 2500 قبل الميلاد.

ويتكون الهرم الأكبر وحده من 2.300.000 كتلة من الحجر الجيري والجرانيت، أما وزنه الإجمالي فيبلغ نحو ستة ملايين طن.

وتتراوح أوزان أكبر كتل الجرانيت بين عشرين وثمانين طناً للواحدة؛ ثم يقولون إن هذه الكتل نحتت في المحاجر باستخدام أزاميل نحاسية، ونقلت من مسافة 800 كيلومتر تقريباً.

وبينما يقف العقل مشدوها، يقدم الخبراء المزعومون نظريات تفترض أن عدداً ضخماً من العبيد كان ضرورياً لإنجاز هذا المشروع الهائل.

فإن كنا سذجاً إلى درجة تصديق هذه الرواية، إذن كيف اصطفت الأهرامات بدقة مع نجوم حزام كوكبة الجبار؟

هناك أيضاً الحصون النجمية Star Forts، أو ما يسميه الكذابون الرسميون في العالم الحصون الركنية Bastion Forts، والتي يقال إنها صممت في أواخر القرن الخامس عشر وبدايات القرن السادس عشر الميلاديين، ووضعت تصاميمها في عصر البارود والمدافع، وأن هندستها المعقدة كانت تهدف إلى حماية الجيوش من النقاط العمياء أثناء المعارك.

وكأن أفضل وسيلة للدفاع أثناء الحرب هي بنـاء حصن بهذه الدقة الهندسية الخارقة.

هل توقف أي مؤرخ حقيقي يوماً ليتأمل مدى الكمال الهندسي في هذه التصاميم؟

إن أسلافنا البدائيين لم يملكوا التكنولوجيا التي تتيح لهم رؤية البناء من الأعلى، ومع ذلك تمكنوا من تحقيق هذا الإتقان المثالي الذي نعجز اليوم عن بنـاء مثله.

لقد خُدعنا، وتم تلقيننا سردية زائفة للتاريخ وخطاً زمنياً مختلقاً.

وكما هو الحال مع النموذج المركزي الشمسي Heliocentric Model، فإن نظرة فاحصة واحدة إلى هذه السردية كفيلة بأن تظهر تهافتها، وتكشف زيفها.

لكن وبسبب أكاذيبهم الشيطانية، صار جمع تسلسل زمني حقيقي وأمين للتاريخ مهمة مستحيلة، كأنها مكعب روبيك غامض.

فالسرد الرسمي لا يقدم لنا سوى شذرات وأنصاف حقائق وخداع ممنهج.

وعليه، فقد تمزقت خيوط تسلسلنا التاريخي الحقيقي، وتبددت محتوياته وتشوهت قبل أن نولد في هذا العالم، وهنا تكمن المعضلة، إذ كيف تعرف إلى أين تمضي إن كنت لا تعرف أين تقف أساساً؟

لذا فإن الاستيقاظ هبة عظيمة، إذ بمجرد أن نصحو ندرك أن الإجابات كانت دائماً أمامنا، وأننا كنا نملك أكثر مما نتصور، لكننا كنا بحاجة إلى استعادة بصرنا أولاً قبل أن تبدأ الأمور بالانكشاف ويصبح كل شيء في ترتيب منطقي.

وها نحن نقف على حافة رحلة كشف جديدة.

مبدئياً، ماذا لو أخبرتك أنه كانت هناك حضارة هي المسؤولة عن تطوير أعظم تكنولوجيا عرفها البشر على الإطلاق، وأن سر ابتكاراتها كان في فهمها لطبيعة عالمنا المسطح؟

وماذا لو قلت لك إنه من المرجح أن تاريخنا الحقيقي لم يبدأ إلا منذ أكثر بقليل من مائتي عام؟

هل ستظنني مجنوناً مرة أخرى؟

هل أبدو لك ساذجاً كما بدوت حين قلت لك إن الأرض مسطحة؟

ربما..

ولهذا السبب تحديداً عليَّ أن أجعلك ترى بنفسك، وأظهر لك إحدى أعظم عمليات التزييف في التاريخ كله.

خدعة تضاهي في ضخامتها وأثرها على الإنسانية أكذوبة النموذج المركزي الشمسي.

وسأحاول أن أبين لك أنها متشابكة على نحو لا ينفصم مع الحقيقة الجوهرية لعالمنا المسطح، ولا يمكن فهم أحدهما دون الآخر.

لنبدأ إذن رحلتنا للبحث عن الزمن المفقود، وأرجو أن تكون صبوراً معي.

فبسبب الأكاذيب والتزوير اللذين بني عليهما سردنا التاريخي، لا يمكن طرح هذه القصة بشكل خطي متسلسل، بل علينا أن نتحرك ذهاباً وإياباً عبر الزمن لنقارب شيئاً من الحقيقة.

ومن الضروري أن نفهم أن التاريخ -مثل كثير من العلوم الحديثة- قد تم إفساده منذ زمن بعيد، فحتى في أكثر صوره براءة، يبقى السرد التاريخي المعتمد ليس سوى تخمينات، أما في أقصى درجات الإجرام، فهو منظومة أكاذيب متفق عليها

لذا سنخوض رحلتنا في الظلام ولن يكون هناك مؤرخ يرشدنا.

نحن وحدنا في هذه المسيرة؛ هدفنا التنقيب عن أمور مدفونة على مرأى من العيون.

أما لو أصبحت الأمور غير مريحة في بعض الأحيان، فلا بأس، لقد عشنا حياة مريحة أكثر مما ينبغي، وحان الوقت لنفض الغبار عن وعينا، لأن فهم موقعنا في هذا العالم يقتضي القيام بما لا يعقل، حتى لو كان رحلة إلى الماضي عبر المستقبل.

ولنبدأ من مكان ربما لم يكن ليخطر على بالنا يوماً، من مدينة سانت بطرسبرجSaint Petersburg في القرن التاسع عشر.

المدينة باردة، وضباب الصباح الكثيف يتلاشى مع اقتراب الشمس، وأحذيتنا ملطخة بالطين.

العام هو 1860 ميلادية، وسانت بطرسبرج شامخة بفخر وهيبة، لكن سكانها اختفوا.

السكون يخيم على المكان بشكل مريب، والصمت يجعلها كما لو كانت مدينة أشباح.

يقال إن عدد سكان المدينة آنذاك كان يقارب 500 ألف نسمة، ومع ذلك لا نرى روحاً واحدة، فأين اختفى الجميع؟

ظل عمود ألكسندر الطويل Alexander Column يمنحنا دليلاً على موقع الشمس فوق هذه المنطقة، فظلال الصباح والمساء هي وحدها التي تكون بهذا الطول.

لا شك أنها ساعات الصباح الأولى، ولكن يبدو أن أحداً لم يستيقظ بعد.

ولو انتقلنا مسافة 400 ميل إلى موسكو Moscow سنرى المشهد نفسه.

شوارع خالية وصمت مطبق.

في عام 1860، كان عدد سكان موسكو قريباً من عدد سكان سانت بطرسبرج، أي نحو 500 ألف أيضاً.

ولكن مرة أخرى: أين الجميع؟

وماذا عن بقية مدن العالم في تلك الفترة؟

إدنبرا في اسكتلندا Edinburgh - Scotland خلال أربعينيات القرن التاسع عشر.

كوبنهاجن في الدنمارك Copenhagen - Denmark خلال أربعينيات القرن التاسع عشر.

دريسدن في ألمانيا Dresden - Germany خلال ستينيات القرن التاسع عشر.

ريو في البرازيل Rio - Brazil خلال ستينيات القرن التاسع عشر.

تورونتو في كندا Toronto - Canada خلال ستينيات القرن التاسع عشر.

وأثينا في اليونان Athens - Greece خلال ستينيات القرن التاسع عشر.

المشهد واحد: مدن ضخمة وصمت خانق.

ثم نصل إلى لندن London، وهناك أخيراً نرى حياة وبشراً.

وكذلك باريس Paris، الحركة والنشاط يملآنها.

لقد قيل لنا إن أول صورة فوتوغرافية التقطت في عام 1822، ليبدأ فن التصوير الفوتوغرافي والذي يقوم على مبدأ المقارنة والتضاد Juxtaposition ليعبر عن المعنى والشعور.

بيد أن الصور القديمة التي وصلتنا لا تحتوي على التلاعبات الفنية التي يستخدمها المصورون المعاصرون، بل تقدم لنا تباينات طبيعية تحمل دلالات عميقة لفهم تاريخنا المزيف.

فالتباينContrast -سواء كان طبيعياً أو صناعياً- هو ظاهرة يستخرج منها المعنى من خلال مقارنة عنصرين متقابلين.

وعند النظر إلى روسيا في ستينيات القرن التاسع عشر، يظهر تباين واضح بين غياب السكان وضخامة هذه المدن التي كانت -حتى في ذلك العصر- هائلة الحجم.

فكل من موسكو وسانت ببطرسبرج كانتا مدينتين شاسعتين؛ والبنى التحتية الظاهرة في الصور تكفي لاستيعاب ملايين البشر.

فلماذا كانت المدن بهذه السعة إن كان عدد سكان كل منها لا يتجاوز 500 ألف؟

علاوة على ذلك، تخبرنا السردية الرسمية أن النمو السكاني كان يسير بخط مستقيم منذ عام 1764، إلى جانب أن العديد من الأبنية التي نراها في الصور شيدت قبل التقاط هذه الصور بسنوات طويلة.

فهل كان الروس يخططون للمستقبل بهذه العبقرية؟

أما عند إدخال العنصر البشري في هذه الصور، يظهر تبايناً آخر مذهلاً، وهو التباين بين الناس والبيئة المحيطة.

ربما يعود ذلك إلى قلة أعداد السكان، أو إلى قسوة التدرجات اللونية في الصور بالأبيض والأسود، ولكنها تظهر لنا شيئاً كنا نراه طوال حياتنا دون أن ننتبه إليه، وهو ضخامة العمارة واستحالتها في الوقت نفسه.

وهنا لا بد أن نسأل: من شيد تلك المدن الصامتة والقباب والأبراج التي تتحدى المنطق؟

لعل في إعادة النظر إلى هذه الصور القديمة وإلى الحكايات التي تروى حولها، بداية رحلة نحو وعي جديد ينصت إلى ما تخفيه الحجارة من أسرار صامتة، تنتظر من يُحسن قراءتها.

وثائقي: التاريخ المفقود للأرض المسطحة | الحلقة رقم: 01