وانفرطت حبات السحر

تتساقط حبات سحرية من عنق الزجاجة، فتتشكل قصصاً تنسج خيوطها من واقعٍ يلامس الخيال، ومن أحلامٍ تترعرع في تربة الظلام. كريم غباشي، يفتح لنا أبواباً لعوالم تتجاوز أفق البصر، حيث يعيش الإنسان مغامرةً لا يحددها خط الزمن، بل تتكشف أسرارها في دهاليز الروح. هنا، لا ينتهي السرد بمجرد إغلاق الكتاب، بل يظل صدى الأبطال يتردد في جنبات الذاكرة. تترك أمواج سردك عالمك لتبحر في هذا البحر المتلاطم، حيث يواجه الأبطال شروراً تتخفى في أقنعة براقة، أو تتجلى كوحوشٍ تزأر في الظلام. ستشهد كيف يصنع الأمل من قلب بندقة، وكيف يمنح العطاء بلا حساب، ولن تفزعك قسوة من يترك أمه صحراء، بل ستفهم أن لكل فعلٍ سبباً، ولكل قرارٍ ثمن. هنا، حيث يرتعش الواقع تحت وطأة الخوف، وتتداخل الأحلام بالكوابيس، تجد نفسك غارقاً في بحرٍ من المشاعر المتناقضة، بطلاً في قصةٍ لم تتوقعها. وانفرطت حبات السحر
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEhUOSIO1Dd494gYYpUcrqf9l6wUvz_kLb_G5qU-XjGFs0-mjb7PRq9eYoIZqpbY2LciP4TVIn8J9nWMNcMX1F4Q7Ev8Ph1w0mmKEnk4QnOU29NJHQLhQOwMyFMhhb3WXJgRJVUwhQYAtCTMZ0bgVH7Dpr1FwRXyWEOzi9xVjWdZxT-vN6nKmMA0_km4x3c/s320/232.jpg

تتساقط حبات سحرية من عنق الزجاجة، فتتشكل قصصاً تنسج خيوطها من واقعٍ يلامس الخيال، ومن أحلامٍ تترعرع في تربة الظلام. كريم غباشي، يفتح لنا أبواباً لعوالم تتجاوز أفق البصر، حيث يعيش الإنسان مغامرةً لا يحددها خط الزمن، بل تتكشف أسرارها في دهاليز الروح. هنا، لا ينتهي السرد بمجرد إغلاق الكتاب، بل يظل صدى الأبطال يتردد في جنبات الذاكرة. تترك أمواج سردك عالمك لتبحر في هذا البحر المتلاطم، حيث يواجه الأبطال شروراً تتخفى في أقنعة براقة، أو تتجلى كوحوشٍ تزأر في الظلام. ستشهد كيف يصنع الأمل من قلب بندقة، وكيف يمنح العطاء بلا حساب، ولن تفزعك قسوة من يترك أمه صحراء، بل ستفهم أن لكل فعلٍ سبباً، ولكل قرارٍ ثمن. هنا، حيث يرتعش الواقع تحت وطأة الخوف، وتتداخل الأحلام بالكوابيس، تجد نفسك غارقاً في بحرٍ من المشاعر المتناقضة، بطلاً في قصةٍ لم تتوقعها.

وانفرطت حبات السحر مجموعة قصصية 232 128 يونيو 2019 yes 201091985809 كريم غباشي كاتب مصري https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEgGhTgjVApkpMoOImFiAa50xMhuPLuGjaRZY7fGJnzmyg5nKQNYsANqvmI1l0lL5y8f3L1U8quqk7Y54HOHc8EatPBXZZK1qxr1tJMYRbl82-2ofcOaGgpAE5zy15CW7QWoq02XPu8tF-qzIuOpRkLpKoDd90e-lLnQXJCjjk_9R2FPNmvghFbAbP7pHP8/s800/%D9%83%D8%B1%D9%8A%D9%85-%D8%BA%D8%A8%D8%A7%D8%B4%D9%8A.jpg

تنبثق الكلمات من بين أنامل كريم غباشي في مجموعته القصصية "وانفرطت حبات السحر" لتشكل كوكبة من الحكايا التي تأبى الاستقرار في منطقة الرمادي، فهي إما نور باهر أو عتمة خانقة. يفتتح الكاتب هذا العالم بإهداء يفيض بالامتنان لأم علمت كفّيه كيف تقبضان على القلم، ولأخت كانت ملجأه الثاني، وكأنه يغسل روحه بماء الوفاء قبل أن يخوض في أوحال النفس البشرية وصراعاتها المريرة. يرى غباشي أن فعل الكتابة هو في جوهره مغامرة وجودية، حيث لا يكتفي الأديب برسم الشخصيات، بل ينصهر في حيواتهم، يحبُّ بعضهم ويمقت الآخرين، في جدلية تشبه ما ذهب إليه الروائي الروسي فيودور دوستويفسكي حين جعل من شخوصه مختبراً للأخلاق والجنون. المجموعة الصادرة عن دار لوتس للنشر الحر في 232 صفحة، تدعو القارئ صراحة إلى خلع رداء الطمأنينة عند العتبة الأولى، والولوج إلى رحلة لا تعترف بالحياد، حيث يتجاور "قلب البندق" الذي يقطر أملاً مع "حماة إبليس" التي تجسد الشر في أعتى صوره، في تضاد يبرز قدرة الكاتب على ملامسة طرفي النقيض في الفطرة الإنسانية.

تتحرك القصص في فضاءات يمتزج فيها الواقعي بالغرائبي، حيث تصبح المرآة في غرف النوم ليست مجرد أداة للزينة، بل بوابة لغرف سرية تخبئ خلفها شراً متربصاً وصراخاً مكتوماً يمزق سكون الليل. ينسج غباشي مشهداً مرعباً لامرأة تجد نفسها مطاردة من كائن هلامي يقتلعها من فراشها، ليضعنا أمام تساؤلات حول ماهية الأمان المنزلي والخيانات التي قد تأتي من أقرب المقربين، مثل تلك الأم التي تُتهم باختطاف زوجة ابنها وإخفائها خلف جدران البيت الصامتة. الموسيقى الداخلية للنص تتصاعد مع كل حادثة، فبينما يرتجف الجسد تحت الأغطية، تبرز صورة الأب الملهوف الذي يبحث عن ابنته في طرقات لا تفضي إلا إلى مزيد من الغموض. هذه الاستعارات الكابوسية ليست مجرد وسيلة للإثارة، بل هي تشريح لخوف الكائن البشري من المجهول الذي يسكن الزوايا المظلمة في وعيه، حيث يتحول البيت من ملاذ سكين إلى فخ محكم الإغلاق.

ينتقل بنا الكاتب إلى فضاءات أخرى عبر سائق سيارة غامض يكسر القاعدة المعهودة في ثرثرة سائقي مصر، ليلتزم صمتاً جنائزياً ينبئ بكارثة تلوح في الأفق. عند ذلك الكوبري اللعين، حيث تتجمد الذكريات الأليمة مع وقوع حمولة الخشب، يجد البطل نفسه وحيداً في مواجهة القوى الغيبية التي تأبى أن تتركه يغادر المكان حياً. يرتفع إيقاع السرد حين تظهر عينا السائق البيضاوان كشبح خرج للتو من حكايا الميثولوجيا الشعبية، ليقذف بالراكب نحو مصيره المحتوم. الصرخة التي تمزق أحشاء السكون في تلك اللحظة هي صرخة الإنسان أمام قدره الذي لا يرحم، وأمام جني أو طيف يرفض التفاوض. يبرز هنا مشهد الفتاة المدفونة التي تعود لتطالبه بالحقيقة، في استحضار درامي لفكرة العدالة المتأخرة، حيث لا يغلق القبر أبوابه تماماً إذا ما ظلت الحقيقة معلقة في الهواء الطلق.

تتجلى فلسفة الغطاء في هذه المجموعة كرمز للحماية الوهمية التي يحاول الإنسان التترس خلفها أمام ضربات القدر؛ فكلما أحكمت الشخصيات قبضتها على أغطية فراشها، كلما كان انتزاعها أقسى وأكثر عنفاً. يبرع غباشي في تصوير القسوة الإنسانية، ليس فقط في صور الشر الخارق، بل في تلك اللحظة التي يترك فيها المرء أمه وحيدة في جوف الصحراء لينجو بجلده، وهي صورة تعيدنا إلى البدائية الأولى حيث تنهار القيم أمام غريزة البقاء. إن "وانفرطت حبات السحر" ليست مجرد سرد لقصص خيالية، بل هي غوص في المحيط الإنساني الممتد، حيث يتقابل "صاحب السعادة" بعطائه اللامحدود مع "ويندر الخيالي" بعالمه العجيب. الدرس المستفاد هنا ليس وعظاً مباشراً، بل هو تلك الرعشة التي تسري في جسد القارئ وهو يدرك أن الشر مهما طال ليله، فإن الأمل يبقى مغروساً في قلب البندق، بانتظار يد شجاعة تقشر عنه غلاف الخوف ليعود السحر وينفرط حبة حبة في ضياء الحقيقة.