موقعة شارع العمدة

هناك بلدة صغيرة حيث العمدة يحكم ببندقيته وعصاه، والفتنة تنام في عين حقدودة، وكرامة الرجال لا تلتئم إلا بدم يبض من رأس الخصم. هنا يتعارك الصبية في رحبة البلد، فترفع النساء الطوب من فوق الأسطح، ويتحول شارع هادئ إلى ساحة معركة لا يعرف أحد كيف تبدأ أو متى تنتهي. محمد عبد النعيم لا يكتب قصصاً بقدر ما ينقب في عروق المجتمع الريلي ليكشف كيف تولد الضغائن الصغيرة وتتحول إلى ثأرات تأكل القرى بأكملها. سليمان ويحيى يتصارعان على لا شيء، بينما نظيرة العجوز تشعل النار في قلب ابنها، والخفير فهمي يحاول عبثاً إخمادها. لا أبطال هنا، لا خير مطلق ولا شر مطلق، فقط بشر عاديون يصطدمون بالعادات والتقاليد كمن يصطدم بجدار خرساني. اقرأ هذه المجموعة إذا أردت أن تفهم لماذا يضرب المصريون بعضهم أحياناً لأسباب تافهة، ثم يصالحون كأن شيئاً لم يكن. موقعة شارع العمدة
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEg0etI0bjhgDYlBJQCVf75BOkPtg93WgSe5TkvcecSDRNxHABWyzSVoKmnH8kD0hmsk5i2dM9XfF6izRWSdB4UdnC9jx0917_Gicaiu6Ys6DxXxcViM5IeBwfVLnxGbzklvsbZWF5AveQfJmdvx323xWsiz3mCP_DoCbI3MEAn_RnmrQEzB33rMriFW78U/s320/489.jpg

هناك بلدة صغيرة حيث العمدة يحكم ببندقيته وعصاه، والفتنة تنام في عين حقدودة، وكرامة الرجال لا تلتئم إلا بدم يبض من رأس الخصم. هنا يتعارك الصبية في رحبة البلد، فترفع النساء الطوب من فوق الأسطح، ويتحول شارع هادئ إلى ساحة معركة لا يعرف أحد كيف تبدأ أو متى تنتهي. محمد عبد النعيم لا يكتب قصصاً بقدر ما ينقب في عروق المجتمع الريلي ليكشف كيف تولد الضغائن الصغيرة وتتحول إلى ثأرات تأكل القرى بأكملها. سليمان ويحيى يتصارعان على لا شيء، بينما نظيرة العجوز تشعل النار في قلب ابنها، والخفير فهمي يحاول عبثاً إخمادها. لا أبطال هنا، لا خير مطلق ولا شر مطلق، فقط بشر عاديون يصطدمون بالعادات والتقاليد كمن يصطدم بجدار خرساني. اقرأ هذه المجموعة إذا أردت أن تفهم لماذا يضرب المصريون بعضهم أحياناً لأسباب تافهة، ثم يصالحون كأن شيئاً لم يكن.

موقعة شارع العمدة مجموعة قصصية 489 152 أكتوبر 2020 yes 201091985809 محمد عبد النعيم كاتب مصري https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEgzMu3vB0uwH3TLrBys9ZCwSbZVcDMLF7_7d3bRK5E7T7UCYRykThVvXk4UQdIsK_mIRqj4vqs18acYs9HAtfp3sj7EWOGRtXehBwQ1brBiW8Z79jerzyR4SF0ZsnPad0wNr_nTngOwrpNHVth-D9xkM6HKEraegLCXzdYNvy3TsrKuS6i7fCEQS87vJDc/s295/%D9%85%D8%AD%D9%85%D8%AF%20%D8%B9%D8%A8%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%B9%D9%8A%D9%85.jpg

لا تبدأ "موقعة شارع العمدة" بانفجار كبير، بل بذبحة تطلقها العجوز نظيرة من على باب الدرب، حين يمر يحيى ابن الخفير فهمي أمامها دون أن يلتفت.

كلمة واحدة تلك: "ذبحة"، ثم أتبعتها بقبر يلمك، ثم ويلم أهلك كلهن، لتعلن بداية حرب لم تكن في الحسبان.

من هنا ينفتح السؤال الأول: كيف تتحول كلمة عابرة إلى طوفان يسحب عائلتين كاملتين، ثم البلد بأسرها، ثم الشارع الذي صار ساحة حرب؟

على هذا الأساس، تقوم المجموعة على فكرة أن العراك في هذا العالم الريفي ليس مجرد انفعال لحظي، بل طقس اجتماعي منظم له قوانينه وشروطه.

إذن، الشجار الذي ينشب بين سليمان حفيد نظيرة وبين يحيى ابن الخفير عندما طلب سليمان النزال أمام الناس، لم يكن إلا قمة جبل جليدي يمتد إلى الجذور العميقة للشرف والعيب والثأر.

بيد أن العجوز نظيرة لم ترضَ بحكم الناس الذي انتهى بالصلح، فهي تعرف أن كسر أنف ابن بنتها الوحيد لا يمحى إلا بدم يحيى.

ومن ثم يتحرك أخوها حسن بنبوت ليتربص بيحيى في طريق المحروقة وقت القيلولة، حيث الطريق خالٍ والناس غافلة في بيوتها هرباً من لهيب الشمس.

وهنا تبدأ الموقعة الحقيقية ليس بين حسن ويحيى فقط، بل بين مجموعة قيم متصارعة: الثأر مقابل الحكمة، الغضب مقابل الصبر، العائلة مقابل العائلة.

ففي اللحظة الحاسمة، حين يرفع حسن نبوت ليضرب رأس يحيى، يظهر الشيخ أحمد ابن خالة يحيى بماسورة حديد فجأة، ويتلقى الضربة عن يحيى، ثم يشل حركة حسن بين ذراعيه.

غير أن يحيى الشاب المندفع لا يحتمل الموقف، فينتهز الفرصة ويضرب حسن بالعصا حتى يسيل الدم، وهنا تنفجر القنينة بكل ما فيها.

تندفع النساء من الأسطح يرمين الطوب والحصى، ويتحول الدرج الضيق إلى شارع العمدة الفسيح، وتتراكم الجثث المصروعة والرؤوس المشجوجة، ويكاد يقع قتيل لولا أن أطلق العمدة أعيرة نارية في الهواء أوقفت الجميع.

فضلاً عن ذلك، لا يكتفي الكاتب بهذه القصة المركزية، بل يحيك نسيجاً قصصياً متشعباً ينبثق من شوارع البلدة وحواريها.

في قصة "الإشارة"، نكتشف كيف أن خطأ إملائياً بسيطاً – حماد الخفير الذي يكتب "محمود" بدل "محمد" – يمكن أن يحول مواطناً بريئاً إلى هارب من الجيش، يسجن أياماً في مركز الشرطة حتى تظهر الحقيقة.

على هذا النحو الساخر، يسخر المؤلف من بيروقراطية الدولة المصرية العمياء التي لا ترى غير حروف الورق، بغض النظر عن الضحايا الحقيقيين.

وفي قصة "الناظر"، يروي طفلاً صغيراً حلمه بالذهاب إلى المدرسة، لكن ناظر المدرسة يطرده بغلظة لأنه يحمل ضغينة قديمة على أبيه بسبب خصومة في الأرض.

هكذا تتكرر الآلية نفسها في كل قصة: ثأر قديم أو خصومة عابرة تنتقل من الأب إلى الابن، ومن جيل إلى جيل، مثل مرض مزمن لا يشفى أبداً.

أما في "أبو نبوت"، فنشهد صراعاً آخر بين عاصم الشاب الرياضي وبين جعفر الضخم الذي لا يفارق نبوته أبداً، ويكره عاصماً دون سبب سوى أنه "ينفخ نفسه".

وبعد معركة طاحنة على كوبري البلد، ينتهي الأمر بهزيمة جعفر وتدخل الشيخ خالد لإصلاح ذات البين، لكن الغصة تبقى في الحلوق ولا تزول.

وفي "سيادة النائب"، ينتخب الناس إبراهيم أبو شامه نائباً عنهم بعد وعود براقة، لكنه ما أن يجلس تحت قبة البرلمان حتى ينساهم تماماً، فلا كهرباء، ولا مخبز، ولا رصف طرق.

وهنا يصبح الغضب الشعبي دائراً: نحن من رفعناك على رؤوسنا، ونحن من سنسقطك بأقدامنا، ولكن بعد انتهاء الدورة طبعاً.

وفي القصة الأكثر قسوة، "تباع العمدة"، يقرر العمدة تزويج ابنته صباح من حلمي أبو حسية، التابع المخلص له، رغم أنه "مقطوع النسب".

يسخر الناس في السر، ويباركون في العلن، وتقام الأفراح والزغاريد، ثم وفجأة يغتال حلمي في عز فرحته.

من قتله؟ عقل متحجر يرفض فكرة تساوي الرؤوس، ويصر على أن التابع لا يصاهر العمدة أبداً، حتى لو كان الرجل طيباً وشريفاً.

بهذه النهاية المأساوية، يغلق محمد عبد النعيم دائرته: الثأر ليس فقط بالعصا والدم، بل بالفكر الذي لا يتزحزح، والاعتقاد الذي يقتل أبطأ من الرصاص لكنه أقسى.

وهكذا، تظل موقعة شارع العمدة مفتوحة، ولا تهدأ، وكل يوم يمكن أن تندلع من جديد، من ذبحة جديدة، أو نظرة، أو حتى من لا شيء.