قانون الحب

يتساءل المرء عن الحب، هل هو قانونٌ يُسنُّ و يُطبق، أم شعورٌ عابرٌ كنسيمٍ يعبث بأوراق الشجر؟ هدير أشرف، بقلبٍ لا يخشى البوح، ترفض أن يختزل الحب في قوالب جامدة. الحب ليس معاهدةً تُبرم، ولا عهدًا يُوثق، بل هو ذاك البوح الأصيل الذي ينبع من الأعماق، حيث تتشابك الأرواح كجذور شجرةٍ عتيقةٍ تتغذى من تربةٍ مشتركة. قد يعتقد البعض أنهم عثروا على الكنز، ذاك الشعور الفياض الذي يخالونه الحب، لكن الحقيقة أعمق من ذلك بكثير. إنها رحلةٌ تتكشف فيها المعاني، وتتأكد فيها القناعات، بين زيف المشاعر وصلابتها. الحب كلمةٌ تتجاوز حروفها، لتصبح كونًا كاملاً من السمو والعطاء، حيث يجد الإنسان نصفه الآخر ليس لأنه ناقص، بل لأنه يستحق أن يُمنح ما هو كامل. قانون الحب
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEikgc2G3oVx366CnlNJ_XqgPTeobcREQc9F8PAbML17ghyphenhyphenLN9P5eTqEBxm3JUc8H90czufoudqAkufz5L-qafq_lxhoqO-Njm2T8NJs0VGD8EGs6ftztU9L6Ugn99_2usvhT77C1j_-fhgwD0633pJRXH0oph-aLKVdTtdlg14g-LdbZO5U-80N0I8HciA/s320/261.jpg

يتساءل المرء عن الحب، هل هو قانونٌ يُسنُّ و يُطبق، أم شعورٌ عابرٌ كنسيمٍ يعبث بأوراق الشجر؟ هدير أشرف، بقلبٍ لا يخشى البوح، ترفض أن يختزل الحب في قوالب جامدة. الحب ليس معاهدةً تُبرم، ولا عهدًا يُوثق، بل هو ذاك البوح الأصيل الذي ينبع من الأعماق، حيث تتشابك الأرواح كجذور شجرةٍ عتيقةٍ تتغذى من تربةٍ مشتركة. قد يعتقد البعض أنهم عثروا على الكنز، ذاك الشعور الفياض الذي يخالونه الحب، لكن الحقيقة أعمق من ذلك بكثير. إنها رحلةٌ تتكشف فيها المعاني، وتتأكد فيها القناعات، بين زيف المشاعر وصلابتها. الحب كلمةٌ تتجاوز حروفها، لتصبح كونًا كاملاً من السمو والعطاء، حيث يجد الإنسان نصفه الآخر ليس لأنه ناقص، بل لأنه يستحق أن يُمنح ما هو كامل.

قانون الحب خواطر 261 64 أغسطس 2019 yes 201091985809 هدير أشرف كاتبة مصري

الحب في كيمياء الروح ليس عقداً يبرمه العقل، بل هو ارتعاشةٌ لا تخضع للمساطر أو القوانين الجافة، وهو ما تحاول "هدير أشرف" تفكيكه في نصوصها التي صاغتها بين دفتي كتابها المتمرد على عنوانه. تبدأ الكاتبة رحلتها من نقطة الاعتراض على فكرة "القانون" ذاتها، وكأنها تدرك منذ السطر الأول أن العاطفة البشرية هي الوحيدة التي تكسر حواجز المنطق وتتجاوز الحسابات المسبقة، فالوقوع في الحب لا يأتي بموعدٍ ضُرب في تقويم الأيام، بل هو غزوٌ مباغت للذات لا يستأذن أحداً. تضعنا النصوص أمام مرايا متعددة، فالحب عندها ليس كلمةً محبوسة في حرفين، بل هو فضاء شاسع يتسع لآلاف المعاني السامية التي تعيد تشكيل الكيان الإنساني من جديد. تشبه الكاتبة هذا الشعور بالكنز الذي يتوهم الكثيرون امتلاكه، بينما يظل في حقيقته اختباراً للوقت والصدق، إذ لا ينكشف النحاس من الذهب إلا في أتون التجارب التي تثبت ما إذا كانت تلك المشاعر حقيقةً ساطعة أم مجرد تزييف عابر للوجدان.

تستحضر الكاتبة في ثنايا خواطرها فلسفة "المكانة التي لا تُستبدل"، مشيرةً إلى أن لكل إنسان في حياة الآخر دوراً كونيّاً لا يمكن لغيره أن يتقنه أو يتقمص شخصيته. تضرب لنا مثلاً بوجع الغياب، فالحبيب حين يرحل يترك خلفه فجوةً لا يملؤها صديق ولا يعوضها قريب، لأن الحبيب في "قانون الحب" هو الكيان الشامل الذي يذوب فيه الأخ والرفيق والابن والزوج في آن واحد. هذا الامتلاء الروحي هو ما يجعل الفراغ بعده موحشاً كصحراء قاحلة، حيث تؤكد الكاتبة أن هذه المكانة محفورة في سويداء القلب بقوةٍ لا يخلعها إلا انتزاع القلب نفسه من القفص الصدري. تذكرنا هذه الرؤية بمقولة جلال الدين الرومي: "العاشق لا يعرف اليأس أبداً، فبالنسبة للقلب الجريح كل لحظة هي دواء"، لكن هدير أشرف تضفي صبغةً من المسؤولية على هذا الشغف، فتسمي الحب "لعنةً" يجب على من يصاب بها أن يتحمل عواقبها الجسيمة.

التوازن في العلاقة الإنسانية هو الخيط الرفيع الذي تفرد له الكاتبة مساحةً وافرة من التأمل، إذ ترى أن الطريق دائماً ما يكون مرصوفاً بالأحجار والعثرات التي تتطلب يديْن لإزالتها، لا يداً واحدة تكافح بينما الأخرى تراقب في صمت. السقوط في فخ اللامبالاة من أحد الطرفين يؤدي حتماً إلى اختلال الميزان، فتتحول جنة العاطفة إلى أرض يباب لا ماء فيها ولا حياة، حيث تنتهي هذه التجربة بقلب مكسور يمزقه الألم رويداً رويداً حتى يغدو الجسد مجرد غلاف فارغ لا يشعر بما يدور حوله. تدعو النصوص القارئ إلى الوعي بأن الحب ليس نزهةً في بستان بقدر ما هو التزامٌ أخلاقي وروحي يتطلب شجاعة المواجهة والصمود أمام تقلبات الزمن. العاطفة هنا ليست ضعفاً، بل هي القوة التي تمنح الإنسان هويته الفريدة وسط ملايين البشر، فكل فرد يسكن في قلب الآخر هو بطل في رواية لا تتكرر، يؤدي دوراً لم يُكتب لغيره مهما بلغت درجة القرب أو المحبة.

تنساب الكلمات في الكتاب لتؤكد أن قدسية الحب تنبع من قدرته على جعلنا نشعر بالاكتمال، ليس لأننا ناقصون، بل لأننا نستحق أن نرى انعكاس أرواحنا في مرآة شخص آخر يفهم لغتنا الصامتة. تنتهي الخواطر وبقاياها عالقة في الذهن كصورة فنية رُسمت بمداد الوجع والأمل معاً، تاركةً القارئ أمام حقيقة أن القوانين قد تُكتب لتُنظم حياة الناس المادية، لكن الحب يبقى هو القانون الوحيد الذي يكتبه القلب بدمه، ويوقعه الزمن بمداد الذاكرة. لا تكتفي الكاتبة برصد المشاعر الجياشة، بل تذهب نحو تشريح العلاقة بين الجسد والروح عند الفقد، وكيف يمكن للعاطفة أن تكون ترياقاً أو سماً زعافاً بناءً على صدق النوايا وقدرة الطرفين على إماطة الأذى عن طريق حلمهما المشترك. إنها رسالة لكل الذين آمنوا يوماً أن الحب هو الملاذ الأخير، وأن الحفاظ على هذا الملاذ يتطلب ما هو أكثر من مجرد الكلمات؛ يتطلب روحاً تأبى أن تترك رفيق دربها وحيداً في مواجهة عواصف الحياة.