الرقصة الأخيرة

على سرير أحمر، بين أضواء خافتة وظلال متشابكة، تبدأ رحلة راقصة من قاع قرية منسية إلى قمة مجتمع يتراقص على أنغام الفساد. هويدا جلال لم تكن مجرد جسد يُباع في ليالٍ ساخنة، بل كانت مرآة تعكس وجوه رجال صنعوا إمبراطورياتهم فوق أوجاع النساء. بين مذكرات تكتب بالدموع وضحكات ماجنة تخفي جراحاً غائرة، ترصد الرواية تحول الضحية إلى جلاد، وتكشف كيف يصير الجسد سلعة، والحب وهمًا، والكرامة رهانًا في سوق لا يعرف سوى لغة الصفقات. هذه ليست حكاية راقصة فحسب، بل مرثية لوطن يدفن أحلام فتياته تحت أقدام رجال يتاجرون بالضمائر كما يتاجرون بالأجساد. هل ستنصف المذكرات صاحبتها، أم ستكون شاهدتها الأخيرة على جريمة لا متهم فيها سوى الفقر؟ الرقصة الأخيرة
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEgkyaJDHh-Zf4TLeTAssZ4ae5KJWGA4hcq-TaBbCTUz-qWuv5D2CIJS3KZrQbJXR0qUUmFrig-1hD_q4201DtsvD7md4xeW8wVbMwSkcxOFKPyg0OKyxk5PFHYAuYQu-bYRTZXiqgDcK6kHvKVbR7daK6LAX9o3u8bIhyKf-_7X1atPraqI1aJf1mhUEjA/s320/626.jpg

على سرير أحمر، بين أضواء خافتة وظلال متشابكة، تبدأ رحلة راقصة من قاع قرية منسية إلى قمة مجتمع يتراقص على أنغام الفساد.

هويدا جلال لم تكن مجرد جسد يُباع في ليالٍ ساخنة، بل كانت مرآة تعكس وجوه رجال صنعوا إمبراطورياتهم فوق أوجاع النساء.

بين مذكرات تكتب بالدموع وضحكات ماجنة تخفي جراحاً غائرة، ترصد الرواية تحول الضحية إلى جلاد، وتكشف كيف يصير الجسد سلعة، والحب وهمًا، والكرامة رهانًا في سوق لا يعرف سوى لغة الصفقات.

هذه ليست حكاية راقصة فحسب، بل مرثية لوطن يدفن أحلام فتياته تحت أقدام رجال يتاجرون بالضمائر كما يتاجرون بالأجساد.

هل ستنصف المذكرات صاحبتها، أم ستكون شاهدتها الأخيرة على جريمة لا متهم فيها سوى الفقر؟

الرقصة الأخيرة رواية 626 202 ديسمبر 2021 yes 201091985809 تغريد مصباح كاتبة فلسطينية https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEh10pp17-H3IMcYaqc8tYQNLwH2NnCQawHIvk83ICR9oPW5kZfJWGV-r9J3ufb1Gx5AXi8xZgzjCFWmiLSd5UI1WsC6giwlvbBR3pWnyZOUKTutI2_0TfcGjBWZ4YqlfAkb4Dd_-v9mOcNuaUydpBIDxw878H2HPkhmIoDzs4Ozmp4WV9rJwgUePyBTO1Y/s295/%D8%AA%D8%BA%D8%B1%D9%8A%D8%AF-%D9%85%D8%B5%D8%A8%D8%A7%D8%AD.jpg

رواية تغريد مصباح تبني عمارتها السردية على مفارقات تنسج خيوطها بين السطحي والعميق، بين ما يُقال وما يُكتم، لتخلق فضاءً تشتبك فيه الأضداد وتتلاشى فيه الحدود الفاصلة بين الشر والخير، بين الضحية والجلاد، بين الحب والاستغلال.

من هنا، تأتي أهمية العنوان بصفته جواز عبور إلى عوالم متعددة: رقصة الجسد على المسرح، رقصة الأقنعة في دهاليز السلطة، ورقصة الموت المحتومة التي تُسدل الستار على كل شيء.

والكاتبة، إذ تستلهم مقولة يوسف إدريس عن مساحة الحرية الضيقة، تتخذ من المفارقة ركيزة بنيوية تمكنها من اجتياز تلك المساحة، فتعمد إلى تقنية بناء المفارقة بكل أنواعها، من لفظية إلى إيهامية إلى سياقية، فتخرج بذلك عن مقتضى الظاهر وتضع الإظهار محل الإضمار، على حد تعبير الناقد عصام صقر في مقدمته التحليلية.

غير أن هذه المفارقات لا تظل حبيسة الشكل التقني، بل تمتد لتشكل رؤية الكاتبة للعالم والإنسان، إذ تطرح أسئلة وجودية محورية حول ماهية الشخصية الإنسانية، وتضع القارئ في حيرة مشوقة يحاول من خلالها تمييز الخيط الناصع في ظلام التشابكات الأخلاقية.

على هذا الأساس، تتشكل رحلة البطلة ندى ـ هويدا، تلك الفتاة الريفية التي تنتمي إلى أسرة فقيرة تعمل في خدمة أغنياء القرية، فتنقلب حياتها رأساً على عقب حين يخونها حبها الأول جلال، ابن سيدها، الذي حاول أن يشتري عذريتها بخمسة جنيهات، ومن ثم تدفعها الصدمة إلى الهروب من القرية إلى القاهرة، وهناك تبدأ رحلة تشكل هويتها الجديدة بوصفها راقصة استعراضية، لكن الرقصة ليست سوى غطاء لأدوار أخرى أكثر تعقيداً وخطورة.

فضلاً عن ذلك، تتعاقب في حياة هويدا شخصيات ذكورية تتحكم في مصيرها، كل واحد منهم يمثل وجهاً من أوجه الاستغلال: جلال الذي زرع في قلبها بذور الإحباط، وسعدون الثري الخليجي الذي تزوجها وأخضعها لاستغلال مزدوج، وفارس الصياد الذي يعد أبرزهم وأخطرهم، فهو صانعها الحقيقي، من يقودها ويوظف جسدها كسلاح لإتمام صفقات فاسدة مع رجال أعمال وسياسيين، لذلك تتحول حياة هويدا إلى رحلة صعود وهبوط بين أضواء الشهرة وظلام الاستغلال، بين كونها نجمة ساطعة وأداة طيعة في يد فارس.

في المقابل، تمثل مذكرات هويدا البطل الخفي الذي يعطي للرواية بعدها الآخر، إذ تتحول هذه المذكرات من مجرد سرد لحياة امرأة عاهرة إلى وثيقة فضح سياسي واجتماعي، يهدد بإسقاط عصابة من رجال الأعمال والساسة، ومن هنا يظهر الصحفي عمر شهاب بوصفه الحلقة الأخيرة في سلسلة استغلال هويدا، رغم ادعائه الحب، فهو يتقرب منها ليكتب مذكراتها وينشرها، مستغلاً إياها كسلم للصعود إلى المجد الصحفي والظفر بحبه الحقيقي شروق ابنة رجل الأعمال النافذ.

غير أن العلاقة بين عمر وهويدا ليست أحادية الاتجاه، بل هي علاقة تبادلية يلتقي فيها الطموح مع الانتقام، فبينما يستخدم عمر هويدا لتحقيق أحلامه المهنية، تستخدم هي بدورها مذكراتها كسلاح لتصفية حساباتها مع فارس الصياد، ومع كل من داس على كرامتها.

بيد أن المفارقة الأعمق تكمن في أن هويدا، رغم ما تملكه من قوة كاشفة عبر المذكرات، تظل أسيرة لعبة لا خروج منها، فرجال السلطة يمتلكون من القوة ما يمكنهم من تحويلها من أداة فاعلة إلى ضحية صامتة.

ومن ثم، فإن الرواية لا تكتفي بتقديم صورة نمطية عن حياة الراقصات، بل تتعمق في نقد بنية المجتمع المصري، وطبقية العلاقات، وآليات النفوذ، فمن خلال حياة هويدا ترصد الكاتبة التحولات الاجتماعية والاقتصادية، وكيف يتحول الفقر إلى وصمة، وكيف يصبح الجسد هو الورقة الوحيدة القابلة للتداول في أيدي الفقراء.

كما ترصد الرواية بتفاصيل مثيرة صراع الطبقات، وفساد النخبة، واستغلال السلطة لتحقيق المصالح، مما يجعلها عملاً أكثر من مجرد رواية اجتماعية، بل شهادة تاريخية على حقبة من التحولات في المجتمع المصري.

وفي مستوى آخر، تتعامل الرواية مع قضية الهوية الأنثوية، وسعي المرأة لتثبيت ذاتها في مجتمع يريدها أداة، فأسماء البطلة المتعددة ـ ندى، هويدا، الزوجة الثالثة، العاهرة، كاتبة المذكرات ـ ليست مجرد أسماء، بل محطات في رحلة بحثها عن ذاتها، وكل مرة تحاول فيها تعريف نفسها، يصطدم تعريفها بتعريف الآخرين لها.

بيد أن السؤال الذي تتركه الرواية مفتوحاً للقارئ، هو ما إذا كانت هذه المحطات كلها، بما فيها كتابة المذكرات، جزءاً من لعبة أكبر، فالمذكرات نفسها ليست سوى رقصة أخيرة، لعبة يضع فيها الأقوياء قواعدهم، ويظل الضعفاء يتخبطون بين أوهام الانتصار وخراب النهايات.