منطق الطير

نحن أمام مملكة تطير على غير هدى، تحكمها الإشارات لا البراهين، وتستقيمُ على منطقٍ يلبسُ ثوبَ الديمقراطية، ويُبطنُ غطرسةَ القهر. طائرٌ يتنقل بين الأغصان، كلمةٌ تحسمُ مصيرَ فصيلةٍ، وانتخاباتٌ تزيّنُ استبداداً، ومعارضٌ يُلاحَقُ وكأنّ نعيقَه يهزّ عرشاً من ورق. هنا، بين زقزقة النفاق وهديل المواربة، تكمنُ سخريةٌ مرّةٌ من حالِنا، حيثُ تطيرُ الطيورُ عكسَ الريح، وتظنّ أنّها تُحلّق. هذا الكتابُ ليس روايةً عن حكاية طير، بل عنّاك، عن حكايةٍ نعيشها كلّ يومٍ تحتَ سماءٍ لا تخلو من نسور. منطق الطير
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEj3XJZGZ_BTpz-WoK73UVAW000Wbgu85DCNs2_aC-e2nsfcXU3JchDLoU8AD1zZrQPnSlS3UQwVtPvChkke7yQq9izrSlJ2XTCAscoPBnb3bKKwLs5sDi5lHZy9_U8qlD-S2xeUghriB4NJYsIN97rBXab1cCFieDlyoZWRQJhOt65GC3Beu6iNPzwn1Tw/s320/530.jpg

نحن أمام مملكة تطير على غير هدى، تحكمها الإشارات لا البراهين، وتستقيمُ على منطقٍ يلبسُ ثوبَ الديمقراطية، ويُبطنُ غطرسةَ القهر. طائرٌ يتنقل بين الأغصان، كلمةٌ تحسمُ مصيرَ فصيلةٍ، وانتخاباتٌ تزيّنُ استبداداً، ومعارضٌ يُلاحَقُ وكأنّ نعيقَه يهزّ عرشاً من ورق. هنا، بين زقزقة النفاق وهديل المواربة، تكمنُ سخريةٌ مرّةٌ من حالِنا، حيثُ تطيرُ الطيورُ عكسَ الريح، وتظنّ أنّها تُحلّق. هذا الكتابُ ليس روايةً عن حكاية طير، بل عنّاك، عن حكايةٍ نعيشها كلّ يومٍ تحتَ سماءٍ لا تخلو من نسور.

منطق الطير رواية 530 312 فبراير 2021 yes 201091985809 ادريس مكراز كاتب مغربي https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEiyDznHTuY5h63Oy04IQNTziZ1jS_BY-MwvlYhLgId7XcBGNDqGgY8ECSI879yfLDE1nmrmv3-WKsVN-80Kh38ihorjbEOkNL-Qu-opMkdrUnM00n6SpHyYg6kHNugC2IBnYexHohAvYahj2v1fOLmDQZb06LPS-xx7ILuOnYs_4Dz3MQmqe89UnnyKUE4/s295/%D8%A7%D8%AF%D8%B1%D9%8A%D8%B3-%D9%85%D9%83%D8%B1%D8%A7%D8%B2.jpg

يفتتح إدريس مكراز روايته بمشهدٍ يذكّرُ بجوّ المَلاحم: نسرٌ يستعرضُ جيوشَه، وحشودٌ من الطيور تصطفّ تحتَ جناحَيْه، في غيابِ هُدهُدٍ واحدٍ يثيرُ حفيظتَه. غيرَ أنَّ الغيابَ هنا ليس عادياً، فهو يحملُ نبأً جللاً: وجودُ مملكةٍ أخرى للطيور، يحكمُها كائنٌ أسطوريٌ يدعى «العنقاء». من هذه اللحظة، ينهضُ السؤالُ الجوهريّ الذي يحرّكُ أحداثَ الرواية بأكملها: كيفَ يتعاملُ نظامٌ مستبدٌّ مع اكتشافِ وجودِ «آخر» يهدّدُ شرعيتَه؟

ينقسمُ العملُ إلى ثلاثةِ أقسامٍ كبرى تُشكّلُ رحلةً رمزيةً في آنٍ واحد. القسمُ الأولُ يصورُ آليّةَ الاستجابةِ النسرية، حيثُ يتمُّ إعلانُ انتخاباتٍ لاختيارِ وفدٍ يسافرُ إلى مملكةِ العنقاء، وكأنّ الحلَّ الوحيدَ لمواجهةِ الآخرِ هو محاكاتُه شكلياً، معَ الإبقاءِ على جوهرِ الهيمنةِ النسرية. تتحوّلُ ساحةُ الانتخاباتِ بسرعةٍ إلى مسرحٍ لفضحِ تناقضاتِ النظام: المالُ يشتري الأصوات، والخطابُ الديمقراطيُّ يُستخدَمُ كغطاءٍ لتكريسِ نفوذِ الأقوياء، في مشهدٍ يذكّرُ بشدةٍ بممارساتِ سياسيةٍ مألوفةٍ لدى القارئ العربي، لكنّ السخريةَ تصبحُ أكثرَ حدةً حينَ نكتشفُ أنّ الديمقراطيةَ الموعودةَ ليست سوى أداةً لإضفاءِ الشرعيةِ على هيمنةِ النسر.

القسمُ الثانيُ، وهو الأكثرُ اتساعاً وثراءً، يُصوّرُ رحلةَ الوفدِ الفائزِ برئاسةِ الهدهد، وهي رحلةٌ تتحوّلُ تدريجياً من استكشافٍ جغرافيٍّ إلى رحلةٍ روحيةٍ ومفهومية. يمرّ الوفدُ بمحطاتٍ رمزيةٍ، مثلَ «سلطنة العدل» التي يحكمُها القضاةُ، و«بحيرةِ البجع» التي تختزلُ جمالاً لا يُصدَّق، و«مملكةِ السراب» التي تختلطُ فيها الحقائقُ بالأوهام، وصولاً إلى مملكةِ العنقاء التي تمثّلُ النقيضَ التامَّ لعالم النسر. هذه المحطاتُ ليست مجرّدَ مناظرَ طبيعيةٍ، بل تعكسُ رحلةَ وعيٍّ متصاعدة، حيثُ يواجهُ الوفدُ أنماطاً مختلفةً من الحكم: العدلُ القاسي، الجمالُ المُغرِق، والرحمةُ المطلقة. إنّ دهشةَ الطيورِ أمامَ ما تراهُ في الجنوبِ تُشبهُ دهشةَ الإنسانِ عندما يكتشفُ أنَّ ثمّةَ عوالمَ أخرى يمكنُ العيشُ فيها خارجَ إطارِ ما اعتادَه. فبينما يَغرقُ النسرُ في لعبةِ السلطةِ والديمقراطيةِ الوهمية، تعيشُ طيورُ الجنوبِ في حالةٍ من التناغمِ والجمالِ تجعلُ كلَّ صراعاتِ الشمالِ تبدو عبثيةً وسخيفةً.

القسمُ الثالثُ يرصدُ عودةَ الوفدِ إلى مملكةِ النسر، حيثُ تتحوّلُ رحلةُ الاستكشافِ إلى مادةٍ لصراعٍ سياسيٍّ جديدٍ. فالأعضاءُ الذين عادوا يُشكّلونَ تهديداً أو فرصةً، حسبَ موقعِ كلٍّ منهم من السلطة. بعضُهم يُكافأُ بمناصبَ كبيرةٍ رغمَ عودتِه المبكرة، بينما يُهمّشُ آخرون. هذا التباينُ في المصيرِ يعكسُ كيفَ تُوظَّفُ المعرفةُ والاكتشافاتُ لخدمةِ مصالحِ النخبةِ الحاكمة، وكيفَ يُعادُ إنتاجُ الهيمنةِ تحتَ شعاراتٍ جديدة. لكنَّ اللافتَ هو تحوّلُ بعضِ الشخصيات، كـ«أبي منجل» المعارضِ الشرس، الذي يجدُ في نتائجِ الرحلةِ مبرراً لمراجعةِ مواقفِه، في مشهدٍ يطرحُ سؤالاً حولَ إمكانيةِ الإصلاحِ من داخلِ النظام.

من جهةٍ أخرى، تُقدّمُ الروايةُ قراءةً ساخرةً للمعرفةِ ذاتِها. فالهدهد، الذي يمتلكُ المعرفةَ المباشرةَ بوجودِ العنقاء، يُوظَّفُ كأداةٍ في يدِ النسر، لكنّه في النهاية، ومن خلالِ رحلته، يُعيدُ تشكيلَ وعيهِ بنفسِه وبالعالم. الروايةُ لا تكتفي بفضحِ الاستبدادِ السياسي، بل تمتدّ إلى نقدِ آلياتِ بناءِ المعرفةِ وإنتاجِ الحقيقة، حيثُ تتحوّلُ المعلوماتُ إلى سلعةٍ يُتاجرُ بها، وتُصبحُ الرواياتُ أداةً لتشكيلِ الوعيِ الجمعيِّ أو تزييفِه.

أسلوبُ إدريس مكراز يتّسمُ بالتكثيفِ الشعريّ، حيثُ كلُّ مشهدٍ يحملُ أبعاداً رمزيةً متعددة، يخلطُ بينَ الخطابِ السياسيِّ المباشرِ والحكايةِ الصوفيةِ المأخوذةِ من «منطق الطير» لعطّار. هذا التداخلُ يمنحُ النصَّ طبقاتٍ متعددةً من المعنى، تجعلهُ قابلاً للقراءةِ على مستوياتٍ مختلفة: كروايةِ مغامراتٍ شيِّقة، أو كنقدٍ سياسيٍّ لاذع، أو كتأمّلٍ فلسفيٍّ في طبيعةِ السلطةِ والمعرفة. الروايةُ، في جوهرها، تعيدُ طرحَ السؤالِ الكلاسيكي عن العلاقةِ بينَ الحقيقةِ والسلطة، لكنّها تفعلُ ذلك في سياقٍ عربيٍّ معاصر، حيثُ تبدو مملكةُ النسرِ مرآةً ساخرةً لواقعِنا السياسيِّ الذي يتاجرُ بالشعاراتِ ويُعادي الاختلافَ، بينما يظلُّ الحلمُ بالعنقاءِ، مملكةِ العدلِ والجمال، سراباً بعيداً كبُعدِ الجنوب عن الشمال.