بنت الجيران

طعم الفول والطعمية على طوار طيني، ورائحة اللفت المخلل تنبعث من حمار يقطع الدروب، وجلسات الشتاء في فناء مفتوح للشمس. هذا الكتاب ليس مجرد مجموعة قصصية، بل دفتر ذكريات ينبض بحياة ريفية بسيطة، حيث تتشكل المفارقات من تفاصيل تبدو عابرة. هنا، لا تبحث عن أبطال خارقين، بل عن جارة وحيدة توصي بكفنها، وصبي يختبئ وراء شطة سودانية ليثبت رجولته، وبائع متجول يُجبر ابنه على السفر بحثاً عن رزق. بأسلوب شفاف يمزج الحكمة بالطرافة، يُعيدنا محمد عبدالنعيم إلى زمن كانت العلاقات الإنسانية فيه أكثر دفئاً، والأشياء البسيطة أكثر معنى. بنت الجيران دعوة للتوقف، للانتباه إلى ما هو إنساني في رتابة الحياة اليومية، ولمس الخيط الرفيع الذي يصل بين الطفولة والنضج، بين الحلم والواقع. بنت الجيران
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEiIya7M-lAsJ_xNGb2ow34x2FgNbG8znR8uCYKgN2sIKOcoXmV2LMX_UepQXEsj7N2EYheMvIZJleRcJoQXj6j40vcqeYQnNBbiTl6Sv3xG6S2VIPXi89S2WPy38aOJFhAkvd842N8cuw9FfGkjoIizf4gIrgMjy4qxO-HZ5LMVQRlCGGCesFSwwUbvRU4/s320/760.jpg

طعم الفول والطعمية على طوار طيني، ورائحة اللفت المخلل تنبعث من حمار يقطع الدروب، وجلسات الشتاء في فناء مفتوح للشمس. هذا الكتاب ليس مجرد مجموعة قصصية، بل دفتر ذكريات ينبض بحياة ريفية بسيطة، حيث تتشكل المفارقات من تفاصيل تبدو عابرة. هنا، لا تبحث عن أبطال خارقين، بل عن جارة وحيدة توصي بكفنها، وصبي يختبئ وراء شطة سودانية ليثبت رجولته، وبائع متجول يُجبر ابنه على السفر بحثاً عن رزق. بأسلوب شفاف يمزج الحكمة بالطرافة، يُعيدنا محمد عبدالنعيم إلى زمن كانت العلاقات الإنسانية فيه أكثر دفئاً، والأشياء البسيطة أكثر معنى. بنت الجيران دعوة للتوقف، للانتباه إلى ما هو إنساني في رتابة الحياة اليومية، ولمس الخيط الرفيع الذي يصل بين الطفولة والنضج، بين الحلم والواقع.

بنت الجيران مجموعة قصصية 760 120 يناير 2024 yes 201091985809 محمد عبد النعيم كاتب مصري https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEiFpSGCRF5FRD86cfUBPFw29N3xSw-KpkC623ccGWdASm4NKqfQyhIzAHMxioC338s-3lv1SnfsZwNDr3pGPecYyYeUBNfpW4MeQ25sXiAVDB1JAG2o_tb9qeTQGEJ4gVXsYSAKnBWjSo7OnOjG6W73Rrt1ukBUnz7VTUxUpyR-v0wqj56m8d1fCvvj3zA/s295/%D9%85%D8%AD%D9%85%D8%AF%20%D8%B9%D8%A8%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%B9%D9%8A%D9%85.jpg

يتألف العمل من أربع عشرة قصة قصيرة، تتشابك عوالمها في فضاء ريفي مصري مكثف، حيث يتحول المكان إلى شخصية رئيسية بقدر ما تتحول الشخصيات إلى أماكن. تنفتح المجموعة بقصة "المنبر"، التي تؤسس لفكرة مركزية تتكرر في معظم النصوص: المواجهة بين المثال الداخلي والواقع العملي. هنا، يتردد طالب متدين في صعود منبر الجامع، رغم إعداد صديقه "إمام السائح" له، ليكتشف أن هيبة المكان تعجز عن احتواء هيبة الذات. هذه الفجوة بين الاستعداد الداخلي والطلب الخارجي، بين ما يتوقعه الآخرون وما تقدر عليه النفس، تظل هاجساً يطل من زوايا مختلفة في كل قصة.

تتنوع الموضوعات، لكنها تصب في قناة واحدة: كشف التناقضات الإنسانية الخفية. قصة "الخدعة" ترصد امرأة تتظاهر بالشقاق مع زوجها لتتسلل إلى بيت أقاربها، وتنكشف رغبتها الخفية في التقرب إلى عمها الأعزب. وفي "سقطة"، يرسم الكاتب مشهداً لعلاقة عابرة تنتهي بالندم، حيث يتحول الجسد من أداة متعة إلى شاهد على الهزيمة. أما "إفطار صائم"، فترثي رجلاً بسيطاً اعتاد إفطار المسافرين على كوبري قريته، ليصبح فقدانه حدثاً يفوق فقدان أي من كبار القرية، مما يطرح سؤالاً عن القيمة الحقيقية للأفراد في الذاكرة الجماعية.

تزخر المجموعة بحكايات الطفولة بوصفها مرآة للمجتمع. قصة "بنت الجيران" تحفر في مشاعر الصبا، حيث تنمو عاطفة خجولة بين طفل وجارته، في ظل رقابة أخلاقية تمارسها الأسرة والمجتمع الصغير. وفي "طيف ذكرى"، يصطحب الكاتب القارئ في رحلة إلى بيوت "الدريسة" القريبة من سكة الحديد، حيث يكتشف الراوي أقارب لم يكن يعرفهم، وتتفتح أمامه عوالم جديدة من خلال امرأة تدعى "منيرة"، تمثل نموذجاً للأنوثة الدافئة التي تلامس وجدان الصبي. وفي "درس خصوصي"، تتحول الدعوة إلى منزل مجاور من مجرد تعليم إلى اختبار للأخلاق، حيث يواجه الراوي امرأة فاتنة، في مشهد يناقش حدود الغواية والضعف البشري.

لا تخلو المجموعة من شخصيات تعكس جوانب مظلمة في النفس البشرية، مثل صاحب الدكان في قصة "المرأة"، الذي يستخدم مرآة ليتلصص على جارته، وتتوالد في خياله صور حميمية، لتتحول المرآة من أداة رؤية إلى كاشف لهشاشة الرغبة وإخفاقها. وفي قصة "توبة"، يظهر رجل عجوز، يقرر في خريف عمره الاعتراف بخطاياه أمام السلطات، في مشهد يطرح سؤال التكفير والخلاص بعيداً عن المظاهر الدينية. هذه الشخصيات، رغم انحرافاتها، تُعرض بعين ناقدة غير قاسية، وكأن الكاتب يمنحها فرصة للخلاص الإنساني قبل أي خلاص آخر. في المقابل، تبرز قصة "جبن قريش" بأجوائها الأكثر خفة، حيث تتشكل مجموعة من الأطفال في فسحة مدرسية، ويرفضون انضمام زميل لهم بسبب طعامه البسيط، قبل أن يتراجعوا في مشهد يعيد تعريف مفهوم الكرم الجماعي.

يمكن القول إن الوحدة الموضوعية للمجموعة لا تكمن في حبكة موحدة، بل في نظرة الكاتب الثاقبة إلى التفاصيل الصغيرة التي تشكل وعي الجماعة. الطوار الطيني، زير الماء، اللفت المخلل، جبن القريش، كلها رموز تختزل نظاماً معيشياً بأكمله. والأهم من ذلك، أن الكاتب لا يقدم قراءته للماضي بحنين هش، بل يضيء تناقضاته الاجتماعية، مسلطاً الضوء على الفوارق الطبقية الخفية، وأحلام الهجرة، والوحدة التي تعتري كبار السن، والخطوط الحمراء التي ترسمها الأخلاق الريفية حول الجسد والرغبة. إنها رحلة إلى عالَم قروي لم يعد كما كان، لكنه يظل حاضراً في كل تفصيلة، في كل لقمة طعام، وفي كل نظرة خاطفة من وراء سور.