أخر الحلم

تتفتح قصائد "آخر الحلم" كإيماءةٍ في ليلٍ طويل، لا تفصح عن كل ما في جعبتها دفعة واحدة، بل تترك للقارئ فسحةً للتأمل، ليغوص في بحر العامية الذي يلامس شغاف القلب. هنا، لا يُطلب إدراكٌ سريع، بل استسلامٌ لإيقاعٍ شعريٍّ يجعل الروح تتراقص بين ألم الفقد وحنين اللقاء، وبين وضوح المفردة وبحرها الواسع. هذه القصائد، التي احتضنتها دار لوتس للنشر الحر، ليست مجرد كلماتٍ على ورق، بل هي نبضُ حياةٍ يعكس تجارب إنسانية عميقة، تلك التي تحدث للصديقة المقربة، وللأحزان التي تعترينا، وللذكريات التي لا تغيب عن الأمهات. إنها دعوةٌ مفتوحةٌ لمن يجد في اللهجة العامية جسراً يعبر به إلى عالمٍ من المشاعر الصادقة، عالمٌ نسج خيوطه الشاعر بريشةٍ فنان، ليقدم لنا ديواناً يحمل عنوانه ذاته، "آخر الحلم"، كأنه وعدٌ بأن أجمل ما في العمر قد يأتي بعد. أخر الحلم
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEioXX7-GLP2csRnWL3aTYBRNIv_-YXaI4YBrqk2AkZyzLRlzfikiFf8aFjGOw_tsunFL1AwSbbYixaOQtAtpL9Mc6DizraVdLkiXYHhdMmDYMfhBPceo1kdrVsnfAExJuMyjQYUDlDBMorckfZOrIhpg9J4I9K-72uXAYBjAokS9C_Y_8BjhBv2y97LmBE/s320/368.jpg

تتفتح قصائد "آخر الحلم" كإيماءةٍ في ليلٍ طويل، لا تفصح عن كل ما في جعبتها دفعة واحدة، بل تترك للقارئ فسحةً للتأمل، ليغوص في بحر العامية الذي يلامس شغاف القلب. هنا، لا يُطلب إدراكٌ سريع، بل استسلامٌ لإيقاعٍ شعريٍّ يجعل الروح تتراقص بين ألم الفقد وحنين اللقاء، وبين وضوح المفردة وبحرها الواسع. هذه القصائد، التي احتضنتها دار لوتس للنشر الحر، ليست مجرد كلماتٍ على ورق، بل هي نبضُ حياةٍ يعكس تجارب إنسانية عميقة، تلك التي تحدث للصديقة المقربة، وللأحزان التي تعترينا، وللذكريات التي لا تغيب عن الأمهات. إنها دعوةٌ مفتوحةٌ لمن يجد في اللهجة العامية جسراً يعبر به إلى عالمٍ من المشاعر الصادقة، عالمٌ نسج خيوطه الشاعر بريشةٍ فنان، ليقدم لنا ديواناً يحمل عنوانه ذاته، "آخر الحلم"، كأنه وعدٌ بأن أجمل ما في العمر قد يأتي بعد.

أخر الحلم شعر عامية 368 76 يناير 2020 yes 201091985809 هالة جاب الله كاتبة مصرية

شعر العامية هو تلك الممرات الضيقة التي نعبرها لنحمي أرواحنا من صقيع اللغة الجافة، وفي ديوان "أخر الحلم" للشاعرة هالة جاب الله، تتحول الكلمة إلى رغيف خبز يتقاسمه المحبون على قارعة الذكريات. تبدأ الحكاية من عتبة السقوط والنهوض، حيث تهدي المؤلفة نتاجها لكل من منحها إحساساً بالسلام، وكأن القصيدة هنا ليست مجرد وزن وقافية، بل هي "مشيمة" تغذي الروح بالصبر حين تضيق المسافات. يستحضر الديوان روح "بيرم التونسي" في بساطته الممتنعة، حيث لا تكلف في التعبير عن الوجع، بل انسياب طبيعي يشبه جريان النيل في ليلة صيفية هادئة. النصوص تنحاز للهامش الإنساني، فتبحث في تفاصيل "البت العايقة" و"المناديل الذائبة"، وتجعل من العامية المصرية فضاءً رحباً يتسع للمواويل التي سافرت في دم الشاعرة منذ وعيها الأول بالدنيا. القصيدة عند هالة جاب الله ليست ترفاً لغوياً، بل هي فعل مقاومة ضد "الوعود الكدابة" التي نركنها فوق رفوف العمر الضائع، بينما ننزل بكاءً على أول الحلم الذي نزف سكاتاً طويلاً.

تتجلى الأمومة في ثنايا الكتاب بوصفها الفردوس المفقود والبوصلة التي لا تخطئ الطريق، ففي قصيدة "بدون تأويل" نلمس حنيناً جارفاً يتجاوز حدود الغياب الفيزيائي. ترسم الشاعرة صورة الأم كإشعاع شمس يغسل تراب الأرض، وتستحضر تفاصيل صغيرة مثل لمسة الخد وقبلة الجبين، لتجعل من الفقد حالة من "الأمل الأخضر" الذي ينمو رغم مرارة الوداع. إنها تكتب لتتطهر من الصمت، وتستخدم "براويز الكلام" لتهديها للقلوب المتعبة، مؤكدة أن الحرف الذي يتوضأ بالصدق يسبق صاحبه دوماً إلى موانئ اللقاء. الموسيقى الداخلية في الأبيات تعتمد على إيقاع القلب لا على صرامة العروض، مما يجعل القارئ يشعر بأن القصيدة تهمس في أذنه سراً قديماً كان يخشى البوح به. العاطفة هنا مضبوطة بإحكام، فلا هي تفرط في البكاء ولا هي تدعي القوة الكاذبة، بل هي وقوف نبيل على أطلال الذات التي تحاول استعادة كبريائها بعد كل خيبة.

يتحول الحب في هذا الديوان إلى معركة من "الغناوي" التي تعلن الحرب في القلوب الرقيقة، وتتحول العين إلى "تأشيرة" عبور نحو عوالم لم تطأها قدم من قبل. الشاعرة تطوع المفردة اليومية لتجعل منها أيقونة جمالية، فتتحدث عن "القلب المرسوم على الحيطة" و"التناهيد" التي تسكن سطور الشعر، وكأنها تعيد صياغة العالم من منظور العشاق الذين يرفضون الانكسار. تظهر شجاعة القصيدة في مواجهة الخيانة والرحيل، حيث تدعو النفس إلى الاستقامة والمشي بجوار الحائط لا خوفاً بل حمايةً للذات من غدر الزمان. "أخر الحلم" هو مانيفستو شعري يقرر أننا، رغم كل شيء، ملوك بما نملكه من أماني، وأن الحياة مهما حاولوا إسكاتها، ستظل تنطق من خلال حرف يرفض التدجين. الأرقام في خلفية هذا العمل، المتمثلة في عدد الإصدارات وتاريخ النشر، تتلاشى أمام دفء التجربة الإنسانية التي تصر على أن "الصبح هيشقشق" مهما طال ليل السواد. الدرس الأخير الذي يتركه النص في روح القارئ هو أن الأحلام لا تنتهي حقاً، بل تتبدل صورها، تماماً كما تتبدل ملامحنا في مرايا الزمن، لكن يبقى الحنين هو الخيط الوحيد الذي يربطنا بحقيقتنا الأولى. انتهت القصائد ولم ينتهِ الأثر، فالحرف الصادق يشبه رائحة المطر على الأرض العطشى، يترك أثراً لا يمحوه الغبار، ويظل يذكرنا بأننا كنا هنا، يوماً ما، نحب ونحلم ونكتب بالعامية أوجاعنا الكبيرة.