الطفل المميت

حين استأجر مدحت وزوجته تلك الشقة الرخيبة في القاهرة، ظنا أنهما بدآ حياة جديدة هادئة بعيداً عن وجع الصعيد. لكن طفلهما ذا الست سنوات لم يكد يغمض عينيه حتى صرخ مرعوباً: هناك طفل قبيح الوجه نصف شعره يحترق، يدور حول سريري ببطء وقطرات الدم تسيل من يديه. في اليوم التالي، اكتشف مدحت أن هذه الشقة ليست عادية، بل مسرحاً لجريمة لم يحلها أحد، ومختبراً لساحر أقام فيه تعويذة رهيبة. لكن الجريمة الحقيقية ليست هنا، بل في مستشفى حيث يمارس طبيب نبيل في الظاهر تجارة عضات الفقراء، وفي زوجة طموحة لا تهمها إلا الفلوس، وفي خادمة بائسة تحول ألمها إلى طبق ساخن تقدمه على سفرة العشاء. "الطفل المميت" ليست قصة رعب تقليدية، بل بكائية اجتماعية تصلح فيها الوحوش أشخاصاً حقيقيين. الطفل المميت
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEgD6aizV47Eeapub40mGqc_BLUzh_4x_s-6InA9_HFtDQIQtbXn8HL62VNbranIFTUfqapMw0896GMA9kIREKT_rnkQbmcg85sWDIgKyA9ZBIkDi9aYypFxxlsBnnwOVLCiWFIzZcaJ-YUPVcIWlhxvlDzjcVwgiaYGL7BpZMg7DjufE9JB2RaQmPpPR0c/s320/490.jpg

حين استأجر مدحت وزوجته تلك الشقة الرخيبة في القاهرة، ظنا أنهما بدآ حياة جديدة هادئة بعيداً عن وجع الصعيد. لكن طفلهما ذا الست سنوات لم يكد يغمض عينيه حتى صرخ مرعوباً: هناك طفل قبيح الوجه نصف شعره يحترق، يدور حول سريري ببطء وقطرات الدم تسيل من يديه. في اليوم التالي، اكتشف مدحت أن هذه الشقة ليست عادية، بل مسرحاً لجريمة لم يحلها أحد، ومختبراً لساحر أقام فيه تعويذة رهيبة. لكن الجريمة الحقيقية ليست هنا، بل في مستشفى حيث يمارس طبيب نبيل في الظاهر تجارة عضات الفقراء، وفي زوجة طموحة لا تهمها إلا الفلوس، وفي خادمة بائسة تحول ألمها إلى طبق ساخن تقدمه على سفرة العشاء. "الطفل المميت" ليست قصة رعب تقليدية، بل بكائية اجتماعية تصلح فيها الوحوش أشخاصاً حقيقيين.

الطفل المميت رواية 490 88 أكتوبر 2020 yes 201091985809 مايكل معزوز كاتب مصري https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEjpCVFqsh6gpjRU0KSS9mk8an2cCCwivky-sSv_6RTcoaTOXdIcQoy-alKCQkpSP_302ksRnD0FbTbYJGNc-x1_RjUu01QGDVabOi6FTFb8XcaLHTTVbuq4wjzpzJ_yeZk3xefkaFh65NT4X7C3HTIXLKevFQ0HM8vrMgXyzOsqiWaJYqAKlH5gGbsOZC0/s295/%D9%85%D8%A7%D9%8A%D9%83%D9%84-%D9%85%D8%B9%D8%B2%D9%88%D8%B2.jpg

تبدأ رواية "الطفل المميت" لمايكل معزوز بمشهد عادي تماماً: عائلة صعيدية تنتقل إلى القاهرة هرباً من وجع فقدان الأجداد، وتبحث عن شقة تؤجرها فتصادف سمسرة رخيصة في موقع جميل.

لكن أول ليلة تقلب الموازين، فالطفل يصرخ فزعاً ويروي لوالديه عن شبح طفل صغير نصف شعره محترق ووجهه قبيح جداً، يدور حول سريره وتقطر الدماء من يديه.

من هنا ينفتح السؤال المرعب: ماذا يحدث في هذه الشقة التي تبدو عادية جداً في وضح النهار؟

على هذا الأساس، تبدأ اللعبة السردية المزدوجة: من جهة، نعيش رعب العائلة الجديدة التي تسمع أصواتاً غريبة وتشاهد أشياء تختفي وتظهر فجأة، ومن جهة أخرى، نتابع تحقيقات واعترافات الخادمة بثينة التي تكشف الجريمة الحقيقية.

إذن، الشقة لم تكن خالية، بل كانت مسرحاً لجريمة بشعة: الخادمة بثينة قتلت الطفل كريم نجل الدكتور ضرغام، ثم طبخت لحمه وقدمته للدكتور وزوجته في طبق الغذاء.

بيد أن الجريمة ليست عشوائية، بل تأتي تتويجاً لمسيرة طويلة من الظلم الطبقي والاستغلال البشع الذي مارسه الأغنياء على الفقراء.

وعبر اعترافات بثينة في قسم الشرطة، نستمع إلى سيرة ذاتية مأساوية: كانت متزوجة من جمال عامل بسيط يعمل باليومية، ثم يموت فجأة في المستشفى بعد عملية جراحية.

ومع مرور الوقت، تكتشف بثينة أن زوجها لم يمت بسبب مرضه، بل لأن الدكتور ضرغام قام بسرقة أعضائه وبيعها في سوق الأعضاء السوداء، بتواطؤ مع زوجته.

ومن ثم تتحول بثينة التي كانت خادمة مطيعة في بيت القاتل، إلى ثأرية باردة تخطط لانتقام لا مثيل له: لن تقتل الدكتور وزوجته فقط، بل ستجعل ابنهما الوحيد يتحول إلى شبح يطاردهما في شقتهما حتى الموت.

فضلاً عن ذلك، تلجأ بثينة إلى مشعوذ يدعى الساحر، ويقوم بتعويذة سحرية شرطها الأساسي أن توضع جمجمة الطفل كريم في أعلى مكان بالمطبخ، ثم تتجمع أعضاء الجثة المتفرقة كل يوم عند غروب الشمس، إلى أن يكتمل جسد الشبح ويخرج حاملاً سكيناً ليذبح كل من في الشقة.

في المقابل، تتشابك القصة مع عائلة مدحت التي استأجرت الشقة دون أن تعلم شيئاً، ويبدأ طفلها في رؤية الشبح ولعب معه، مع أن أمه لا ترى شيئاً إلا أصواتاً وصراخاً من المطبخ.

وعلى هذا النحو، تتداخل قصتان: قصة انتقام اجتماعي جارف، وقصة رعب منزلي كلاسيكي، يجمعهما شرط واحد: الشقة الملعونة لا تموت جريمة فيها، بل تعيد إنتاج الرعب جيلاً بعد جيل.

غير أن الرواية لا تكتفي بالرعب المجاني، بل تغوص في تفاصيل اجتماعية قاسية: فتى اسمه سامي هو ابن بثينة الأكبر، كان يتمنى أن يصبح إنساناً شريفاً، لكنه يصطدم بصاحب مخبز يبيع الدقيق في السوق السوداء، فيطرده لأنه رفض أن يغش في الوزن.

هكذا يتم تدمير مثاليات سامي، وتتحول نظرته للحياة إلى قناعة راسخة: هذا زمان الغش والخداع والحرام، والطيب ما لوش مكان.

بل إن الجملة التي ترددها بثينة في التحقيق: "من كتر أكل الحرام معرفوش يفرقوا بين لحم البقر ولحم البشر"، تصبح مفتاحاً لفهم فساد عالم بأكمله.

أما الدكتور ضرغام وزوجته سيدة الأعمال، فيرمزان إلى النخبة المستغلة التي تعيش على دماء الفقراء، وتحول المستشفى إلى وكر لسرقة الأعضاء وبيعها لأثرياء أجانب.

وحين ينكشف كل شيء في النهاية، نعرف أن عدد ضحايا تجارة الأعضاء تجاوز أربعمائة شخص من الفقراء الذين لا حول لهم ولا قوة.

على هذا النحو، ينجح معزوز في تحويل قصة رعب تقليدية إلى نقد اجتماعي حاد، حيث يتحول الطفل الميت من مجرد شبح مخيف، إلى رمز لكل طفل فقير تم استغلال جسده حتى بعد موته.

وهكذا، تضيع حدود الخيال والواقع، فلا تعرف هل تخاف من الشبح الذي يطل من دواليب المطبخ، أم من البشر الأحياء الذين يتجولون بيننا بوجوه حسنة وقلوب تأكل اللحم البشري بالشوكة والسكينة.