اليوم الأجمل لم يأت بعد

تنتظر الأرواحُ موعدَ لقاءٍ لا يأتي، تعلقُ الأحلامَ على رفوفِ المستقبلِ البعيد، في رحلةٍ تمتدُ من غفلةِ الطفولةِ إلى وهنِ المشيب. كم من صبايا يختلنَ ببريقِ الوعودِ الزائفة، ينسجنَ من خيوطِ الأملِ أكاليلَ تزينُ دروبَ الزواجِ الوهمي، ليكتشفنَ لاحقاً أنَّ ما كنَّ يحلمنَ بهِ كانَ مجردَ سرابٍ، أو كذبةٍ جميلةٍ نسجنها لأجلِ أنفسنا. أما المتزوجاتُ، فربما وجدنَ في صفحاتِ الروايةِ صدىً لتجاربَ عشنها، لحكاياتٍ باتتْ جزءاً من ماضٍ يحملُ طعماً مراً، أو ربما اكتشفنَ أنَّ تلكَ "الكذبةُ الجميلةُ" كانتْ نهايةً لحلمٍ جميلٍ لم يكتمل. الحياةُ ليستْ بروفةً، ولا تجربةً قابلةً للإعادة، إنها الفرصةُ الوحيدةُ التي تُمنحُ لنا، فلماذا نؤجلُ جمالَها؟ لماذا لا نجعلُ من كلِّ يومٍ نعيشُه، يوماً جميلاً بحدِّ ذاته؟ اليوم الأجمل لم يأت بعد
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEjCgv_rQhD2Nfpb9whFFZgk87bsa8BRg3mw49tTAbpZXfqFJwjoovJXyLwBbtadM0Mt5OEbfj4tGNWQS-3xXzulOs4OxOm8ypmrtI5ftaUIMPFroCys5CpBh6WwDdfxfc27lVLmq4w2n11BceaR_L73Z1E5bilchwLWSlL0IQPQS2JFoNPL31ddZOUeISo/s320/313.jpg

تنتظر الأرواحُ موعدَ لقاءٍ لا يأتي، تعلقُ الأحلامَ على رفوفِ المستقبلِ البعيد، في رحلةٍ تمتدُ من غفلةِ الطفولةِ إلى وهنِ المشيب. كم من صبايا يختلنَ ببريقِ الوعودِ الزائفة، ينسجنَ من خيوطِ الأملِ أكاليلَ تزينُ دروبَ الزواجِ الوهمي، ليكتشفنَ لاحقاً أنَّ ما كنَّ يحلمنَ بهِ كانَ مجردَ سرابٍ، أو كذبةٍ جميلةٍ نسجنها لأجلِ أنفسنا. أما المتزوجاتُ، فربما وجدنَ في صفحاتِ الروايةِ صدىً لتجاربَ عشنها، لحكاياتٍ باتتْ جزءاً من ماضٍ يحملُ طعماً مراً، أو ربما اكتشفنَ أنَّ تلكَ "الكذبةُ الجميلةُ" كانتْ نهايةً لحلمٍ جميلٍ لم يكتمل. الحياةُ ليستْ بروفةً، ولا تجربةً قابلةً للإعادة، إنها الفرصةُ الوحيدةُ التي تُمنحُ لنا، فلماذا نؤجلُ جمالَها؟ لماذا لا نجعلُ من كلِّ يومٍ نعيشُه، يوماً جميلاً بحدِّ ذاته؟

اليوم الأجمل لم يأت بعد رواية 313 260 نوفمبر 2019 yes 201091985809 جولدي أحمد المابو كاتبة مالية https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEiumOzyhmYvch4fDye96cMSYSgmvgn7YG7MUk3peIXC81Pi7QxCx4x8NKDgwgzypC0Gcd-7plih2dq16oLZLK9OMFPrcc4VzVQVpevEA2pq3Mu-Fqn_RQ3Pl2rXveTcij_3OE9-0lLgh_FbUwGZx4yAArKcyLlfcHIoxS0BbWP_76ZqOSx_kIoDaovOl7Q/s295/%D8%AC%D9%88%D9%84%D8%AF%D9%8A-%D8%A3%D8%AD%D9%85%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A7%D8%A8%D9%88.jpg

يخطو النص الروائي "اليوم الأجمل لم يأت بعد" للكاتبة جولدي المابو فوق أرض ملغومة بالوعود الزائفة والتوقعات المنكسرة، حيث تنسج الحكاية خيوطها حول ثلاث نساء يقفن عند حافة المصيدة التي يسميها المجتمع استقراراً، بينما يسميها الواقع مواجهة مع الذات. تبدأ الرواية بمشهد العرس، تلك اللحظة التي يراها العالم ذروة المسرات، لكن سارة، العروس التي تتأمل دقات قلبها المضطربة، تدرك في قرارة نفسها أن السعادة لم تكن يوماً في هذا الضجيج المنظم. تخاطب الكاتبة قارئاتها بلهجة تخلو من التزويق، واصفة الزواج بأنه حلم جميل قد يتحول إلى كذبة كبرى إذا لم يجد المرء فيه انعكاساً لروحه، مستحضرةً في ثنايا السرد صرخة الشاعر "أعلل النفس بالآمال أرقبها"، وكأن بطلاتها يركضن خلف سراب يوم أجمل يرفض المجيء، بينما يتسرب العمر من بين أصابعهن في لزوجة الانتظار الطويل.

تتحرك الخيوط الدرامية لتعكس تباين المصائر بين سارة وجوانا وحنين، فلكل واحدة منهن معركتها الخاصة مع مفهوم "الحلم". نجد حنين تصطدم بصلابة الواقع الأبوي الفج، حيث يُختزل طموحها الفكري في رقم بيولوجي هو التاسعة والعشرون، كأنما تحول العمر إلى قيد يمنعها من التحليق خارج أسوار الزواج التقليدي. في مشهد قاصم، يرتطم كف الأب بوجه ابنته لأنها ترفض رجلاً لا يشبه أحلامها، ليكون هذا الألم الجسدي استعارة صارخة لرفض المجتمع للوعي الأنثوي الذي يرفض التبعية. هنا تبرز مهارة المابو في تصوير الصراع الجيلي، حيث يُقاس النجاح في عين الأب بعدد الولادات والزيجات المتكررة، بينما تراه الابنة في صدق التجربة وعمق التوافق الفكري. يرفض النص تلك النظرة الجافة التي تجعل من المرأة مجرد ثمرة ناضجة يجب قطفها قبل أن تذبل، ويطرح سؤالاً فلسفياً حول ماهية العيش: هل الحياة بروفة لشيء آخر، أم أنها فرصة وحيدة لا تقبل الإعادة؟

على الجانب الآخر، تطل جوانا بصورة مغايرة تماماً، حيث تنغمس في طقوس الرومانسية المفرطة، محاولةً تحويل منزلها إلى لوحة من الشموع والعطور، وكأنها تستجدي الحب من زوجها ماهر الذي يغرق في سحرها الجمالي لكنه يرتجف خوفاً من المسؤولية. تظهر المفارقة الصادمة عندما يقابل خبر حملها بوجل وذعر، لا ببهجة الأبوة المنتظرة؛ فبالنسبة له، الطفل هو المنافس الذي سيسلبه اهتمام زوجته، وهو الخطر الذي يهدد فردانيته واستمتاعه باللحظة. تعري الرواية في هذا السياق هشاشة العلاقات التي تقوم على الإغواء البصري وحده، وتكشف كيف يمكن أن يكون البيت، رغم عطر الشموع، مكاناً للوحدة القاتلة إذا لم يكن هناك فهم مشترك لمعنى الشراكة الإنسانية. إنها رحلة في دهاليز النفس البشرية، حيث يتجلى الخوف من المستقبل كعائق يحول دون عيش "اليوم الأجمل" الذي يظل معلقاً في سماء الأماني.

تستحضر الرواية في بنائها النفسي مقولات تشبه تأملات الروائي ميلان كونديرا حول "كائن لا تحتمل خفته"، فالبطلات يواجهن ثقل التوقعات الاجتماعية مقابل خفة الأحلام الشخصية. تشدد جولدي المابو على أن مشوار الألف ميل الذي يبدأ بخطوة قد يكون أحياناً خطوة في الاتجاه الخاطئ إذا لم يكن نابعاً من إرادة حرة. يتدفق السرد بلغة تمزج بين البساطة والعمق، محذراً من الركون إلى الأمان الزائف، وداعياً إلى جعل كل يوم هو "اليوم الأجمل" بدلاً من إرجاء الحياة إلى موعد مجهول قد لا يأتي أبداً. تنتهي الخيوط دون وعظ مباشر، بل تترك للقارئ عبء التفكير في تلك اللطمة التي تركت أثراً على وجه حنين، وفي تلك الشموع التي ذابت في مخدع جوانا، ليبقى السؤال الحقيقي ليس متى يأتي اليوم الأجمل، بل كيف نسترد أنفسنا من وطأة الانتظار المر، وكيف نحول حياتنا القصيرة إلى قصيدة تُعاش بتفاصيلها اليومية الصغيرة بعيداً عن وهم الكمال المرجأ.