العشق المنتظر

هنا، في زوايا الروح المعتادة، يكمن "راغب غريب"، إنسانٌ عاديٌّ في مسيرةٍ يوميّةٍ تبدأ من سريرٍ عاديٍّ وتنتهي بتساؤلاتٍ لا تجد لها نهاية. نصف قرنٍ من الزمن مرّ كطيفٍ لا يترك في الذاكرة أثراً، ولم يبقَ منه سوى صورةٍ باهتةٍ لحياةٍ تسير على وتيرةٍ واحدة. هل كان ثمة معنىً لهذا الوجود؟ وهل أدّى "راغب" الرسالة التي خُلق لأجلها؟ إنها أسئلةٌ تتكاثر كأسرابٍ تتبدد لتتحول إلى سراب، تاركةً فراغاً في القلب لا تملؤه إلاّ مشاعرٌ غامضة، كمن يبحث عن شيءٍ ما دون أن يدرك ماهيته. هنا، في هذا البحث المضني، تتجسّد الحكمة التي تكمن في جوهر العشق، وهي ليست بمعزلٍ عن روحٍ تبحث عن مرساها في بحر الحياة المتلاطم. العشق المنتظر
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEhk9gzyCt8z1o5kS9Er2G6R5ku1YTQDChL1-FRBo6Ec-gYSogA5_KobKG7k6rbvSslQo2qkncKb6rR99IRa9Ds-2M_U45xVlorBGFM7yHelDXVKM5bw2Nuh_vKhBBkJBtCPML4lgn2KEuCPewqXubQSkCtKpceVWIeGpS-4_EsrCtbn-Rk7QRkhLYVHmyw/s320/224.jpg

هنا، في زوايا الروح المعتادة، يكمن "راغب غريب"، إنسانٌ عاديٌّ في مسيرةٍ يوميّةٍ تبدأ من سريرٍ عاديٍّ وتنتهي بتساؤلاتٍ لا تجد لها نهاية. نصف قرنٍ من الزمن مرّ كطيفٍ لا يترك في الذاكرة أثراً، ولم يبقَ منه سوى صورةٍ باهتةٍ لحياةٍ تسير على وتيرةٍ واحدة. هل كان ثمة معنىً لهذا الوجود؟ وهل أدّى "راغب" الرسالة التي خُلق لأجلها؟ إنها أسئلةٌ تتكاثر كأسرابٍ تتبدد لتتحول إلى سراب، تاركةً فراغاً في القلب لا تملؤه إلاّ مشاعرٌ غامضة، كمن يبحث عن شيءٍ ما دون أن يدرك ماهيته. هنا، في هذا البحث المضني، تتجسّد الحكمة التي تكمن في جوهر العشق، وهي ليست بمعزلٍ عن روحٍ تبحث عن مرساها في بحر الحياة المتلاطم.

العشق المنتظر رواية 224 180 أبريل 2019 yes 201091985809 د. علاء الدين التهامي كاتب مصري https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEi-bLegzsIWif5Dy-Me09xHD9oqBNOzQPK80WRIox9YXBqhKk3RkxoRJASPGygYL-6DPLW1Wgw7AEwJsGSI0lR24_eiY72SksvKJ0m4YeaFFq1fYL9oKa7lpHQbV1WtvAH07T8loPjIUm0ecv0DS-NKHspXDjgpnIlgWtFGbt4Dz7ePPdJFQIldvB0qxQM/s800/%D8%AF.-%D8%B9%D9%84%D8%A7%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%87%D8%A7%D9%85%D9%8A.jpg

راغب غريب ليس مجرد اسم لشخصية ورقية، بل هو المرآة التي يضعها علاء الدين التهامي أمام وجوهنا لنبصر فيها ملامح العاديّ الذي يسكننا جميعاً. تبدأ الحكاية بتمرد صامت على "النمط"، حيث يحيا البطل حياة الرتابة التي تبدأ بمدارس عادية وتنتهي بموتة متوقعة، لكن شيئاً ما في صدره يأبى أن يكون مجرد رقم في سجلات العابرين. هذا العمل، الذي يراوغ التصنيف بين الرواية والحوار الفلسفي، يشبه في انبعاثه رحلة البحث عن المعنى وسط ضجيج التكرار، حيث يتحول "راغب" من مجرد موظف يعيش على هامش الوقت إلى مسافر يقتفي أثر العشق في ملكوت الروح، باحثاً عن تلك الإشارة التي تجعل للعمر قيمة بعد أن أدرك أن العيش دون حب هو نوع من الموت المؤجل.

تتجلى فلسفة الكتاب في تلك الحوارات العميقة التي يخوضها البطل مع رموز الحكمة، مقتفياً أثر الوجد من الأرض التي نشأ فيها وصولاً إلى آفاق أرحب. يظهر "السكندري" في مسيرة راغب ليذكره بأن الحب الأخوي ليس مجرد ادعاء لغوي، بل هو مؤشر الإنسانية الحقيقي الذي يندر وجوده كلما انغمست البشرية في المادة. يطرح النص تساؤلات وجودية حول الهوية والغاية، مستدعياً مرارة الفقد وحلاوة الاشتياق، ليبدو الترحال هنا ليس انتقالاً في الجغرافيا، بل هو غوص في طبقات النفس البشرية التي أثقلتها "العادية" حتى كادت أن تطمس نورها الفطري. يدرك راغب في حواراته أن العالم ليس مجرد مسرح للوظائف والواجبات، بل هو محراب كبير يتطلب قلباً يقظاً يفرق بين "الناس" الذين يحملون جوهر الإنسان، وأولئك الذين اكتفوا بصورة البشر دون حقيقتهم.

ينتقل البطل في رحلته الروحية نحو الشرق، حيث يلتقي بظلال الحكمة الفارسية التي تقوده بدورها إلى أرض الروم، وهناك يبرز "جلال الدين الرومي" كمنارة أخيرة في طريق الوجد. يستحضر المؤلف هنا مشهد الناي الشهير، ذلك القصب الذي قُطع من منبته ليظل يئن حنيناً إلى أصله، وهي الاستعارة المركزية التي تلخص حال الإنسان في هذا الوجود. يضعنا الرومي أمام الحقيقة العارية؛ أن الأنين الذي يسكن ألحان الناي ليس هواءً، بل هو نار العشق التي تلتهم الحجب، ولا يستطيع سماع هذا الأنين إلا أذن وعي لم تلوثها ضوضاء المصلحة. يجد راغب نفسه منجذباً إلى صوت الناي، لا مشياً على الأقدام، بل بجذب الروح التي وجدت أخيراً ما يفسر غربتها، ليبدأ في فهم أن العشق المنتظر ليس شخصاً نلتقيه، بل هو حالة من الوصل الصوفي نعيد بها تشكيل ذواتنا الممزقة.

تنساب اللغة في هذا العمل انسياب النهر في وادٍ ضيق، محملة بعبق الصوفية وأوجاع الحداثة في آن واحد. لا يقدم التهامي حلولاً جاهزة، بل يفتح أبواباً للحيرة المقدسة التي تسبق المعرفة، مؤكداً أن الحكمة محرمة على الذين لا يعقلون بقلوبهم. إنها دعوة للتحرر من أسر "النمط" والبحث عن "الترياق" في حكايات الطريق التي خضبتها دماء العشاق والسالكين. وفي نهاية المطاف، يكتشف القارئ مع راغب غريب أن الخروج من الدنيا ليس كالخروج من الحمام، كما تقول الحكمة الشعبية التي استدعاها البطل، بل هو عبور يستوجب أن نترك خلفنا أثراً من نور، وصيحة من وجد، تليق بكائن خُلق ليحب لا ليعيش حياة عادية فحسب. إن العشق هنا هو الغاية والوسيلة، هو النار التي تطهر الروح من أدران "العادية" وتعيدها إلى نقائها الأول، حيث لا فرق بين الجسم والروح في حضرة الجمال المطلق.