حكايات بشر مثلنا

بين أروقة المطارات وصالات الانتظار، بين بيوت متواضعة وقصور فارهة، حيث تختلط أحلام المغتربين بصراعات الفقراء، وحيث تتصادم النوايا الحسنة مع شهوات النفس. هذه حكايات بشر مثلنا، ناس نعرفهم كل يوم في الشارع، في العمل، في البيت، في المرآة. قصص تبدأ بضحكة وتنتهي بعبرة، تارة تجعلك تراقص أشباح الزعفرانة بين الحقول، وتارة تدفعك لمواجهة نفسك في مرآة صادقة لا تجامل. هنا لن تجد أبطالاً خارقين، بل بشراً يراوغون الحياة كأي منا، يسقطون ويقومون، يطمعون فيحصدون الندم، يخططون فيفاجأون بالقدر. حكايات تخلع عنها رداء المثالية لتكشف عن جوهر الإنسانية بعيوبها ونقائصها وأحلامها الصغيرة التي تملأ الدنيا. هل أنت مستعد لترى صورتك بين هذه الصفحات؟ حكايات بشر مثلنا
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEhmdIEJSdz_b084SXT8xn7lyIZofPTkRL8aBLQfrhJf0MKmmAGwwxWuABN95OShURwK9asvEga864YvyLiXvXp19elA8bbXwb7oibCnDukvkOXWHLoxd-RYAjOCmglEScXVPOO21G4LC9sdMso0abLSjFtaDYD1IibfaYJazlrIUtFgctwC-PLNZbToCNA/s320/627.jpg

بين أروقة المطارات وصالات الانتظار، بين بيوت متواضعة وقصور فارهة، حيث تختلط أحلام المغتربين بصراعات الفقراء، وحيث تتصادم النوايا الحسنة مع شهوات النفس. هذه حكايات بشر مثلنا، ناس نعرفهم كل يوم في الشارع، في العمل، في البيت، في المرآة. قصص تبدأ بضحكة وتنتهي بعبرة، تارة تجعلك تراقص أشباح الزعفرانة بين الحقول، وتارة تدفعك لمواجهة نفسك في مرآة صادقة لا تجامل. هنا لن تجد أبطالاً خارقين، بل بشراً يراوغون الحياة كأي منا، يسقطون ويقومون، يطمعون فيحصدون الندم، يخططون فيفاجأون بالقدر. حكايات تخلع عنها رداء المثالية لتكشف عن جوهر الإنسانية بعيوبها ونقائصها وأحلامها الصغيرة التي تملأ الدنيا. هل أنت مستعد لترى صورتك بين هذه الصفحات؟

حكايات بشر مثلنا مجموعة قصصية 627 190 ديسمبر 2021 yes 201091985809 د. أشرف شاكر كاتب مصري https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEgPh6DFQc8SFI08ZQanOVVmnVG8arFogx2rdfEZ5YS_1R30a-B97CAnW3Ra4EIeWxUT-ayVoFdX-qHfG5BlGQW27w39UrQDOKWnEIaClDw2G-CmikjHi84mnJeGND3amN9O2ca6xogj-mVdd_J1gZHQrnZt9eRXdc3usuNnM7j5B728HGfBds-_wMsHiHM/s295/%D8%AF.-%D8%A3%D8%B4%D8%B1%D9%81-%D8%B4%D8%A7%D9%83%D8%B1.jpg

مجموعة "حكايات بشر مثلنا" للدكتور أشرف شاكر تنسج عالماً قصصياً تتداخل فيه الخيوط بين الواقعي والمدهش، بين اليومي والفنتازي، لتخلق نسيجاً حكائياً يعكس تعقيد الطبيعة البشرية دون أن يغرق في المثالية أو الوعظ. إذ تبدأ الحكايات من إهداء الكاتب الذي يؤكد أن هذه القصص ليست لإدانة السلوك البشري، بل لتسليط الضوء على احتياجات البشر المختلفة وطرقهم المتنوعة في محاولة تحقيقها.

من هنا، تتخذ كل حكاية محوراً مستقلاً يدور حول شخصيات تبدو عادية للغاية، لكنها تحمل في طياتها صراعات وجودية واجتماعية ونفسية عميقة، وتطرح أسئلة عن الحب، والمال، والطموح، والكرامة، والندم، وثمن القرارات التي نتخذها.

أولى الحكايات، "ما أجملها وهي سعيدة"، ترصد رحلة رجل نجح في الحياة بعدما خذله حبه الأول، فيقرر بعد سنوات أن يزور حبيبته التي هاجرت، ليكتشف أن الحلم الذي ظل عصياً عليه طيلة عمره قد بهت واختفى، وأن صورة الحبيبة التي احتفظ بها في غرفته السرية لم تكن سوى وهم، لتتحول الزيارة إلى إفراج عن ماضٍ لم يعد له من وزن. بيد أن المفاجأة تأتي عندما تكتشف زوجته ورقة العناوين التي سقطت منه سهواً، فتحل أزمة المنزل التي تنتهي بالضحك والتفاهم، وكأن الحكاية تقول إن الحب الحقيقي لا يقاس بلحظات العشق الأولى، بل بسنوات العشرة التي تتجلى في طبق ملوخية وشعر مرتجَل.

وتأتي حكاية "الميراث.. شجرة" لتغوص في أعماق العلاقة بين الأب والابن، حيث يعود كمال من أمريكا لتصفية ميراث والده، فيكتشف تدريجياً أن الميراث الحقيقي ليس أموالاً وعقارات، بل شجرة حية تمتد جذورها في الأرض، وتمنح ظلها وعطاءها باستمرار. وهنا، تتجلى المفارقة حين يكتشف كمال أن البحث عن الميراث قاده إلى الحب، وإلى اكتشاف قيم العمل والكفاح والأمانة التي غرسها فيه أبواه، وإلى إدراك أن الثروة التي خلفها والده ليست مجرد ممتلكات، بل مشاريع إنتاجية تدعم المجتمع وتوفر فرصاً للتعليم والعمل. وعلى هذا الأساس، تتحول رحلة البحث عن الميراث إلى رحلة اكتشاف الذات وإعادة تعريف النجاح، ليجد كمال نفسه أمام خيار بين العودة إلى حلم أمريكا الزائف، أو البقاء ليكمل مسيرة والده مع وفاء المهندسة التي أصبحت شريكة حياته.

وفي "بيومي الفاجومي"، تنتقل المجموعة إلى ساحة التعليم، حيث يعيش الأستاذ بيومي صراعاً أخلاقياً مع مدير مدرسته الفاسد عفيفي، في قصة تتخللها الأمثال الشعبية والشعر العامي اللاذع. وهنا، يتجلى دور بيومي كصوت الضمير في قرية منسية، يقاوم الفساد الذي يتجلى في سرقة أجهزة المدرسة لاستخدامها في دروس خصوصية مدفوعة الأجر، وتسريب الامتحانات، وكل ذلك تحت غطاء الجائحة. بيد أن النهاية هنا لا تأتي بفضيحة مدوية بقدر ما تأتي بتجلي العدالة الإلهية، حين تنكشف الحقائق بفضل فريق تحقيق من الوزارة، ويتولى بيومي إدارة المدرسة في النهاية. غير أن القصة لا تكتفي بتقديم نموذج المكافح المناضل، بل تطرح أسئلة أعمق عن جدوى العمل الفردي في مواجهة فساد مؤسسي، وعن قدرة المخلصين على إحداث تغيير حقيقي في مجتمعاتهم، وعن ثمن الصبر والمثابرة في عالم يكافح المخلصين.

أما حكاية "دوزر ومصدر طاقته الخارقة" فتنقلنا إلى عالم التكنولوجيا والابتكار، حيث يبتكر الطالب حسام بطارية خارقة، ويعمل مع فريقه على تطوير روبوت قوي، لتدور الأحداث حول الصراع بين الأمانة والخيانة، وبين الطموح الفردي والعمل الجماعي، حيث يحاول مأمون، زميل حسام، سرقة البطارية وتسجيل براءة الاختراع باسمه، غير أنه يلقى حتفه نتيجة انفجارها. وهنا، تقدم القصة أكثر من مجرد حكاية علمية، إذ تتناول موضوع المسؤولية الأخلاقية للعلماء، وأهمية التوثيق، وسرية الأبحاث، كما تطرح تأملات حول العدالة الكونية التي لا تحتاج إلى قاضٍ بشري لتتحقق، فتأتي نهاية مأمون كنموذج للعاقبة التي تنتظر من يخون الأمانة العلمية.

وفي "حرب حنفي البيولوجية العالمية"، نرى الجانب الكوميدي من المجموعة، حيث يعيش حنفي صراعاً مع جارته سنية، فيقرر الانتقام منها باستخدام حشرات من معمل الزراعة، بدءاً بخنفساء وحيد القرن، وانتهاءً بالنمل الأبيض، لتتوسع رقعة الحرب لتشمل عائلة البكاتوشي الجشعة التي تستغل الفقراء. غير أن الكوميديا سرعان ما تتحول إلى مأساة، حين تنتشر آفة النمل الأبيض لتطال منازل الفقراء الأبرياء، بما فيهم بيت خطيبته نعناعة، وتفقد حنفي وظيفته. ومن هنا، تتحول القصة إلى تأمل في عواقب الانتقام الأعمى، وفي حقيقة أن الشر لا يُقاوم بالشر، بل بالخير، وفي أهمية تحمل المسؤولية عن أفعالنا مهما كانت دوافعنا نبيلة، لتنتهي الحكاية بزواج حنفي ونعناعة، وإعلان حرب جديدة قائمة على الكد والعمل لا على الانتقام.