لقاء غريب

تتكسرُ موجةٌ غريبةٌ على شواطئَ الأقدار، فتُلقي بـ "نور" في دروبِ "مروان" الذي لم يكنْ يعلمُ أنهُ ظلُّ طفولتهِ الضائع. في زحامِ القاهرة، حيثُ تتشابكُ الوجوهُ كخيوطِ قدرٍ مجهول، تلتقي عينانِ عرفتا بعضهما يومًا، لكنْ عبرَ ذاكرةٍ أكلتها الأيام. هو، نور، العائدُ من سفرِ السنين، يبحثُ عنْ صدى ماضٍ ظنَّ أنهُ قدْ اندثر. هي، نور، الفتاةُ التي تعشقُ دقائقَ الحياةِ الثمينة، ترفضُ زيفَ عالمٍ يتوارى خلفَ شاشاتٍ براقة. التقيا، لا على وعدٍ، بلْ كصدفةٍ ألقى بها القدرُ في طبقٍ من ذهبٍ ملطخٍ بحبرِ المفاجآت. ماذا تخبئُ الأقدارُ لهذينِ القلبينِ اللذينِ التقيا مرةً في ساحةِ الطفولة، ومرةً أخرى في متاهةِ الحبِّ الأول؟ هلْ تكونُ هذهِ اللحظةُ بدايةً لقصةٍ تكتبُ فصولها بدموعِ الفرحِ والغربة، أمْ نهايةً لحلمٍ لمْ يكتملْ بعد؟ لقاء غريب
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEgCom7tK8mbPD8LNYuaMi7yZzwQg49CC6baYbKUfJmb6by4hJ-Gg3fHYId8A4mmINLIMbExvI5owCAWWwklDE4Z9Aq3gRECt8j7twDrJyLmgBNszoSmaw4F5ip5-qd8DmyhTRSQEvgBfi8CV0RlXnAOOYDL_RUi16H3R_9_r9VLggcw7qwQqrNxERfCee4/s320/309.jpg

تتكسرُ موجةٌ غريبةٌ على شواطئَ الأقدار، فتُلقي بـ "نور" في دروبِ "مروان" الذي لم يكنْ يعلمُ أنهُ ظلُّ طفولتهِ الضائع. في زحامِ القاهرة، حيثُ تتشابكُ الوجوهُ كخيوطِ قدرٍ مجهول، تلتقي عينانِ عرفتا بعضهما يومًا، لكنْ عبرَ ذاكرةٍ أكلتها الأيام. هو، نور، العائدُ من سفرِ السنين، يبحثُ عنْ صدى ماضٍ ظنَّ أنهُ قدْ اندثر. هي، نور، الفتاةُ التي تعشقُ دقائقَ الحياةِ الثمينة، ترفضُ زيفَ عالمٍ يتوارى خلفَ شاشاتٍ براقة. التقيا، لا على وعدٍ، بلْ كصدفةٍ ألقى بها القدرُ في طبقٍ من ذهبٍ ملطخٍ بحبرِ المفاجآت. ماذا تخبئُ الأقدارُ لهذينِ القلبينِ اللذينِ التقيا مرةً في ساحةِ الطفولة، ومرةً أخرى في متاهةِ الحبِّ الأول؟ هلْ تكونُ هذهِ اللحظةُ بدايةً لقصةٍ تكتبُ فصولها بدموعِ الفرحِ والغربة، أمْ نهايةً لحلمٍ لمْ يكتملْ بعد؟

لقاء غريب رواية 309 72 أكتوبر 2019 yes 201091985809 بسمة زين العابدين كاتبة مصرية https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEjg5SShJfVeDOQgq_myoD0WowjRe_gPc19s1iW1Y7ajSt-jxWA_O1basuJusDkOvVV6yBQRAcmrtvB3lm1qQeALHTNraUFAW4fxn11FmlP_ABmH2g99guXfTTpFGiyR6Q57S7B4rH5rJ09vMe7c1zjkS97XrYPERZGkaTl4qnDLoMJhjwlNaBy1NCgtobw/s295/%D8%A8%D8%B3%D9%85%D8%A9-%D8%B2%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D8%A8%D8%AF%D9%8A%D9%86.jpg

الصدفة هي المخرج الوحيد الذي يتقن كتابة فصول حياتنا حين نعجز نحن عن ترتيبها، وفي رواية "لقاء غريب" للكاتبة بسمة زين العابدين، تتجسد هذه الحقيقة في صورة قدر يرفض النسيان. تبدأ الحكاية بملامح بطلة ترفض الانصياع لإيقاع الحداثة الصاخب، فتختار العزلة عن ضجيج المنصات الرقمية ووسائل التواصل التي تبتلع أعمار أقرانها، باحثة عن معنى أعمق للزمن يتجاوز الثواني المهدورة خلف الشاشات الباردة. هي روح تعيش ببطء في عالم يتسابق نحو التلاشي، تؤمن أن لكل دقيقة قيمة لا يدركها إلا من يعيش التفاصيل بصدق، وكأنها تقتفي أثر مقولة "غوستاف فلوبير" بأن الأدران تسكن في التفاصيل، وأن الحياة الحقيقية هي تلك التي نلمسها بأيدينا لا التي نراقبها من بعيد. هذا التباين الوجداني بينها وبين محيطها لم يكن سوى تمهيد لرحلة نفسية تبدأ بهروب وتنتهي بمواجهة، حيث تحاول البطلة الفرار من ذكرى حبها الأول الذي استوطن قلبها، لتجد نفسها في قلب القاهرة، تلك المدينة التي تبتلع الغرباء وتعيد ترتيب مصائرهم في أربعة أيام فقط، وكأنها مسرح إغريقي تضيق فيه المسافات لتنفجر فيه المشاعر المكتومة.

اللقاء الذي حمل عنوان العمل لم يكن مجرد تقاطع طرق عابر، بل كان اصطداماً عنيفاً بالماضي الذي ظنت البطلة أنها تركته خلفها في محطات القطار القديمة. يظهر "نور" في حياتها مرة أخرى، ليس كطيف بعيد، بل كحقيقة ماثلة، ليتضح أنه ليس سوى ابن عم صديقها المقرب "مروان"، وهنا تتعقد خيوط الدراما الإنسانية حين يمتزج القرب بالبعد، والدهشة بالخيبة. إنها لحظة التجلي التي يدرك فيها المرء أن العالم أصغر من أن يختبئ فيه، وأن الوجوه التي نحبها تظل تلاحقنا في زحام الغرباء حتى نلتقي بها وجهاً لوجه. الحوارات في الرواية تنساب كدقات قلب متسارعة، تعكس تلك الصدمة الجميلة والمؤلمة في آن واحد، حيث يصبح السؤال عن الهوية والمكان مجرد صدى لرغبة دفينة في الانتماء، فيجد الأبطال أنفسهم أمام مرآة تعكس خيباتهم وأحلامهم المجهضة، وسط تساؤلات لا تنتهي عن سر هذا التوقيت الذي أعاد جمع الشتات بعد سنوات من الغربة والارتحال.

تتجلى ذروة الصراع النفسي حين تكتشف البطلة أن "نور" ليس وحيداً، بل هو مرتبط بأخرى تدعى "مايا"، مما يجعل من وجودها قربه نوعاً من التعذيب الذاتي المختار. هنا تبرز تيمة المواجهة بدلاً من الهروب، فتقرر البطلة البقاء رغم علمها أن حبها قد يكون من طرف واحد، ورغم يقينها أن القدر قد وضعها في اختبار قاسٍ بين كرامتها وعاطفتها. هي لا تطلب الكثير، فقط تريد أن تسترق النظر إلى حلمها القديم لفترة قصيرة قبل أن يمضي كل منهما في سبيله، وكأنها تحاول استعادة جزء من طفولتها الضائعة التي كان "نور" بطلها الأوحد. هذا الموقف يجسد تراجيديا المشاعر الإنسانية التي لا تملك زمام أمرها، حيث يجد الإنسان نفسه مساقاً نحو من يحب حتى وإن كان في ذلك هلاكه، في مشهد يذكرنا بعبثية الانتظار التي صاغها "صمويل بيكيت"، لكنها هنا مغلفة برقة شرقية وأمل لا ينطفئ رغم قسوة الواقع.

تنتهي الحكاية دون أن تنتهي التساؤلات، تاركة القارئ في مواجهة مع فكرة القدر الذي يجمعنا بمن نحب في أصعب الظروف وأكثرها تعقيداً. "لقاء غريب" ليست مجرد رواية عن الحب العابر، بل هي تدوين لمشاعر الفقد والتمسك بآخر خيوط الذاكرة، حيث تصبح الصدفة هي المحرك الأساسي للفعل الدرامي. الكاتبة بسمة زين العابدين تنسج من هذه الخيوط البسيطة نصاً يمس الوجدان، مؤكدة أن القلوب لا تنسى ساكنيها الأوائل مهما باعدت بينهم المسافات أو تغيرت ظروفهم. في نهاية المطاف، يبقى هذا اللقاء شهادة على أن الإنسان يظل رهيناً للحظة واحدة قد تغير مجرى حياته للأبد، وأن الشجاعة الحقيقية ليست في النسيان، بل في القدرة على النظر في عيني الماضي دون أن تنكسر أرواحنا، والقبول بما يخبئه لنا الغد من مفاجآت قد تكون هي الأجمل رغم غرابتها.