حكواتي هذا الزمان

عندما تتقاطع خيوط الواقع بخيوط الحلم، تولد قصصٌ تحتفي بالروح الإنسانية، لا تلك التي تبحث عن بريق زائف في شاشات ألعابٍ تحول الأرواح إلى أرقام. خلود زايد، الراوية التي نذرت قلمها لأنساق الزمن، تنسج لنا من خيوط الواقع الملموس وصبوات الوجدان، لوحاتٍ تنطق بالحياة. في "حكواتي هذا الزمان"، تصبح كل قصةٍ مرآةً تعكس دواخلنا، تلامس ما استقر في زوايا النفس، فنمضي مع أبطالها في دروبٍ لم ندرك أنها تحمل أثر أقدامنا. هنا، لا تصبح القصة محض سردٍ، بل هي دعوةٌ للتأمل، رحلةٌ نحو فهم أعمق لذواتنا، حيث تتداخل بلزاك بواقعيته، ومطران برومانسيته، وأبو ماضي بتفاؤله، لتنسج لنا الكاتبة فسيفساءً لغويةً غنية، تعيد روح التراث إلى حضرة الواقع المتغير. حكواتي هذا الزمان
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEiYC1RtH2kmXiZAWN8P66dz0yoOjQjehw5W-NiSkbNJoqnAYMQA7y1F2cVRYi8lz33FxCb5nqvVft4e0rrvALd4uh6SMVKoeNOHND3dJIVt6d6HnPprI8K0vZKdEQzMvLJTLTRtayYNLox2Lgvhup9B7S-xBg8NNPctCvWSPHFL5e9elnKAJoG5_zUlx0U/s320/402.jpg

عندما تتقاطع خيوط الواقع بخيوط الحلم، تولد قصصٌ تحتفي بالروح الإنسانية، لا تلك التي تبحث عن بريق زائف في شاشات ألعابٍ تحول الأرواح إلى أرقام. خلود زايد، الراوية التي نذرت قلمها لأنساق الزمن، تنسج لنا من خيوط الواقع الملموس وصبوات الوجدان، لوحاتٍ تنطق بالحياة. في "حكواتي هذا الزمان"، تصبح كل قصةٍ مرآةً تعكس دواخلنا، تلامس ما استقر في زوايا النفس، فنمضي مع أبطالها في دروبٍ لم ندرك أنها تحمل أثر أقدامنا. هنا، لا تصبح القصة محض سردٍ، بل هي دعوةٌ للتأمل، رحلةٌ نحو فهم أعمق لذواتنا، حيث تتداخل بلزاك بواقعيته، ومطران برومانسيته، وأبو ماضي بتفاؤله، لتنسج لنا الكاتبة فسيفساءً لغويةً غنية، تعيد روح التراث إلى حضرة الواقع المتغير.

حكواتي هذا الزمان مجموعة قصصية 402 70 فبراير 2020 yes 201091985809 خلود زايد كاتبة مصرية https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEhXzt6jfWcQE4lpswAZBU57hd9w4VII82v6hAfCZJXVgqbYgQGdFZ_TZaaemorhE-EmXa0Ff_U-7AGngO6zXqgRhNOdtb4oJj1EcyY02bVkR_3lcakXer5SVb09idzhmWXSH3-Q0KYftQyhFv40InVlpyeGczDC36-41VJvi19pyPeM6qBllFZnqR4Qbjk/s295/%D8%AE%D9%84%D9%88%D8%AF-%D8%B2%D8%A7%D9%8A%D8%AF.jpg

الحكاية هي رئة العالم، وكلما ضاقت سبل الواقع اتسع مجاز السرد ليتنفس الإنسان من خلاله، وهذا ما تفعله الكاتبة خلود زايد في مجموعتها القصصية "حكواتي هذا الزمان". تفتتح الكاتبة نصوصها بدعوة صريحة لاستعادة دور الحكواتي القديم لكن بروح عصرية، حيث تتحول الكلمات إلى خيوط تنسج لوحة فسيفسائية تجمع بين واقعية "بلزاك" القاسية ورومانسية "خليل مطران" الشفيفة. الكتاب الصادر عن دار لوتس للنشر الحر يمثل تجربة إنسانية منحازة للهامش والوجع اليومي، وتؤمن بأن القصة القصيرة ليست مجرد سرد عابر، بل هي لحظة تكثيف ذهني تهدف إلى إضاءة المناطق المعتمة في النفس البشرية. تنطلق النصوص من إيمان عميق بأن الأدب يجب أن يخاطب الضمائر الحية، فيجبر القارئ على الوقوف أمام مرآة ذاته ليرى انعكاسات أفعاله وأفكاره في مرآة الآخرين.

العنف المستتر خلف شاشات الأجهزة الرقمية يطل بوجهه القبيح في إحدى قصص المجموعة، حيث تروي الكاتبة مأساة الصديقين أمجد وهيثم. تنزلق اللعبة من عالم الافتراض إلى حواف الواقع الحادة، حين يستحيل الغضب الإلكتروني طعنات سكين حقيقية تنهي حياة وتدمر أخرى. ترسم خلود زايد هذا المشهد ببراعة تراجيدية، محذرة من تآكل الشعور بقدسية الموت حين يصبح القتل مجرد "رقم" أو "لقب أسطوري" في عالم افتراضي. هي لا تقدم وعظاً جافاً، بل تضع يدها على الداء الذي يتسلل إلى مخ الإنسان فيجعله أكثر رغبة في الأذى، تاركة بطلها في حالة من الحيرة الوجودية أمام قدرة الآلة على تطويع الإرادة البشرية وتوجيهها نحو الغواية والدم.

الانطواء والنفور من ضجيج العالم يشكلان تيمة أخرى تسكن وجدان شخوص المجموعة، حيث نجد البطل الذي يكره الزحام ويقدس العزلة في منزله. تضطره الظروف للخروج إلى حفل ميلاد صديق، ليس حباً في الصخب، بل تقديراً لفرصة عمل في بلاط الصحافة، تلك المهنة التي تمثل له شغف الكتابة والبحث عن الذات. هذا الصراع بين الرغبة في التواري عن الأنظار وبين ضرورة المواجهة لإثبات المكانة، يعكس تمزق الإنسان المعاصر بين فردانيته ومتطلبات المجتمع. الكتابة هنا ليست مجرد وظيفة، بل هي الاتجاه الإجباري الذي يسلكه البطل ليرمم شروخ روحه، محاولاً إيجاد توازن هش بين ضجيج الحفلات وهدوء المحابر.

تستحضر المجموعة روح الفيلسوف "أبي ماضي" في تفاؤله المشوب بالحذر، وهي تدمج التراث الحكائي بالواقع الحاضر لتخلق أبعاداً رمزية ودلالية عميقة. النصوص تتنقل بمهارة بين المشاعر الإنسانية المتناقضة، من لهفة اللقاء في المترو إلى وجع الفراق الذي يترك خلفه قطرات الحنين. كل قصة في هذا الكتاب هي محاولة لاستنطاق الحرف، حيث يتحول الوجع إلى سكاكين لا ترحم في مدينة صامتة، وتصبح العواصف هي الرسائل التي تحترق قبل وصولها. الكاتبة تدير معركة شرسة ضد النسيان، مستخدمة اللغة كأداة للتحرر من قيود الواقع، فتارة نجدها تعتذر للخنساء، وتارة أخرى تبحث عن سر الملكوت بين طيات الهوى.