صرير الالتفات

أحياناً لا تكفي الكلمات لتشرح لماذا تقف على رصيف متآكل تحمل نصف كيس رغيف وتتذكر أن الموت لا يزال ينجب للنواح. هذا الكتاب ليس مجموعة خواطر بقدر ما هو تنقيب في جيوب الذاكرة حيث تختبئ هوية لاجئ، اسم قديم طُوي على حدود أرض، وأم تنوح على أخ صغير بين دقات الرصاص. لينة التجاني تكتب كما لو أن جسدها أصبح طريداً في أزقة المآذن، وكما لو أن العمر السقيم يندّن أغنية شاردة عن وطن بحجم الجذاء. ستقرأ هنا صوتاً يتساءل: من أين تلك الحقائب وإلى أي أرض أيها القرار؟ ستشم رائحة القهوة التي يتبادلها الجالسون على متكأ اللامبالاة، وستلمس خيوط الصبح التي يرسمها أبناء الوجع اللعين. ثم ستفعل ما لم تفعله من قبل: ستلتفُت خلفك، لتجد أن لا شيء هناك سوى صرير الالتفات ذاته. صرير الالتفات
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEhQm2ylk0p6PVU-HOVfpDuiEzp4s8d61Yt8JQpXHhwhylRKnAkR3nAI1QpbThCawVk1QADPOBJOpMo9TNw6b49a1az6HRiuX4acWvRAUaeBSes38HyfgSyZMjzm94CXAGXNiCSM1JoVrMravgCr2IT2yyT-ijRWj71OLYBdtgBaVSqVWJR_aoEyRSi-QMY/s320/483.jpg

أحياناً لا تكفي الكلمات لتشرح لماذا تقف على رصيف متآكل تحمل نصف كيس رغيف وتتذكر أن الموت لا يزال ينجب للنواح. هذا الكتاب ليس مجموعة خواطر بقدر ما هو تنقيب في جيوب الذاكرة حيث تختبئ هوية لاجئ، اسم قديم طُوي على حدود أرض، وأم تنوح على أخ صغير بين دقات الرصاص. لينة التجاني تكتب كما لو أن جسدها أصبح طريداً في أزقة المآذن، وكما لو أن العمر السقيم يندّن أغنية شاردة عن وطن بحجم الجذاء. ستقرأ هنا صوتاً يتساءل: من أين تلك الحقائب وإلى أي أرض أيها القرار؟ ستشم رائحة القهوة التي يتبادلها الجالسون على متكأ اللامبالاة، وستلمس خيوط الصبح التي يرسمها أبناء الوجع اللعين. ثم ستفعل ما لم تفعله من قبل: ستلتفُت خلفك، لتجد أن لا شيء هناك سوى صرير الالتفات ذاته.

صرير الالتفات خواطر 483 100 أكتوبر 2020 yes 201091985809 لينة التجاني كاتبة سودانية

"صرير الالتفات" للينة التجاني ليس عملاً يمكن تصنيفه بسهولة، فهو يقع بين الخاطرة والشذرة النثرية والقصيدة المكثفة، بيد أن وحدة الغلاف الجوي تحيله جميعاً إلى كائن واحد يئن تحت وطأة الغياب.

من هنا تبدأ الرحلة بعنوان "البعث الأخير" حيث تعلن الكاتبة أنها تخرج خفية العمر مثقوبة الرؤى، محمولة بالخطايا المشمسات والقارعات على طبول القلب.

إذن، البعث هنا ليس قيامة بقدر ما هو خروج من بين شقوق أرض شاخت، وبصوت أصبح صدى ولون أصبح صدأً وحُلماً تقطر من جباه الشرق ثم انتهى.

على هذا الأساس يتأسس المحور الأول: الذات المنكسرة التي تنبئ لنفسها وحدها، وتشرق ليغربها طريق معقوف الغياب يسري في دمها برداً، والموج أسكن ماؤه فيها دموعاً ذاريات.

ثم تنتقل الكاتبة في "شاهد على أبواب النسيان" لترصد مشهداً أكثر قسوة: أعشاش خاوية منذ قفز الربيع من أسوار غيمتها شريداً، وأورثها فصولاً من سحيق الانتظار.

ومن ثم تتساءل في "الصفر الأول" عن وقعة الفجر المحنط في مدن السنابل، وعن شمس النبوات التي استلت في عيون ألف عابد، لتكشف عن إعجوبة الحمل الثقيل التي هي ذاتها.

بيد أن هذا الصفر الأول سرعان ما يتحول في "ما قالت الرياح" إلى رؤيا الغد: نوافذ تقلع إطارها، وحديد يرتد ملطخاً بالدم، وأرض تستمر في صفع آدم حتى ينجب من كل صوب وطناً بحجم الجذاء.

فضلاً عن ذلك، تتشكل هوية المتحدثة في نص "لاجى" حيث يروى مشهد اغتيال الأخ أمام العينين، وارتداد الرصاص، ونحيب البيت، ثم طيّ الاسم القديم على حدود الأرض.

وهكذا يصبح الاسم مرادفاً للخذلان: اسمي لاجى، هكذا دوّنوه في دفاترهم قبل ساعات الطوارئ، بعدما نفضوا غبار الظلم في وجهي وقالوا: إياك أن تعطس.

في المقابل، لا تغيب الكتابة عن نفسها، بل تتحول إلى لعنة في نص يحمل العنوان ذاته: لعنة الكتابة حيث تتهكم الكاتبة على الروايات والفراغات والفواصل، وتسجد لنهاياتها عند معبد باوبو.

إذن، الكتابة فعل مزدوج: من جهة هي الملاذ الذي يشتهيها ومن جهة أخرى هي الحفرة التي تنزلق فيها بلا نهاية، وكأن القدر يجرفها لأم تائته تمسح حوفها ببطء.

ثم تأتي قصيدة "الموت الأزرق" لتعيد تعريف الحب: لم تعد عيناك أرضي، فضضت قلبي، والحجر الذي كان ينبئنا في بدايات الأغنيات لم يعد موجوداً.

بل إن الموت نفسه يصبح لوناً أزرق، واللحن قُتل، والشوق المعربد حوصر في أزقة النشيد، والصبح يعود يبزغ من جديد كرقصة البجع القديمة.

على هذا المنوال، تتجاور العناوين الصغرى كشظايا مرآة واحدة: "حديث المساء" يدعو للحرق بوصفه شرطاً للرؤية، و"ارتماء" يتعثر بين أنفاس الكاتلة واللا شيء، و"فجرى" يحفر المشهد الأول في الذاكرة حيث وجه الأم والقدر.

بل إن النصوص الأقصر مثل "وخزة" و"ثانيه" تقدم تأملات في النمو الخفي: نكبر عندما نعرف كيف توصد الأبواب، ومتى تثري مواردنا، وفي منتصف ضحكاتنا نكتشف عمق اللحظات.

غير أن الغياب يظل البطل الصامت، وفي "نبوعة عاشق" يخاطب القدر بصفته الموجود عن الذات، حافياً من الذنب ممتداً من أصيل، وخلفه الأشياء فاقرة فاه الحديث تسلبه إياه لتغادره أدراج السغب.

في الجهة الأخرى، يحضر الوطن بقسوة استثنائية في "ارتداد" حيث تتجمع الذكرى لكل أجناس الأسباب، ويتساءل الكاتب: ماذا تبقى منك يا وطني عزيزاً وميسك تيه التاليات؟

ثم في "دموع النيل" يوصف الوطن بأنه لم ينجُ من أسنة العوز، ولم يبقَ على قيد الاكتفاء، بل يقبع بين الأدخنة والغيبات، ويشتعل أبناؤه كمدفأة أخرى عنده.

أما "الهدنة الموقوتة" فتدعو للصمت كشرط للحوار: أصمت قليلاً، دعي أقرأ في عينيك قصائدي الأنية، دعي أربي قافية أضاءت سطرها بيني وبينك.

هكذا تتنقل الكاتبة بين المخاطبات المباشرة: أمي، أبي، يا وجعي، يا قدري، حتى تصل إلى "ناجي يعزفه الناي" حيث تعلن أن الالتقاء لم يعد يحتاج إلى تفسير.

وفي "عائد من لا حيث" توصف العودة بأنها محو لأثر الحذاء الضيق من على رصيف الذاكرة، وتحليق في بساطين التي ربما كانت ستنمو هنا في السماء.