أسيرة روح

هناء الغمري، شاعرة، تفتح صندوق روحها ليخرج منه فيض من الكلمات الصادقة، كما أهدت هذا الديوان لمن أيقظ فيها بركان الأدب الخامد. هي لا تمنح القارئ مجرد قصائد، بل تمنحه مفاتيح لعوالم تتراقص فيها المعاني. في "أسيرة روح"، تتجلى العينان كعنوان، وموطن، وملاذ، تحكي قصة حب يتجاوز حدود الزمان والمكان. تتأرجح المشاعر بين النشوة والغرق في بحر الخيال، وبين أنين الحنين الذي يرسم لحن الحيارى على وتر الجراحات. تتكشف الروح عن صك أبدي يوثق عشقًا لا يعرف الشطآن، ويحطم القيود. هنا، تتحول الذكرى إلى رائحة فل، لتذكّر بأن الحب أزهر في القلب، وأن الغياب لا يطفئ وهج الشوق. تلك هي هناء، ترسم بكلماتها لوحة إنسانية تتألم وتحب وتتأمل، وتدعوك لتكون شاهدًا على نبض روحها. أسيرة روح
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEi-_QbjIORcbbJUrztIPBxRbn2EEIQWn6bVhNBtvbeMhHj3n6UaZ4fQ5yipijcZbpi-JBWTEUBqgZAAjIayOmUkq9KH5W1aojPT9BzL0sSrU1OJaROR6yPrNPni6vvLyHXkXudu-lGrLLM5iR38eIjMBMcBkTj2GFjXIdB5WmNl2th7ltnKVEY8JDHQPgM/s320/323.jpg

هناء الغمري، شاعرة، تفتح صندوق روحها ليخرج منه فيض من الكلمات الصادقة، كما أهدت هذا الديوان لمن أيقظ فيها بركان الأدب الخامد. هي لا تمنح القارئ مجرد قصائد، بل تمنحه مفاتيح لعوالم تتراقص فيها المعاني. في "أسيرة روح"، تتجلى العينان كعنوان، وموطن، وملاذ، تحكي قصة حب يتجاوز حدود الزمان والمكان. تتأرجح المشاعر بين النشوة والغرق في بحر الخيال، وبين أنين الحنين الذي يرسم لحن الحيارى على وتر الجراحات. تتكشف الروح عن صك أبدي يوثق عشقًا لا يعرف الشطآن، ويحطم القيود. هنا، تتحول الذكرى إلى رائحة فل، لتذكّر بأن الحب أزهر في القلب، وأن الغياب لا يطفئ وهج الشوق. تلك هي هناء، ترسم بكلماتها لوحة إنسانية تتألم وتحب وتتأمل، وتدعوك لتكون شاهدًا على نبض روحها.

أسيرة روح شعر 323 108 نوفمبر 2019 yes 201091985809 هناء الغمري كاتبة مصرية

تستعير هناء الغمري من "صورة الفنان في شبابه" لجيمس جويس تلك الرغبة المحمومة في تحويل البركان الخامد إلى فيض من الكلمات، لتقدم في ديوانها "أسيرة روح" تجربة شعرية تتأرجح بين الفصحى المعتمدة على إيقاع القافية الكلاسيكي وبين العامية المصرية التي تنضح بمرارة الهجر وصدق الشارع. يبدأ الديوان كأنه اعتراف طويل لمرآة، حيث يتحول الحبيب إلى "عنوان" و"مأمن"، وتغدو العينان بوصلة تجوب بها الشاعرة أزماناً وألحاناً في محاولة لاسترداد وطن ضائع داخل نظرة واحدة. الأبيات في بواكير الديوان لا تبحث عن تعقيد فلسفي، بل تنزع نحو صفاء الوجدان الذي يرى في العشق حالة من "الرهان" الروحي، حيث السكن والأمان هما المكسب الوحيد في مواجهة عالم من الهذيان والنسيان.

تنتقل اللغة في "لحن الحيارى" إلى نبرة أكثر شجناً، إذ تهمس للناي بالسر الصغير فيخرج اللحن مثقلاً بوجع السنين، وهنا تبرز صورة "الوجدان السجين" الذي يغتاله الحنين بعد معسول الغرام. الشاعرة توظف مفردات الوتين، والوامق، والوجد، لترسم ملامح علاقة انكسرت على أعتاب الغدر، متسائلة باستنكار عما إذا كان الكرام يستحيلون لئاماً بعد الود. 

الموسيقى الداخلية في هذه القصائد تعتمد على تقطيعات رتيبة تشبه نبضات القلب المتعبة، وكأنها تحاول ترميم جدران الروح التي حطمها الهجر، باحثة عن "صك أبدي" يحمي العشق من تقلبات البشر وحسد العذال، مؤكدة أن الوفاء ليس مجرد كلمة بل هو عهد موثق بدم الوريد وشهد الوجود.

في قصيدة "يا مقلة عيني"، يمتزج الحب بالفناء الذاتي، حيث تغدو رؤية المحبوب هي الغاية القصوى للبصر، بل إن الشاعرة تذهب إلى أقصى درجات الضراعة الوجدانية حين تقبل اقتلاع عينيها إن هي نظرت لغيره. هذا التماهي الكامل مع الآخر يمتد ليصهر الحواس، فتصبح رائحة الفل مقترنة بذكراه، ويتحول عبير الزهر إلى أنفاس يتنفسها المحب ليظل مكبلاً بأغلال الشوق. 

نجد هنا صراعاً بين الرغبة في التحرر وبين الاستسلام اللذيذ للأسر الروحي، وهو صراع يتجلى بوضوح في "ربيع عمري" حيث تتصادم الأفكار وتتراقص الأمنيات بين المدامع، باحثة عن صدى في مهب ريح الذكريات التي تتوسد منحنيات العمر المهرول نحو المجهول.

حين يجنح الديوان نحو العامية المصرية، تتخلى الغمري عن مفردات التراث لتلتحم بوجع يومي مباشر، فتستحضر قيم النخوة والوفاء في مواجهة الخذلان، مستشهدة بوفاء الحيوان ورحمته كدرس للبشر الذين فقدوا بوصلة الإنسانية. في "إفتكرني"، يتحول النص إلى مناجاة حارقة على رمال البحر وقت الغروب، حيث تطلب الشاعرة من غادرها ألا يسقط طيفها من ذاكرته، ليس من باب الكبرياء، بل لأنها داوت جراحه وهي مثخنة بالجراح. تستخدم صوراً مستمدة من الطبيعة البسيطة مثل "عود أخضر انقسم" و"سما مليانة غيوم" لتعبر عن صدمة الفراق التي حولت الحياة إلى "عدم"، مؤكدة أن الروح تظل تحوم حول المحبوب حتى وهو نائم، كأنها خيط رفيع يربط بين جبال الثلج وعمق الموج.

يختتم الديوان رحلته بتأكيد أن الهوى قد يطلب شهداءه، لكن القلب يرفض أن يكون من حديد، بل يظل شريداً وعنيداً في حبه رغم القسوة والحرمان. التجربة في "أسيرة روح" هي محاولة لترميم الذات عبر الكتابة، حيث الكلمة هي البلسم الذي يمحو القهر، والقصيدة هي الملاذ الذي يحول لوعة الهجر إلى طاقة إبداعية تستحق أن تُعاش. 

إنها دعوة للإنصات إلى صوت الروح الذي لا ينكسر، حتى وإن كبلته أغلال الشوق، ليبقى الحب في نهاية المطاف هو المعلم الأول والمنتهى الأخير، تماماً كما كان يرى المتصوفة أن العشق هو المعراج الوحيد نحو الحقيقة الصافية التي لا تشوبها شائبة الغدر أو غبار النسيان.