فضة

طفلةٌ تبلغ الستين، قذفتها مصاعب التكيّف مع واقعٍ أفرزته هذه المجتمعات التي لا تُقاس أعمارها بالزمن، بل بخُبث الألم. وُلدت "تيما" من رحم المعاناة، تتنفس الإرهاق منذ صرخة الرئة الأولى، جردتها مفاهيم الانطلاق من رؤية النور، لتُجبرها على النظر إلى الحياة من ثقبٍ صغير. كثيرون في مجتمعاتنا العربية يقطنون في ظل هذا الازدحام، لا يجدون من يُسلط الضوء عليهم، لكن "تيما" نموذجٌ صارخ، تُحلق اليوم في سماء العبث والفضول، سعادتها تنبع من رغبةٍ جامحة في التنقل، في اكتشاف الناس والشوارع، في التعبير عن ذاتها دون مواربة. إنها قصةٌ عن الحرية، عن البحث عن الذات في عالمٍ يضيق بالقيود، عن روحٍ ترفض أن تُقيد بأغلال الواقع، وتُعانق شغفها بالتصوير والموسيقى والفن، لتبني لنفسها عالماً خاصاً، مليئاً بالألوان والأحلام. فضة
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEj_JRRuQDHPKZVfUpjJtFDiU1ba4E7-aIuzjQss7flgdFWgEJBjc5aXSZsc5oykIpumKiqeO2z5ySZ7c_QzNsJpcZD96uwF1cAH_yqcC-SPdekGBSHFgLKuYmV8W-zfHeLo7JCLK_WBuFhQRvVp1t1lzy17xLWqI1Xf0u9-GF18MIADSpg2iTGoO3jO4lE/s320/260.jpg

طفلةٌ تبلغ الستين، قذفتها مصاعب التكيّف مع واقعٍ أفرزته هذه المجتمعات التي لا تُقاس أعمارها بالزمن، بل بخُبث الألم. وُلدت "تيما" من رحم المعاناة، تتنفس الإرهاق منذ صرخة الرئة الأولى، جردتها مفاهيم الانطلاق من رؤية النور، لتُجبرها على النظر إلى الحياة من ثقبٍ صغير. كثيرون في مجتمعاتنا العربية يقطنون في ظل هذا الازدحام، لا يجدون من يُسلط الضوء عليهم، لكن "تيما" نموذجٌ صارخ، تُحلق اليوم في سماء العبث والفضول، سعادتها تنبع من رغبةٍ جامحة في التنقل، في اكتشاف الناس والشوارع، في التعبير عن ذاتها دون مواربة. إنها قصةٌ عن الحرية، عن البحث عن الذات في عالمٍ يضيق بالقيود، عن روحٍ ترفض أن تُقيد بأغلال الواقع، وتُعانق شغفها بالتصوير والموسيقى والفن، لتبني لنفسها عالماً خاصاً، مليئاً بالألوان والأحلام.

فضة رواية 260 140 أغسطس 2019 no عبد الله فيصل كيوان كاتب سوري https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEjrtUr6e6Wk0LQUPOXLTyCvXodTT83rPyuUjK2m8JeL9uBw4DpVKEeAmpEJxk-VcIoB6DtSM8KqMzhV4wsZA3WlOy80Zey_lJ3JvcP6Kc5fCVxW3PgAVQEnStXKIBgoRrJ4gaW1AQxYQu01k1Jv3iqgvW3HKi5gn5KlR3vHWhlc8kG9kiJc2N73t4y1GQg/s800/%D8%B9%D8%A8%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D9%84%D9%87-%D9%81%D9%8A%D8%B5%D9%84-%D9%83%D9%8A%D9%88%D8%A7%D9%86.jpg

تولد قضية الإنسان في مجتمعاتنا من رحم قلق مدبب، حيث لا يُقاس العمر بتوالي الفصول بل بجرعات الخيبة التي تُجرع للوليد مع صرخته الأولى. "فضة"، هذه الرواية التي صاغها عبد الله فيصل كيوان، ليست مجرد سرد لحكاية امرأة، بل هي مرآة مشروخة تعكس ملامح جيل كامل يقتات على فتات الحرية في عالم يوزع الخراب بالتساوي. تبدو بطلة الحكاية، تلك العجوز الشابة التي ناهزت الستين من وجعها، كأنها خارجة من إحدى لوحات ممدوح حمادة؛ كائنة مثقلة بمفاهيم الانغلاق التي جردتها من ملامح الضوء، لتبصر الحياة من ثقب إبرة ضيق لا يتسع لأحلامها الكبرى. هي نموذج متكرر في زوايا الظل العربية، أولئك الذين يقفون عند طرق العمى بانتظار يد تمتد لتزيح الغشاوة عن العيون المتعبة من مراقبة الانكسارات المتتالية.

تتحرك "تيما" في فضاء الرواية كفراشة تحاول الطيران بأجنحة من ورق مقوى، متمسكة بآلة تصويرها كأنها طوق النجاة الوحيد من الغرق في بحر العبث. التصوير هنا ليس مجرد هواية أو دراسة أكاديمية في معهد مسرحي، بل هو محاولة بائسة لتجميد اللحظة قبل أن تذبل، واقتناص كادر واحد لا يغمره السواد الذي يلف الواقع السوري المثقل بالديون وندرة الموارد. تبرز بين الشخصيات علاقة ربيع وتيما كصورة فنية معقدة، حيث يمتزج الشجن الشخصي بالعجز العام، وتتحول الهدايا الرمزية مثل السيف الدمشقي المكسور إلى استعارة حية لواقع مهشم يحتاج إلى ترميم لا يملك أبطاله أدواته. إنهم يضحكون ليهزموا البكاء، ويخططون للمستقبل وهم يعلمون أن الأرض تحت أقدامهم قد تميد في أي لحظة، تماماً كما قال نيتشه يوماً إن المرء يجب أن يحمل في داخله فوضى لكي يلد نجماً راقصاً، لكن أبطال "فضة" يحملون فوضى تكفي لإبادة مجرات من الأمل.

الحوارات في الرواية تنبض بواقعية قاسية، تكشف عن الفجوة بين الطموح والقدرة؛ فبينما تحلم تيما بكاميرا حديثة، يصطدم ربيع بواقع الليرة السورية وضيق ذات اليد، مما يجعل الأحلام تبدو كأنها ترف لا يملكه إلا من ينامون على آبار النفط. هذا الصراع المادي ليس إلا قشرة خارجية لصراع وجودي أعمق حول معنى الاستمرار في مكان يلفظ أبناءه. السيف الدمشقي الذي سقط وانكسر يمثل تلك الهوية التي تفتتت بفعل الإهمال والزمن، ورغم ذلك تصر تيما على تقديمه كهدية، في إشارة إلى أن الجمال يكمن في المحاولة لا في الكمال. إنها رحلة في أزقة الروح، حيث يبحث الإنسان عن "الأنا" بعيداً عن كبرياء السلطة أو القيود الاجتماعية، طالباً الحرية التي أصبحت في هذا الزمان مرادفاً للضياع والوحشة.

يضعنا الكاتب أمام تساؤل مرير حول مصير المشاريع التي نخطط لها منذ الصغر إذا ما سقطت شمس الغد فجأة. الخاطرة التي يلقيها ربيع في نهاية المشهد ليست مجرد نص أدبي، بل هي مانيفستو اليأس الذي يتحول إلى حنين غريب حتى للوجع والضرب والإهانة، لأنها في النهاية روابط تربطنا بوطن مدفون تحت الركام. يذكرنا هذا المشهد بتراجيديات كافكا حيث البطل محاصر في متاهة لا مخرج منها، سوى أن تيما تختار المواجهة برفض التغيير من أجل الآخرين، والتمسك بملامحها الأصلية مهما كلفها الثمن. إنها الصرخة التي ترفض الصمت، والرغبة في التنقل بين القرى والمدن دون أن تنام العين أو تهدأ القدم، بحثاً عن معنى للوجود يتجاوز مجرد البقاء على قيد الحياة.

تنتهي الحكاية ولا تنتهي المعاناة، فالحياة عند هؤلاء ليست خطاً مستقيماً بل دائرة من الانتظار المر، انتظار جهات إنتاج لا تأتي، وانتظار غد قد لا تشرق شمسه. "فضة" هي تسجيل أمين لنبض الشارع والروح في آن واحد، وهي دعوة للقارئ لكي يتأمل في الوجوه العابرة التي يراها كل يوم؛ فخلف كل وجه "تيما" لا تزال تنبض، وخلف كل صمت حكاية خراب لم تروَ بعد. الدرس هنا لا يُقال بالكلمات المباشرة، بل يُستشف من تلك اللوحة التي رسمها ممدوح حمادة لفتة خائفة من ملامسة قدميها للأرض، وكأن الأرض نفسها لم تعد مكاناً آمناً للوقوف، بل مجرد مسرح للعبور نحو مجهول يلفه الضباب والوجع المستدام.