الشيخ بهلول

ليس كل من يمشي حافياً على التراب، ويرفع ذيول جلابيبه البيضاء، مجنوناً يحتاج إلى حجر. في قرية مصرية نائية، يتحول "الشيخ بهلول" من مهزلةٍ يلهو بها الصبيان، إلى نافذةٍ تطل على عالمٍ موازٍ، حيث تختلط القداسة بالجنون، والحكمة بالهذيان. ترى القرية فيه مجذوباً تائهاً، يسكن الأضرحة، وينام في المقابر، ويصيح في جوف الليل ليوقظ النيام. غير أن من يقترب منه كفاية، يكتشف أن خلف عينيه الحزينتين، وخلف جلبابه الأبيض الذي لا يخلعه أبداً، حكايةً لا تُروى إلا بالأناشيد الصوفية، ولقاءاتٍ سرية مع رجال لا تراهم العين. بأسلوب سردي شفاف، وحكايات متشابكة بين الواقع والأسطورة، يضعنا محمود عبد النعيم أمام مرآةٍ مقلوبة: هل المجنون هو من يرى ما لا نراه؟ أم أننا نحن من فقدنا البصيرة في زحام الأيام؟ رحلةٌ إلى حيث تلتقي القشور باللب، وتنكشف الأسرار خلف أقنعة الصمت. الشيخ بهلول
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEivSNwk_nLdCehn_u_uzgtG2LddrcZYTYC7XLAuzI9lsrwRPDg-Y0EzocvGGhwg9IUcEXothlnJif1K_AtKiUd1ND1XU81lMZ1Mh1UtGszjDx085pkBl9_lHCcaUWb4_MywHf_vwEAeU5KKCHGXIsfRK8WI25DaAKoyy_QSHf4TIANw79ZGqyRQ6ydYsrk/s320/565.jpg

ليس كل من يمشي حافياً على التراب، ويرفع ذيول جلابيبه البيضاء، مجنوناً يحتاج إلى حجر. في قرية مصرية نائية، يتحول "الشيخ بهلول" من مهزلةٍ يلهو بها الصبيان، إلى نافذةٍ تطل على عالمٍ موازٍ، حيث تختلط القداسة بالجنون، والحكمة بالهذيان. ترى القرية فيه مجذوباً تائهاً، يسكن الأضرحة، وينام في المقابر، ويصيح في جوف الليل ليوقظ النيام. غير أن من يقترب منه كفاية، يكتشف أن خلف عينيه الحزينتين، وخلف جلبابه الأبيض الذي لا يخلعه أبداً، حكايةً لا تُروى إلا بالأناشيد الصوفية، ولقاءاتٍ سرية مع رجال لا تراهم العين. بأسلوب سردي شفاف، وحكايات متشابكة بين الواقع والأسطورة، يضعنا محمود عبد النعيم أمام مرآةٍ مقلوبة: هل المجنون هو من يرى ما لا نراه؟ أم أننا نحن من فقدنا البصيرة في زحام الأيام؟ رحلةٌ إلى حيث تلتقي القشور باللب، وتنكشف الأسرار خلف أقنعة الصمت.

الشيخ بهلول مجموعة قصصية 565 132 مايو 2021 yes 201091985809 محمد عبد النعيم كاتب مصري https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEgMa4mo2_FGXJFzydOoWCX6abGXEticrtiFgD_thitOBJpqa7SHqjp1yvVTO_OSWMetwHhhyphenhyphenfAnwn_XpO9wU9KlA3huUxHuz2TgcuzLQAUcbVmvU7p5lz6LhoZU2lllLZnGT1uMOfj_wNJQmRvZ4zfXqWkIOwtTIgfJKgHj91Tr1jaob80m5y6C1P1DEb4/s295/%D9%85%D8%AD%D9%85%D8%AF%20%D8%B9%D8%A8%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%B9%D9%8A%D9%85.jpg

تتوزع مجموعة "الشيخ بهلول" بين اثنتي عشرة قصة قصيرة، تتداخل فيها الحكايات الإنسانية الصغيرة مع الأسئلة الكبرى عن الموت، والإيمان، والجنون، والخيانة، والبحث عن معنى. القصة الأولى التي تحمل عنوان المجموعة، تفتتح السرد بعالمٍ قرويٍ شعبي، حيث يظهر "بهلول" كشخصيةٍ غامضةٍ هامشية، يطارده الصبيان وهم يرددون "الشيخ بهلول أبو توب مبلول"، ليصبح هذا الهتاف الجارح عنواناً لحالةٍ إنسانيةٍ أعمق. فبهلول ليس مجرد مجنون، بل هو نتاج مأساةٍ طفولية: حريقٌ التهم والديه بسبب إهماله، ليظل يعيش بقية عمره يحمل ذنباً لا يستطيع التكفير عنه، فيتحول إلى مجذوبٍ تائه، يسكن المقامات، ويصيح بالمدد، ويرفض خلع جلابيبه البيضاء التي صارت كفناً يليق بحياته المعلقة بين الموت والحياة. ومن هنا، تبدأ المجموعة في طرح سؤالها الجوهري عن حدود العقل والجنون، وعن الحكمة التي قد تختبئ خلف الهذيان.

غير أن الكاتب لا يكتفي بهذه الشخصية المركزية، بل يمضي في باقي القصص ليستكشف ظلالاً أخرى للجنون والضلال. قصة "الصورة" ترصد تحول "خالد" من شابٍ هادئٍ ملتزم، إلى متطرفٍ يكفر أهله ومجتمعه، تحت تأثير جماعةٍ دينيةٍ متشددة، لتكشف عن آلية التحول الفكري التي تقود الشباب إلى حافة الانفجار. وفي قصة "وسط النفق الآخر"، يتابع الكاتب مسار شابٍ عاطلٍ عن العمل، يجده اليأس والإحباط على باب المسجد، فيلتقي بحمزة الوكيل، الذي يقدم له حلماً بديلاً عن الوظيفة التي طال انتظارها، لكن هذا الحلم سرعان ما يتحول إلى حزامٍ ناسفٍ حول وسطه. تسير هذه القصص في خط متوازٍ مع قصة بهلول، إذ يبدو كلاهما ضحيةً لانهيار نفسي، غير أن بهلول يجد خلاصه في الصمت والسكينة بين المقامات، بينما يجد الآخرون خلاصهم المزعوم في العنف والدمار.

ثمة قصة أخرى تحمل عنوان "طبيب جراح"، تروي سيرة أبٍ ضحى بكل ما يملك ليجعل ابنه طبيباً، لكن الابن بعد أن يصل إلى ما يريد، ينسى أباه ويهجره، فيتحول الطبيب الجراح إلى قاتلٍ لروح والده بمشرط الجحود. وهكذا، تكشف المجموعة عن أنماطٍ متعددة من الخيانة: خيانة الذاكرة، وخيانة الحب في قصة "مجرد زميلة"، حيث تكتشف البطلة بعد ثلاث تجارب فاشلة أن الرجال لا يرونها إلا في حدود الدور الذي حددوه لها. وخيانة الوطن في قصة "كل يشعل مصباحه"، حيث يخون الرجل زوجته في ظلام الليل، لتتزاحم الخيانات الصغرى مع الكبرى، وتشكل نسيجاً اجتماعياً مأزوماً، لا يخلو من النفاق والازدواجية.

لا تغفل المجموعة عن الجانب الصوفي والروحاني، فتأتي مشاهد الذكر في الساحة، وتفاصيل الحضرات الصوفية، وأناشيد الشيخ أحمد صيام، وكأنها محاولة لموازنة فكرة الجنون التي تهيمن على الكتاب. فالمجذوب بهلول يجد في هذه الحضرات ملاذاً وانتظاماً، بينما المتشددون يجدون في الجماعات الأخرى غوايةً وضياعاً. هنا، يبدو الصوفيون في القصص كاستثناءٍ من حالة الضلال العامة، كأنهم هم من يحافظ على بصيص من النور في عالم متعتم. ولعل هذا التباين هو ما يمنح المجموعة عمقها الفلسفي، إذ لا تقدم إجابات جاهزة، بل تترك شخصياتها تتخبط بين خياراتها، وتترك القارئ أمام مرآةٍ تعكس تناقضاته هو أيضاً. السخرية، والحزن، والدهشة، والرثاء، كلها نغمات تتعاقب في نثر الكاتب، لترسم صورةً عن مجتمعٍ مصريٍ ريفي، تتداخل فيه الأساطير بالوقائع، وتتصارع القداسة مع الهشاشة البشرية في كل زاوية.