العنقاء

وقفت أمام المرآة، احتضنت حبة الدواء بصمت. جسد يرتجف، ملامح تخفي قلقًا عميقًا، تنتظر ما سيحدث. لم تكن مجرد قطرة ماء في صحراء، بل لهيب خفيف بدأ يسري في عروقها، يوقظ روحًا خمدت كل ليلة. استقبلت طعم الحياة، لكن سرعان ما تحول إلى ألم قاسٍ، كأن جسدها يُشوى على موقد هادئ. عضت على شفتيها، تمنع صرخة كانت تئن في دواخلها، تدفن رأسها في الوسادة، والدموع والعرق يختلطان. ثم سمع الصوت. قشعريرة باردة تسري في جسدها، وحلق يجف. "إذًا لِمَ الغضب؟ لقد أحضرت لها حذاءً بينما أحضرت لك خاتمًا أقيم بكثير." لم يكن الصوت نفسه صدمتها، بل كلماته. ابتعلت غصة، وحاولت الابتسام، تدير رأسها محاولةً تفادي الحقيقة التي تعرت أمامها. أختها تقول: "وجودك حولها كثير عليك." صدمة أطبقت شفتيها، ونظرة مريرة كسرت جدار صمتها. انحنت أذنها، تريد أن تسمع ما هو أبعد من مجرد همس. العنقاء
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEjVR2jh-tmYPvoTSR18onGDIVvxx9ZqPWgo_7KbuCH0-NzBFe9iFZgy7zFllEw5fUJFjd8gtnzugWGeHVLbSjGOyUeTTdw9nZlHLC_mxTMnFwxn1k1aJju15C6zC5L6P2wVqchHH0wa3QQnzjyblXgizmuufDSdZBcNXMUHO_RfqenF2qeXRZdLs-9jE_s/s320/374.jpg

وقفت أمام المرآة، احتضنت حبة الدواء بصمت. جسد يرتجف، ملامح تخفي قلقًا عميقًا، تنتظر ما سيحدث. لم تكن مجرد قطرة ماء في صحراء، بل لهيب خفيف بدأ يسري في عروقها، يوقظ روحًا خمدت كل ليلة. استقبلت طعم الحياة، لكن سرعان ما تحول إلى ألم قاسٍ، كأن جسدها يُشوى على موقد هادئ. عضت على شفتيها، تمنع صرخة كانت تئن في دواخلها، تدفن رأسها في الوسادة، والدموع والعرق يختلطان.

ثم سمع الصوت. قشعريرة باردة تسري في جسدها، وحلق يجف. "إذًا لِمَ الغضب؟ لقد أحضرت لها حذاءً بينما أحضرت لك خاتمًا أقيم بكثير." لم يكن الصوت نفسه صدمتها، بل كلماته. ابتعلت غصة، وحاولت الابتسام، تدير رأسها محاولةً تفادي الحقيقة التي تعرت أمامها. أختها تقول: "وجودك حولها كثير عليك." صدمة أطبقت شفتيها، ونظرة مريرة كسرت جدار صمتها. انحنت أذنها، تريد أن تسمع ما هو أبعد من مجرد همس.

العنقاء نوفيلا 374 104 يناير 2020 yes 201091985809 حورية الحديدي كاتبة مصرية https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEjxAbb9Xx8kt7SydKOXm3HZAzxKUBN_VqATRCTexO1MrLBCVKvjvAXSEtLJ7UFr3THAVFe-JtO0C9vEdNfJ5h0djBlgjZhFQ_43uqexwdtV6C3xYlTkmQr6WPjsuqVXy34hj0ZpxOHMPnEFKI4p2vYvuNBglrHSbe92HwXJ_WW2rj47DTKp0tgPT7fbklE/s295/%D8%AD%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%AF%D9%8A%D8%AF%D9%8A.jpg

تستيقظ هيلينا على جسد منهك، يلتهمها ألم خفي مع كل نبضة قلب. تتجرع حبة صغيرة، علّها تهدئ هذا الارتعاش الذي يعتري أوصالها، ولكن الجسد يستجيب بلهيب خفيف، ثم يعاود الانقباض مع شعور يمزق الأحشاء. هكذا يبدأ يومها، مع صراع مع جسد يرفض أن يكون ملكها، يتألم ويصرخ في صمت، ولا يجد فسحة لطاقته المتفجرة إلا في الوسادة التي تشرب دموعها وعرقها.

وتتوالى الأيام، لتكشف عن خيوط متشابكة من الخيانة والألم. تسمع بأذنيها يقينًا كالصاعقة، كلمات لا تود أن تصدقها، لكنها تتسلل إلى الروح كسم بطيء. إريك، الرجل الذي رسمت له قلبها، يعلن أن هيلين ليست سوى خطيبته في العلن، لكنها، أي هيذر، هي حبيبته. ينكشف زيف الوعود، وتتآكل ثقة كانت ترسو عليها آمالها. شقيقتها، التي كانت تحتمي بوجودها، تقف شاهدة على هذا الانهيار، تصرح بنبرة تفتقر إلى الرحمة أن وجود هيلينا حوله كثير.

تستند هيلينا إلى الجدار، والهواء يثقل أمام مشهد يمزقها. ترى من النافذة إريك يقبل شقيقتها، فتغمرها موجة من الغثيان قديمة، كأن كل آلام السنين قد تجمعت في لحظة واحدة. تتشبث عيناها بالمشهد، تخشى أن تنظر بعيدًا فتظن أن كل هذا كابوس سخيف. لا شيء أبشع من هذا الانهيار. لقد تهدم عالمها، وتقف الآن على أطلاله، كبقايا تمثال قرر أن يتحطم.

يوم دامٍ آخر، تستند فيه هيلينا إلى جدار منزلها الذي احتضن حياتها. عائلتها، رغم قسوتهم، تثير في نفسها حزنًا عميقًا وهي ترى ألسنة النيران تلتهمهم. طرق عنيف على الباب الأمامي يعلن عن اقتراب الخطر. تهرب عبر الباب الخلفي، إلى غابة تحيط بالمنزل وكأنها ابتلاع. الطريق إلى الغابة عارٍ، مكشوف، لكنها تنحني، تخفي جسدها، وتضرب على نارها التي لا تخمد.

تجد نفسها تجري في عمق الغابة، بين الأشجار الكثيفة، لا تدري إن كانت تهرب من الذين اقتحموا منزلها، أم تهرب من حقيقة أنها أحرقت عائلتها، أم تهرب من ماضي لا يرحم. تركض كمن يفر بحياته، وكأن قدميها استقلتا عن إرادتها. ساعات من الركض الذي لا يتوقف، حتى تصل إلى نقطة تفقد فيها القدرة على التنفس، تسقط على الأرض، تلهث. تهدأ قليلاً، فترى الأشجار حولها تشتعل بنيران خفيفة تخبو بنفسها. لكن هذا لا يخفف وطأة وقع الموقف، ترتجف، تنظر إلى الفراغ أمامها بصدمة.

تخمد النيران، ولا يرى حولها سوى جسدها المضيء بنارها، والظلام الذي يستقر. تجلس، تتأمل، والدموع الهادئة تنسال على خديها. في هذا الظلام المخيف، تجد صديقاً مقرباً، جسدها الذي اشتعل، لكنه أصبح الآن مصدر نور في العتمة. ربما في هذه اللحظة، وسط رماد ماضٍ احترق، تبدأ رحلة البحث عن ذات لم تعد تحمل ثقل الخيانة والألم.