اغتصاب أعشاب البحر

جاءت رواية "اغتصاب أعشاب البحر" للدكتور محمد حواش لتنحت في وجدان القارئ العربي، لا لتُملي عليه حقائق صماء، بل لتُشعره بتعقيدات الروح الإنسانية في عالمٍ يبدو وكأنه انعكاسٌ لما نعرفه، لكنه في حقيقته مساحةٌ شاسعة للخيال. فالأرض التي تدور عليها الأحداث، وإن تشبه مصرنا الأم، هي في جوهرها كيانٌ خيالي، تتشابك فيه المدن والشخصيات والأحداث لتنسج دراما فريدة، تحمل توقيع كاتبٍ لا يخشى مسؤولية أفكاره. هنا، لا تبحث عن يقينٍ مطلق، بل عن صدقٍ يعبره الخيال، وعن أصالةٍ تنبع من تجربةٍ إنسانيةٍ خالصة. هذه الرواية رحلةٌ في دهاليز النفس، حيث تتصارع مشاعر الشوق والحسرة، وتتداخل الأيام المجهولة مع ذكرياتٍ غائمة. إنها دعوةٌ للتأمل في معنى الوجود، ولنعيش مع شخصياتٍ تنبض بالحياة، حتى لو غمرت القلوب حسرةُ الأيام الحالية. اغتصاب أعشاب البحر
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEjj5utNBKDvrpake93jzxndOFRloqeorlQ2pgoUIZ5QyvqTgl1cvxGu_pJjLgLYzQQ4n2hZgikYcLI1nydbP9triIa3WEA7h7uUAKzmGkTOqHYcKcOxo0Td7Fii17XcLUyli4gcOLELTODH6IttMfkFARiUCGos9Gov5lMSRLVKG7QV1XfqxOb_4tLQRo8/s320/203.jpg

جاءت رواية "اغتصاب أعشاب البحر" للدكتور محمد حواش لتنحت في وجدان القارئ العربي، لا لتُملي عليه حقائق صماء، بل لتُشعره بتعقيدات الروح الإنسانية في عالمٍ يبدو وكأنه انعكاسٌ لما نعرفه، لكنه في حقيقته مساحةٌ شاسعة للخيال. فالأرض التي تدور عليها الأحداث، وإن تشبه مصرنا الأم، هي في جوهرها كيانٌ خيالي، تتشابك فيه المدن والشخصيات والأحداث لتنسج دراما فريدة، تحمل توقيع كاتبٍ لا يخشى مسؤولية أفكاره. هنا، لا تبحث عن يقينٍ مطلق، بل عن صدقٍ يعبره الخيال، وعن أصالةٍ تنبع من تجربةٍ إنسانيةٍ خالصة. هذه الرواية رحلةٌ في دهاليز النفس، حيث تتصارع مشاعر الشوق والحسرة، وتتداخل الأيام المجهولة مع ذكرياتٍ غائمة. إنها دعوةٌ للتأمل في معنى الوجود، ولنعيش مع شخصياتٍ تنبض بالحياة، حتى لو غمرت القلوب حسرةُ الأيام الحالية.

اغتصاب أعشاب البحر رواية 203 188 مارس 2019 yes 201091985809 د. محمد حواش كاتب مصري

إلى صاحبة الروح التي رحلت كالنهر المتوقف، وإلى من سأظل مديناً له، الحاج ياسر محمود عبد النبي، زوجتي وأطفالي، وأصدقائي الكثر، أهدي هذه الكلمات. رواية "اغتصاب أعشاب البحر" لد. محمد حواش، وإن كانت تجري أحداثها في أرض خيالية شبيهة بمصرنا، فهي ليست سوى شطحات خيال، يتحمل كاتبها مسؤولية أفكارها.

كان القحط يفتك بالأرض، أزمنة ثقال تبعتها أزمنة عجاف. في تلك الصحراء البهيمية، حين هرب الناس من بطش الله، تركوا وراءهم خراباً يعم البر والبحر. رأيت في طريقي وجوهاً شبعت حزناً، وجلوداً بالية كأوراق الخريف، وأجساداً تتداعى كبيوت الطين. كنت أبحث عن فسحة أمل، عن نبضة حياة في عالم يلفه الفناء.

ثم جاءت قصة الفتاة التي يخشى عليها من الموت، صديق يتضرع طالباً المساعدة. أومأ "ياسر العارف" برأسه تأثراً، ودعاه لسرد قصته. بدأ الصديق كلامه متسائلاً عن جدوى معرفة يوم الميلاد، وهو لا يعلم متى ستنتهي الأيام. يتذكر يوم وُلد، ذاك العويل الأول، والجسد الرخو الذي لا يصمد.

تتواصل الحكاية، تنقلنا إلى أرض بعيدة، حيث تتجلى روح إنسان يحمل في داخله مدناً وقرى، وأزمنة مضت. يتحدث عن أمه التي غادرت دون وداع، وعن أخته التي سُجنت في عالم آخر. يعكس كلامه مرارة الحسرة على أموات لم يجدوا من يزور قبورهم، وأحياء غرقوا في وحل الدنيا.

ثم تبرز شخصية "ياسر"، الرجل العارف الذي يمتلك مفاتيح القلوب. يتحدث عن الحب الذي يجمع بين الناس، وعن الأشواق التي تعلو فوق كل شيء. يستحضر الأجيال السامية التي كانت تعيش بحب الله ورسوله، قلوبهم تتحد كقلب رجل واحد. لكن مرارة الحاضر تعود لتغطي كل شيء، فالحاليون يغرقون في المستنقعات، ويغتربون عن الله.

تتداخل الأصوات، يتبادل المتحدثون القصص، كلٌ يحمل ماضيه وعلائقه. يتذكر أحدهم كلمات أمه قبل وفاتها، وكيف كانت تهون مصيبتها بذكر رسول الله. يتذكر كيف كان المحبون يجتمعون، يجمعهم حب واحد، وشمس واحدة تنير دربهم. يتحدث عن السعادة والسكينة التي كانت تملأ قلوبهم، لتتحول إلى إخوة في الله.

يستمر السرد، يغوص في أعماق النفس البشرية، يكشف عن صراعاتها وآلامها. لغة حزينة، لكنها لا تبتل بالبكاء، بل تحمل شفقاً على حال الإنسان. كلمات تنساب كالنهر الهادئ، تحمل صوراً بديعة، ومشاعر دفينة.

تصل بنا الرواية إلى مشهد آخر، حيث يجلس "ياسر" مع غرباء، ينشدون أبياتاً عن الحب السامي، والشوق الطاهر. يتحدثون عن أيام جميلة مضت، وعن الشموس التي لن تغيب. لكن الإعلام المنحرف قد ملأ القلوب بأشواق زائفة، وأبعد الناس عن المعنى الحقيقي.

تتلاقى خيوط الحكاية، لتكشف عن عالم من الألم والأمل، عن صراع بين الخير والشر، بين الحب واليأس. رواية تحمل في طياتها الكثير من التأملات، وتدعونا للتفكير في معنى الحياة، وفي حقيقة الحب، وفي جدوى الأمل. إنها دعوة لاستعادة الروح المطمئنة، والبحث عن النور في عتمة الحياة.