بوح

ديوان "بوح" ليس مجرد نصوص شعرية، بل هو مرآة شفافة لروح شاعر يصرخ في وجه التناقضات التي كوّنته منذ ولادته. هنا، في هذه الصفحات، يتحول الألم إلى صورة، والصورة إلى سؤال، والسؤال إلى صوتٍ حرٍّ يتحدى كل ما هو مسلّم به. نادر الشربيني يكتب بالعامية المصرية بسلاسة مدهشة، ناقلاً معاناة جيلٍ تربى على وصايا الآباء ثم وجد الحياة "بالعكس". بين الحنين إلى طفولةٍ لم تكن كما حلم بها، ومواجهة قسوة الواقع الذي يفرض نفسه، وصراع مع الذات التي تبحث عن هوية وسط فوضى القيم، ينسج الشاعر قصائد تلامس القلب قبل العقل، وتدعو القارئ إلى التوقف والتساؤل معه: أي طريقٍ نسلك حين تنهار كل الخرائط التي ورثناها؟ بوح
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEiHyA-naqaNnVY6UP9cnAhuTQy-KjPX5w4uer3h2BaCZ6OfccoDCd5zkL1ZYzzNLKSa-u76dDNbRyArjoIDDucoBZ9TrEAcRGcS-KOqXF5xCFtl2WoMKSObzqsWtnx7leNfVVkv8Mz7EmDBqBkHaO6yTGYKYkXn0ISIAjeHpOXsWJfgdMtaHMAXxju755o/s320/687.jpg

ديوان "بوح" ليس مجرد نصوص شعرية، بل هو مرآة شفافة لروح شاعر يصرخ في وجه التناقضات التي كوّنته منذ ولادته. هنا، في هذه الصفحات، يتحول الألم إلى صورة، والصورة إلى سؤال، والسؤال إلى صوتٍ حرٍّ يتحدى كل ما هو مسلّم به. نادر الشربيني يكتب بالعامية المصرية بسلاسة مدهشة، ناقلاً معاناة جيلٍ تربى على وصايا الآباء ثم وجد الحياة "بالعكس". بين الحنين إلى طفولةٍ لم تكن كما حلم بها، ومواجهة قسوة الواقع الذي يفرض نفسه، وصراع مع الذات التي تبحث عن هوية وسط فوضى القيم، ينسج الشاعر قصائد تلامس القلب قبل العقل، وتدعو القارئ إلى التوقف والتساؤل معه: أي طريقٍ نسلك حين تنهار كل الخرائط التي ورثناها؟

بوح شعر 687 56 يوليو 2022 yes 201091985809 نادر الشربيني كاتب مصري https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEjVMCPMjTptNTBgAtLzkpoVcNdmBSSeVdWXhtyJEh3H9v5XOk4j4x54ioLZ_LdaX7njvTNQ68rMxMo3b8oNsEkEnTsTJ8wO6TUwbC1G9QRagmrYlQz4N8Wh_o-qD7MhSIDEywrpgYi6bNH5yTqibt7YCNqdl1F9NZVDJKjlUQHO-P1qcurrlrMjFzFEzXw/s295/%D9%86%D8%A7%D8%AF%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%B1%D8%A8%D9%8A%D9%86%D9%8A.jpg

ديوان "بوح" للشاعر نادر الشربيني هو عمل شعري مكتوب بالعامية المصرية، يصدر ضمن منشورات لوتس للنشر الحر في 2022، ويأتي كصوت يمثل جيلاً يعيش أزمة هوية عميقة، بين ما تلقّنه من وصايا وما اكتشفه من حقائق مرة. 

يبدأ الديوان بقصيدة الافتتاحية "عكس اللي كان متوقع"، التي تعلن عن النبرة المهيمنة: شعور بالخذلان من الواقع الذي لم يرقَ لوعود الطفولة، حيث يقول الشاعر إنه وجد الحياة "بالعكس" تماماً عما قيل له في أذنيه وهو مولود. هذا التصريح يشبه بياناً شعرياً يحدد مسار الديوان بأكمله، حيث كل قصيدة هي محاولة لفك شيفرة ذلك التناقض الأول.

تتنوع القصائد لتغطي مساحات مختلفة من التجربة الإنسانية، بدءاً من العلاقة مع الأب والأم في قصائد مثل "كبر أبويّا" و"هزّة الغربال"، حيث يستدعي الشاعر صوراً من الطفولة كانت تبدو مليئة بالوعود، لكنها مع الزمن انقلبت إلى جراح. في "كبر أبويّا"، يحكي عن نصيحة أبيه له بأن يعيش الحياة بجد، لكنه يكتشف أن كل النفوس التي كان يتوقع أن تجده في طريقه كانت "بالعكس". 

وفي "هزّة الغربال"، تستدعي الأم كل قواها لتحمي طفلها، لكن الزمن يكشف أن حلم الشباب الذي زرعته فيه تحول إلى نقيضه. هذه القصائد ليست مجرد شكوى، بل هي مراجعة نقدية للأوهام التي يورثها الآباء في ثنايا التربية، والألم الناتج عن سقوطها.

يتوسع الديوان ليشمل موضوعات اجتماعية وسياسية أوسع، كما في قصيدة "نفاق مشروع" التي تهاجم ازدواجية المعايير والتمويه الاجتماعي، حيث يصور الشاعر نفسه "فرحان بحتّة في قلبي زيّنها النفاق"، ويتحدث عن الانتصار الذي هو في الحقيقة "هزيمة في عُرف شاعر". 

وفي "شيوخ"، يطرح صورة العادات والتقاليد التي تحيط بالمولود الجديد في الأسبوع الأول من حياته، وكيف تُفرض عليه مسارات حياته من قبل الكبار دون أن يكون له خيار. قصيدة "هتّف النسيم" تحمل نبرة أكثر تأملاً، حيث يستدعي الشاعر صورة طائر مكسور الجناح يغني رغم عجزه، في استعارة واضحة عن الشاعر نفسه الذي يواصل البوح رغم الجراح.

الحب يظهر أيضاً كموضوع رئيسي، لكنه ليس حباً تقليدياً أو رومانسياً، بل حب كفاحي، حب يولد من رحم القسوة والاغتراب. في "طرد الليالي"، يخاطب الشاعر حبيبته بلغة مكثفة تمتزج بالغموض، حيث يصورها ككيان يحمل كل الإمكانات والتناقضات، وكأنها تمثل الأمل الذي يلوح بالخلاص. 

وفي قصيدة "حبيبتي" (ضمن نفس النسيج الشعري)، تصبح الحبيبة رمزاً للحرية والبراءة، شخصاً يأتي "براءة مهدها" محاولاً كسر حدود المدينة المغلقة التي يعيش فيها الشاعر. هذا التشابك بين الذاتي والجمعي، بين الخاص والعام، هو ما يمنح الديوان عمقه، حيث لا يكون الحب مجرد عاطفة، بل مقاومة للاغتراب الوجودي.

يختتم الديوان بقصيدة "البوح هبة" التي تعكس علاقة الشاعر المعقدة بالكلمة نفسها. هنا، يتحول البوح إلى موضوع شعري: "جرّبت أبوح / ملقيتش مرة عزيز / والبوه هبة". الكلمة ليست مجرد أداة تعبير، بل هي امتحان، وربما ثمنه الغالي. في نهاية الديوان، يعود الشاعر إلى بدايته في تكرار متعمد لبعض الأبيات، مما يخلق إحساساً بالدوران، وكأن الرحلة التي بدأت بعكس التوقعات تنتهي عند نفس السؤال، لكنه هذه المرة مثقل بتجارب أكثر إيلاماً. 

بهذه الطريقة، يظل "بوح" ديواناً يطرح الأسئلة ولا يقدم إجابات جاهزة، تاركاً للقارئ مساحة للتفكير في ما يعنيه أن ينمو في عالم يفرض عليك طريقاً، ثم تكتشف أن الطريق كان "بالعكس".