القابعون تحت القيود

تظن أن القيود مصنوعة من حديد؟ لا، القيود مصنوعة من اليأس، من الجوع، من طفل يموت على باب المستشفى لأن أمه لا تملك تذكرة دخول، ومن أب يركض خلف تاكسي في منتصف الليل ويده ترتجف على جسد ابنته المحترق بالحمى. هنا لا أبطال خارقون، فقط أناس عاديون يحاولون التنفس في مجتمع يضيق عليهم الخناق. هنا عاهرة تبيع جسدها لتطعم طفلها، وأم تجاهد لإسكات بكاء رضيعها، وشاب يكتب بدمه على جدران الحارة قصة لن يقرأها أحد. وقصص أخرى: حب ينتهي بجريمة قتل، ومثقف يبيع قلمه للسلطان، وأسوار تمنع الفقراء من رؤية الشمس. "القابعون تحت القيود" ليس كتاباً للترفيه، بل مرآة تعكس وجه هذا الزمان القبيح. اقرأه إذا كنت مستعداً لأن تنظر في عيني من قهرهم العالم، ولن تنام بعده مرتاح البال. القابعون تحت القيود
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEiqj1rcmWwsnRdCKuWxJLXSKZ3MTBqFNg5GoDvsgghz3n2kB4AId-KAH9NyvrVXwq6yj6nBOUKlYB3Y7-uRv5ai2vI76iXITjEO3Y4phnqa_dOTjWa4iD3U9B8Iji1YOOyxoKMBdZAU27lrKEHt_gTS6dZp8EYgA3Em-04ELuSxNL4zXBOEx-jvBx5Fin8/s320/491.jpg

تظن أن القيود مصنوعة من حديد؟ لا، القيود مصنوعة من اليأس، من الجوع، من طفل يموت على باب المستشفى لأن أمه لا تملك تذكرة دخول، ومن أب يركض خلف تاكسي في منتصف الليل ويده ترتجف على جسد ابنته المحترق بالحمى. هنا لا أبطال خارقون، فقط أناس عاديون يحاولون التنفس في مجتمع يضيق عليهم الخناق. هنا عاهرة تبيع جسدها لتطعم طفلها، وأم تجاهد لإسكات بكاء رضيعها، وشاب يكتب بدمه على جدران الحارة قصة لن يقرأها أحد. وقصص أخرى: حب ينتهي بجريمة قتل، ومثقف يبيع قلمه للسلطان، وأسوار تمنع الفقراء من رؤية الشمس. "القابعون تحت القيود" ليس كتاباً للترفيه، بل مرآة تعكس وجه هذا الزمان القبيح. اقرأه إذا كنت مستعداً لأن تنظر في عيني من قهرهم العالم، ولن تنام بعده مرتاح البال.

القابعون تحت القيود مجموعة قصصية 491 124 أكتوبر 2020 yes 201091985809 حُمَّد كامل كاتب جيبوتي https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEhtWD4S439k0VHKOu_JfPR-fYh7EDdjozGqM1Z5yioUwD_YPaFWMJ_WbsJ4bQjJLBYlZkrZ7F_ZY0zi1q2rhlZqcYu_3vYCb_NUk1i3x0Cla0rlzCIsbAlgaIClKfKp-R1zncEe4YOa_Oue9M0iBS0u8tKIvr4fNaU8hzms-1uRHswJ7ImIIWHGa238Sgw/s295/%D8%AD%D9%8F%D9%85%D9%91%D9%8E%D8%AF-%D9%83%D8%A7%D9%85%D9%84.jpg

مجموعة "القابعون تحت القيود" لحمد كامل ليست عملاً واحداً بقدر ما هي فضاء تتقافز فيه قصص قصيرة ونصوص نثرية تتشظى بين الواقعي والسريالي، الاجتماعي والرومانسي، السياسي والشخصي.

من هنا يبدأ الكتاب بتأمل افتتاحي يهاجم "العهر الثقافي" حيث يبيع المثقفون شرفهم وضميرهم للسلطان، معلنين موت المعرفة كفضيلة بعد سقراط وتفريغ الثقافة من محتواها النقدي.

إذن، السؤال المحوري: من العاهر الحقيقي؟ تلك الأم التي باعت جسدها لتطعم طفلها، أم ذلك المثقف الذي جعل من قلمه أداة تطويغ لا تحرير؟

على هذا الأساس، تتنقل النصوص بين شخصيات ونماذج اجتماعية متباينة، في مشهد بانورامي للوجع المصري والعربي.

القصة الأولى والأكثر قسوة تحمل عنواناً ضمنياً عن أب يركض في شوارع القاهرة ليلاً يحمل طفلته فاطمة ذات الثلاثة أشهر التي تكاد تموت من الحمى.

بيد أن كل سائق تاكسي يطلب أجراً يساوي أجر يوم كامل، كأن استغلال الحاجة الإنسانية قد صار قانوناً مقدساً لا جدال فيه.

وفي المشهد، يمر أمامه رجل بسيط في سيارة ملاكي ينقذه، ويحكي له قصته مع طفلة مرضت قبله فتعافت بعناية الله لا بمعجزات الطب.

ومن ثم تصل العائلة إلى المستشفى، لكن الطبيب يطلب تذكرة دخول، والموظفة غائبة، والأسرة كلها ممتلئة، والفقير يُصرف كما يُصرف الذباب.

في القصة ذاتها، تتداخل مشاهد من ذاكرة الأب البائسة: عجوز يتسول، طفل يترجى، وخمسيني يستلقي على الأرض والمارة يمرون كأنهم لم يروا شيئاً.

هكذا يرسم الكاتب صورة لامعة للوحشية اليومية التي تعيش تحت بصر الجميع دون أن يتحرك أحد.

في قصة "ما عدت سجينك"، نقرأ نصاً عاطفياً متخذاً شكل رسالة وداع مؤثرة: امرأة تكتشف أن خادمها ترك لها ملاحظة غاضبة بعد سنوات من الطاعة.

لم يطلب الخادم أجراً، بل طلب حريته، معترفاً بأنها لم تتعلم الطبخ بدونه، وأن التعود آفة والفراق دائماً مؤلم.

وفي لمسة بارعة، لا تلوم السيدة الخادم بل تلوم جورج أورويل، كاشفةً عن وعي ساخر بالعلاقات الطبقية التي تشبه المزرعة الحيوانية.

أما في "العشق القاتل"، فتتحول القصة إلى دراما بوليسية عاطفية: عاشق يلتقي بحبيبته في مقهى داخل حي فقير اسمه "أرحبا"، ويصر على معرفة سبب رفضها للحب.

تجيبه بأن الحب حرمان من الاستقلالية وخوف من فقدان الذات، ثم في اللقاء الأخير، يودعها ويحتضنها ويطعنها بخنجر منقوش بالنجمة الخماسية، سائلاً: أتقتلني يا عاشقي؟ فتجيب عيناه الدامعتان: نعم.

بهذه القسوة الغريبة، يختبر الكاتب حدود الحب بوصفه احتلالاً وامتلاكاً لا يمكن أن ينتهي إلا بالموت.

وفي "توليب في الخريف"، يعود شاب ليرى حبيبته السابقة بعد سنوات، فيجد أن جسدها قد ذبل، وخصرها تمدد، وشعرها خف، وأضحت كأنها سبعينية.

لم يعد بها ذلك الجمال الذي كان "يوقف سيارات المارة"، وهي تترك له رسالة وداع تتهمه فيها بأنه أحب امرأة أخرى وظل وفيّاً لصداقتهما فقط.

في المقابل، تعلن الفاتنة أنها ستتزوج من رجل غني لا تحبه لأنه سيوفر لها البيت والسيارة المكيفة، وهذا هو المهم الآن، لا الحب.

بهذه الصراحة الجارحة، يفضح الكاتب منطق المصالح الذي يتحكم في العلاقات الإنسانية في مجتمعات تفتقر إلى الأمان الاقتصادي.

غير أن القصة الأعمق سياسياً تحمل عنواناً بلغة غير عربية: "Xokko xinto nek matakka" أي "لن نرضى الطغيان نظاماً"، وتصور مجزرة ترتكبها قوات عسكرية في قرية.

تقتحم الدبابات القرية، ويأمر العميد بجمع الأهالي واتهامهم بالتعاون مع المتمردين، ثم يرفع سبابته فتتساقط الرصاصات على الجميع دون تمييز.

وفي مشهد لا يُنسى، الأم تحمل ابنها الشهيد وتقول له: قتلوك يا بني.. قتلوك، وهو يبتسم قبل أن يسلم الروح.

ثم تندفع نحو الضابط فتصيبها رصاصة في جمجمتها، فترتمي على تراب القرية حية لآخر لحظة ثم تموت معه.

القصة مروية من بطل مجهول يكتب رسائل لسيدة غنية تدعى "سمن"، يصف فيها طفولته المدمرة، وكيف فقد كل من أحب في مجزرة، ثم تعلم أن الخيانة وحدها هي التي تقتل، لا الرصاص.

وفي النهاية، يعترف أنه لا يعرف هويته، وأن كل الأسماء تزينها ألقاب السيادة إلا اسمه الذي يظل يتبعه لقب "العبد المأمور".