خواطر الثامنة مساء

ينبعثُ المساءُ من هذه الخواطرِ كما ينبعثُ بخارُ القهوةِ من فنجانٍ يتصببُ حكمةً ومرارةً. هنا، بين الساعةِ الثامنةِ والتاسعةِ، تتشكلُ الكلماتُ على أوراقٍ مسطرةٍ، لا بيضاءَ زاهيةً، كأنها ترفضُ أن تتعرى إلا أمامَ قلمٍ أزرقَ ورفيقٍ وفيٍّ. هذا الكتابُ ليسَ وعداً بالكمالِ، بل اعترافٌ بالتشظي، بالتناقضاتِ التي ترفضُ أن تُحذفَ أو تُصححَ، تماماً كقلبٍ مشوهٍ على جدارٍ، يرسمُ أسماءً تختفي ليطمئنَ على أثرها. بينَ هذه الصفحاتِ، تجدُ صدىً لأنفسنا، نحنُ الذينَ نحبُ ما لا نملكُ، ونرغبُ في فقدانِ ما نملكُ. هنا، لا يُخبئُ الكاتبُ شيئاً؛ فهو يعترفُ بالنفاقِ الذي يلطخُ الروحَ، وبالحبِ الذي تُترجمهُ لغةُ المواقفِ لا أزرارُ الهواتفِ. إنها دعوةٌ صريحةٌ لنتأملَ في تلكَ القصصِ التي لم تكتمل، وليست ناقصةً، بل هيَ الحياةُ ذاتها. خواطر الثامنة مساء
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEik7M9DMxWtOlfDjb6gq-SjbqI0j17SNuJNx0AdJg5oCYkckkli0sOOg0pyFNQDcDHplCgOq7XNEJN5nTIkhk7NOI9vMu-vvJmBFFnqa1Xmrw_OvhbM6NaMbRIpav0cZG0_cQ-9XhF5vAKIeQ-AzUtgoQVu8ONvYwaUkLbxMj8pfpzws2MLvvO0qKfvRyM/s320/398.jpg

ينبعثُ المساءُ من هذه الخواطرِ كما ينبعثُ بخارُ القهوةِ من فنجانٍ يتصببُ حكمةً ومرارةً. هنا، بين الساعةِ الثامنةِ والتاسعةِ، تتشكلُ الكلماتُ على أوراقٍ مسطرةٍ، لا بيضاءَ زاهيةً، كأنها ترفضُ أن تتعرى إلا أمامَ قلمٍ أزرقَ ورفيقٍ وفيٍّ. هذا الكتابُ ليسَ وعداً بالكمالِ، بل اعترافٌ بالتشظي، بالتناقضاتِ التي ترفضُ أن تُحذفَ أو تُصححَ، تماماً كقلبٍ مشوهٍ على جدارٍ، يرسمُ أسماءً تختفي ليطمئنَ على أثرها. بينَ هذه الصفحاتِ، تجدُ صدىً لأنفسنا، نحنُ الذينَ نحبُ ما لا نملكُ، ونرغبُ في فقدانِ ما نملكُ. هنا، لا يُخبئُ الكاتبُ شيئاً؛ فهو يعترفُ بالنفاقِ الذي يلطخُ الروحَ، وبالحبِ الذي تُترجمهُ لغةُ المواقفِ لا أزرارُ الهواتفِ. إنها دعوةٌ صريحةٌ لنتأملَ في تلكَ القصصِ التي لم تكتمل، وليست ناقصةً، بل هيَ الحياةُ ذاتها.

خواطر الثامنة مساء خواطر 398 134 يناير 2020 yes 201091985809 عبد السلام المساتي كاتب مغربي https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEi4KOfS1KGk-aZ3GsjqIfw2lnZDGuWuq7uXTnDGTCLFLijh4zblj_o1Wbzv67l4uHKh8FIvd3cNxCgmeQawkKvr2fM5mmFOtaMDg9KbWd7pVByEUHMCMRA4dsomRPIdwf_OtazgrvBFFN3T_Stpo43t10V0ByhqKH1uQGRFYKSNRYzL1ImHw3d8HZ1AuxE/s800/%D8%B9%D8%A8%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D8%A7%D8%AA%D9%8A.jpg

يصافحنا عبد السلام المساتي في "خواطر الثامنة مساء" بيقين من يدرك أن الكتابة ليست فعلاً احترافياً بقدر ما هي تورط عاطفي يقع في برزخ الزمن بين اليوم وما يليه. تبدأ الحكاية بجرأة الاعتراف، حيث الأوراق المسطرة وحدها تملك حق تعرية الأفكار، بينما يظل الحاسوب جسماً غريباً يرفضه مداد الكاتب الأزرق. يطل علينا المساتي بشخصية الأديب الذي لا يخشى أن يقف عارياً أمام قارئه، محذراً إياه من القراءة بالقلب، وكأنه يقتفي أثر "فرناندو بيسوا" في قلقه الوجودي وتفكيكه للذات البشرية. النص هنا لا يدعي الطهر ولا يرتدي ثوب الواعظ، بل هو انسكاب شعوري يشبه فوضى بقع القهوة التي تلطخ الصفحات فتمحو كلمات وتخلق صوراً جديدة من العدم الجميل.

تنسكب الخواطر في هذا الكتاب كشلال من التناقضات الإنسانية التي نعيشها جميعاً ونخشى قولها علناً؛ فنحن الكائنات التي تعشق ما لا تملك، وتضجر مما تقتني، وتتمنى الفقد لتستعيد لذة الحنين. يرفض المؤلف وعود الحب المنمقة ويفضل عليها طرقاً على الباب أو عناقاً يختصر مسافات الوحشة، مؤمناً أن الحب الذي لا تعكسه المواقف هو مجرد ضجيج تقني خلف شاشات الهواتف. الكتابة لديه فعل تدفئة في مواجهة صقيع الخذلان، وهي محاولة يائسة لترميم جدران الذاكرة المتصدعة التي شوهها الغياب، تماماً كما تشوهت صورة القلب المرسوم بالفحم على جدار قديم بجوار اسم امرأة تدعى "حياة".

ينتقل المساتي في نصوصه بين المرارة والسخرية السوداء، معترفاً بنفاقه البشري الذي يشاركه فيه الجميع، محطماً تلك الصورة المثالية التي يرسمها الناس لأنفسهم في لحظات الادعاء. يسرد قصصه الفاشلة، والمواعيد التي أجهضها الخوف، والسمراء التي جاءت مقيدة بقيودها فكانت نهاية القصة قبل بدايتها، كل ذلك بصدق يقترب من الوقاحة، لكنه الصدق الضروري الذي يجعل القارئ يرى نفسه في مرآة النص. لا يقدم الكتاب حلولاً ولا يفتح آفاقاً وردية، بل يضعنا في مواجهة حقيقتنا العارية: أننا جميعاً متشابهون في وجعنا، وفي نفاقنا الصغير، وفي حاجتنا المستمرة لدفء الكلمات حين يدق جرس الثامنة مساء معلناً بدء طقوس البوح.

تتجلى في هذه النصوص فلسفة الخسارة الواعية، حيث يصبح الضمير مجرد شاهد صامت على طعنات الظهر وعثرات السفر التي لم تكتمل. إنها رحلة في اتجاه الأنفس من جديد، حيث اللون الأسود ليس مجرد غياب للضوء، بل هو رداء يليق بالحقائق التي لا تحتمل الزيف. يكتب المساتي بقلب مثقوب ليس ليرثي حاله، بل ليبني جسراً من الكلمات نحو أولئك الذين يشبهونه في كل شيء؛ في حبهم للجمال، وفي سأمهم من الواقع، وفي محاولاتهم الفاشلة لترتيب فوضى الحياة فوق أوراق بيضاء لا تلبث أن تتلطخ بقهوة الواقع المريرة.