حقيقة وما بعدها

منذ متى والإنسان يخشى وجه الحقيقة، فيبتكر أجهزة لكشف الزيف بدلًا من البحث عن التجلي؟ ربما لأنه يستشعر في الحقيقة قوة دافعة، قنبلة موقوتة تطيح بكل ما بناه من أوهام، وتتطلب شجاعة لا يمتلكها إلا القليل. يبدو أننا نتسابق مع عقارب الساعة، نخوض غمار الحياة متشبثين بأشباه الحقائق، نرتضي عن الكمال، ونحاول عبثًا إخفاء ما لا يمكن إخفاؤه. هنا، بين السطور، لن تجد يقينًا مطلقًا، بل ستلتقي بوجوه متعددة للحقيقة، شظايا متفرقة تعكس ما نخشى مواجهته. إنها رحلة إلى ما وراء ما نظن أننا نعرفه، حيث تتكشف الأسرار لا لتُدين، بل لتُبصر. حقيقة وما بعدها
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEg98-Nbs5mCbeJhHnD8oP_PwaqHUwbhNStwHB0xbcV8Z4wLsB9sUHXeJ3M4gI0ggqzGQjIBC5xibni7jiVukPJcIa2FnBdDUAZPmOMP5i3nvN6h2x1UpyB92XD1vGt2lWi9ei4guvhFb8v2u7xHC-NCNsHMdv5hMwV0_LOXPn9V7rp3KN0qnqYvQqTJWN8/s320/396.jpg

منذ متى والإنسان يخشى وجه الحقيقة، فيبتكر أجهزة لكشف الزيف بدلًا من البحث عن التجلي؟ ربما لأنه يستشعر في الحقيقة قوة دافعة، قنبلة موقوتة تطيح بكل ما بناه من أوهام، وتتطلب شجاعة لا يمتلكها إلا القليل. يبدو أننا نتسابق مع عقارب الساعة، نخوض غمار الحياة متشبثين بأشباه الحقائق، نرتضي عن الكمال، ونحاول عبثًا إخفاء ما لا يمكن إخفاؤه. هنا، بين السطور، لن تجد يقينًا مطلقًا، بل ستلتقي بوجوه متعددة للحقيقة، شظايا متفرقة تعكس ما نخشى مواجهته. إنها رحلة إلى ما وراء ما نظن أننا نعرفه، حيث تتكشف الأسرار لا لتُدين، بل لتُبصر.

حقيقة وما بعدها نوفيلا 396 120 يناير 2020 yes 201091985809 رجاء محمد كاتبة جزائرية https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEgYR100cxqzOCASZHQezbp93v343ZZY0lOYLi1k_89Cwouzb7wC_uVQ8MoQp0wl_TeMEGCUVf5PNezBzXtT8oS3z3KR2Bje7dWhjp9K5fufLYE0K1-7QR57ObPTQy92ZL4OYdDeOc9dYHWAeEC0CQRz31mg8991thII0OaWcPC1gNKzfASeZfQcfL4DCcE/s295/%D8%B1%D8%AC%D8%A7%D8%A1-%D9%85%D8%AD%D9%85%D8%AF.jpg

يولد المرء وفي جعبته رغبة بدائية في مطاردة اليقين، لكنه حين يصطدم بوهج الحقيقة، يرتد بصره خاسئاً وهو حسير، وكأن البشرية التي اخترعت أجهزة لكشف الكذب كانت تخشى، في عمق لا وعيها، من اختراع جهاز يكشف الحقيقة المطلقة. إنها تلك القنبلة الموقوتة التي نخشى انفجارها في وجوهنا، فنكتفي بمصادفة وجوهها المتعددة، مشوهة أو ناقصة، لكي نحافظ على بقايا سلامتنا العقلية. في رواية "حقيقة وما بعدها"، تنسج الكاتبة رجاء محمد نوفيال شباكاً من الأسئلة الوجودية حول طبيعة الإدراك البشري، متخذة من "سعيد" -بطل عملها الأول- تميمة حظ تفتح بها أبواب الحكاية التي استيقظت في هزيع الليل الأخير لتكتمل. الحكاية هنا ليست مجرد سرد لمصائر متقاطعة، بل هي رحلة متعبة ضد عقارب الساعة، سباق مع الزمن الذي يلتهم الوعود التي قطعناها لأنفسنا بألا نتخلى عن مبادئنا، ثم نكون أول الخائنين لها عند أول منعطف حاد.

تتجلى شخوص الرواية كظلال تتحرك في فضاء من الانكسار والبحث عن الذات، حيث نجد نورة غريب، تلك الصحفية التي تطارد الشهرة كدرع يحميها من قسوة اليتم والوحدة، لكن اندفاعها يجعلها لقمة سائغة في أفواه القرارات المتسرعة. وبجوارها تقف حكيمة، الممرضة التي يسكنها القلق من زواج الأقارب وتطاردها اضطرابات النوم، كأن جسدها يرفض الاستسلام لواقع لم يختاره بعناية. هؤلاء البشر ليسوا مجرد أسماء، بل هم مختبرات حية للألم البشري؛ فمنصف الذي تحطم حلمه الرياضي، وآية التي كانت تلتهم الكتب لتنفذ وصية أبيها الراحل قبل أن تدهسها عجلات التلاعب الأكاديمي، كلاهما يمثلان ضحايا "النظام" الذي لا يرحم الفردية. أما رضوان منصور، العاطل المتأمل الذي يلوذ بالكتب والدواوين، فإنه يجسد تلك الغربة الروحية التي يشعر بها المثقف حين يجد نفسه عاجزاً عن التأثير إلا من خلال سوء الظن المسبق والغرور الذي يغلف هشاشته.

تصل الرواية إلى ذروتها الدرامية حين تنكشف لعبة "الحساب المزيف" على فيسبوك، حيث يتحول رضوان منصور إلى معالج نفسي تارة، وإلى محرك للدمى تارة أخرى، لاعباً على أوتار الضعف الإنساني والندم. لقد استطاع هذا الصياد الماهر أن يقنع ضحاياه بأنهم السبب المباشر في كوارث لم يرتكبوها، مستخدماً سلاح "الضمير" الفردي ضدهم. أقنع حكيمة بأن تقصيرها المهني أدى لموت الأطفال في حادث مدبر أصلاً لإخفاء جثثهم عن مبضع التشريح، وجعل نورة تؤمن بأن قلمها الصحفي هو الذي دفع إدارة المستشفى لتنظيم رحلة الموت تلك. إنها السخرية المرة التي تذكرنا بقول نيتشه إن "الحقيقة قبيحة، ولدينا الفن لكي لا نموت من الحقيقة"؛ غير أن أبطال نوفيال لم يجدوا الفن، بل وجدوا الفخاخ المنصوبة بعناية تحت مسميات "الاختبارات النفسية".

تتعمق المأساة حين ندرك أن المجرم في هذه اللعبة ليس سوى شخص سقط في فخ غروره، معترفاً بعبقريته في تدمير الآخرين نفسياً. لقد دُست المخدرات لمُنصف ليُسلب ساقه السليمة ويُحرم من ملامسة الكرة، وشُكك هادي في سلامة الدواء الذي يسقيه لأخيه حتى صار يرى نفسه سفاحاً. أما آية، الطبيبة التي كشفت فساد المنظومة الدوائية، فقد كانت الناجية الوحيدة من مقصلة الانتحار، رغم أنها فقدت الثقة في كل شيء. إن النص يضعنا أمام مرآة كاشفة لزيف المؤسسات التي تحول البشر إلى سلع تجارية، وتغتال الأحلام بدم بارد، تاركة الضحايا يقتاتون على "أشباه الحقائق". وفي هذا العالم الذي يسوده التلاعب، تظل الحقيقة وجهة بعيدة المنال، لا يصل إليها إلا من تجرأ على النظر في عين العاصفة دون أن يرمش له جفن، مدركاً أن الوصول إليها قد يكلفه حياته أو ما تبقى من روحه.