قراءة في سطوح بيتنا القديم

بيت الشعر القديم ليس جدراناً من طين، بل مرآة تعكس حياة الأم التي كانت تجوب السطوح حاملةً الطيور في يديها، والخبز في جيبها، والدعاء في فمها. "قراءة في سطوح بيتنا القديم" هو ديوان يحفر في الذاكرة كالنقش على الرخام، حيث يتصافح الماضي بالحاضر، وتتنفس القصيدة من رئة الوطن الجريح. هنا، تتحول سطوح الدار إلى مسرح للطيور والأطفال والمساءات المطيرة، وتصبح فاس ومراكش وأسوارها شاهدة على حكايات الحب الفارسي والكحل البدوي الذي لا يمحى. بأسلوب يجمع بين الصوفية واليومي، يأخذنا الشاعر في جولة بين أزقة المدن العتيقة، وصخب الميادين المثقلة بتاريخها، وصرخة طفل في غزة يسأل أباه عن فصول السنة التي اختزلت كلها في فصل النزف. إنه كتاب يليق بكل من يبحث عن وطنٍ في الذاكرة، وعن أمٍ لا تموت إلا لتولد في كل قصيدة. قراءة في سطوح بيتنا القديم
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEhcZQ007szihteS_TxI7NizacYeHfSDgn4Xrq3tRllAVVZQw-jLuNldhOiDqkbUkbbwOLu-LtW1JZfatgauAgulbZqpsF3teXnr0jj1EDvpOFwx7Af_eoQaiGpQz9oarWC3XWQsS5zgAOXwc5rSRLaM9aqM-tbQPYaKcUW_H-LF6oK2c7FXAuxHsFTFLEA/s320/549.jpg

بيت الشعر القديم ليس جدراناً من طين، بل مرآة تعكس حياة الأم التي كانت تجوب السطوح حاملةً الطيور في يديها، والخبز في جيبها، والدعاء في فمها. "قراءة في سطوح بيتنا القديم" هو ديوان يحفر في الذاكرة كالنقش على الرخام، حيث يتصافح الماضي بالحاضر، وتتنفس القصيدة من رئة الوطن الجريح. هنا، تتحول سطوح الدار إلى مسرح للطيور والأطفال والمساءات المطيرة، وتصبح فاس ومراكش وأسوارها شاهدة على حكايات الحب الفارسي والكحل البدوي الذي لا يمحى. بأسلوب يجمع بين الصوفية واليومي، يأخذنا الشاعر في جولة بين أزقة المدن العتيقة، وصخب الميادين المثقلة بتاريخها، وصرخة طفل في غزة يسأل أباه عن فصول السنة التي اختزلت كلها في فصل النزف. إنه كتاب يليق بكل من يبحث عن وطنٍ في الذاكرة، وعن أمٍ لا تموت إلا لتولد في كل قصيدة.

قراءة في سطوح بيتنا القديم شعر 549 72 أبريل 2021 yes 201091985809 علي الغندور كاتب مصري https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEhesnHU_-QxgZyoNSs4BcLtSEiBDlC-7gVjZ6YAqYYbNbnD2N_8ARqdYipuEfqJdzmoOpK0IiVJdPMJ_1AyOEfBqKnJYu2m5WtMU_6co5pEubbP5pVypwQsTi3ARqRqpcOcgckoIEXBSLMNYdK-wSo0kcdOGLwwe9APyZovwJiOoRU2ImMa0hG_psKMGwo/s295/%D8%B9%D9%84%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%BA%D9%86%D8%AF%D9%88%D8%B1.jpg

يبدأ الديوان بإهداء خاص إلى وجه الأم، التي أكملت رحلتها قبل أن يكمل الشاعر رحلته إليها، وهو إهداء يلخص الأطروحة العاطفية للديوان: الحنين إلى أمومة المكان والزمان معاً. من هنا، تنطلق أولى القصائد "شاء إيها النار"، حيث يخاطب الشاعر رمال الشواطئ وأشجار الصفصاف والحقول التي تعرف أصحابها، وكأن المكان نفسه يستجيب لأسئلته عن الحبيبة الغائبة. وهذا الحوار مع المكان لا يتوقف، بل يمتد ليشمل باريس التي لا يراها الشاعر سوى عبر تفاصيلها المتناقضة: الحمام في الميادين، واللصوص في عربات القطار، والبساتين التي تتحول إلى أسئلة عن إمكانية اللقاء. ثم ينتقل إلى المشهد المركزي: سطوح البيت القديم، حيث كانت الأم تجوبها كالملكة، والطيور تحتفل بقدومها، فتحيل الأسطح إلى حقول قمح تعانق السماء. هذا الركن من الدار يصبح عالماً مستقلاً، مكاناً للخلوة والسلام، حيث كان الأب يقف كتمثال شمع في وجه الجدار، وتتشكل ذاكرة الشاعر من بقايا الطعام وجفاف المساقي، لتصبح السطوح في النهاية شاهداً على رحيل المقيمين، ولكنها تبقى تحرس القبر ولا تنام.

لكن الديوان لا يكتفي بالرحلة الداخلية إلى الذاكرة، بل ينفتح على فضاءات مدينية جديدة، كقصيدة "حائط الرمان" التي تقرأ في بلاط الشهداء، وتتخذ من ميدان "بويلو" و"فاس" منطلقاً لتأمل تاريخي معقد. هنا، تلتقي الأصوات: صوت المذياع المستفز، وصوت المقاتلين الأمويين، وحضارة الأندلس التي تتراءى خلف الغيوم. يدعو الشاعر إلى النظر إلى النقش في الدرع فوق الصليب، وإلى فهم كيف أن الجدل لا يزال قائماً بين الماضي والحاضر، بين رومانية المكان وعروبته الضاربة في القدم. وفي هذا السياق، تبرز القصائد التي تتعامل مع الميادين والأسوار بوصفها كيانات حية تتألم وتتوق، حيث تشير اليمام إلى ما تبقى، ويصبح الحمام رمزاً للروح التي تبحث عن حبة قمح وسط ركام التاريخ.

ومع استمرار التنقل بين الحنين والرؤية النقدية، تظهر قصائد تعكس تشظي الذات في الواقع العربي المعاصر، كقصيدة "القطط البرية" التي تتبع الشاعر في ممشاه، وتنقب ذاكرته كما تنقب القطط عن بقايا الزمن. و"عيناك في اطفهى" حيث يصبح المقهى مكاناً للقاءات المتعالقة، وتتحول عينا المحبوب إلى فراشات تزيح الغبار عن ذاكرة المكان والزمان معاً. لكن الأكثر إيلاماً هو ذلك المقطع الذي يتحول فيه صوت الطفل الفلسطيني إلى نزيف أسئلة خضراء، يسأل أباه عن فصول السنة، فيجده الأب عاجزاً عن الإجابة، لأن فصل القصف قد ألغى كل المواسم الأخرى. هذا التلاقح بين الخاص والعام، بين الحميمية الغزلية والوجع القومي، يمنح الديوان عمقاً سياسياً ونفسياً معاً.

تتخذ القصائد أيضاً منحى تأملياً في علاقة الشاعر بالبداوة والمدن، كما في "ليل البدو" و"تزاكش"، حيث ينفتح التناقض بين عطر باريس وكحل البادية، بين المدينة الأوروبية والروح الصحراوية التي لا تذوب في التحضر. وهنا، يتساءل الشاعر عن هويته التي تتأرجح بين الحداثة والجذور، ليكشف عن صراع داخلي بين الانتماء إلى قبيلة وبين الانطلاق نحو فضاءات لا محدودة. وفي مقابل ذلك، تظهر قصائد مباشرة كقصيدة "أحلام النبي" التي تبحث عن خلاص روحي في الصحراء، حيث تقام الخيام للحلم، وتتحدث الحصى والرمال عن أخبار القبيلة التي ستذهب جفاءً، وتبقى القصيدة وحدها في أرضنا.

أما القصائد الأخيرة، فتراوح بين اليومي الخفي والأسطوري، كقصيدة "العن ضياء" التي تسخر من واقع القرود التي تسكن القرية، و"عصافير الجنة" التي تتحول فيها النافذة إلى عتبة للرسائل الإلهية. ويختتم الديوان بأسئلة عن المرأة التي كانت صديفة ثم أصبحت لغزاً، وعن الشوك والشوق اللذين يختلطان في جرح واحد. وهكذا، تبقى "قراءة في سطوح بيتنا القديم" عملاً شعرياً مفتوحاً، لا يمنح القارئ إجابات بقدر ما يمنحه شرعية السؤال. إنه تأبين للأمكنة التي رحلت، ورثاء للأزمنة التي انقضت، واحتفاء بالذاكرة التي لا تزال، رغم كل شيء، تنبض تحت سطوح البيت القديم، حيث تكتوي الحجارة بالشمس، والحمام يبحث عن قمح لا يوجد إلا في عيني الأم.