مغرب ما بعد الربيع العربي

في كتابه "مغرب ما بعد الربيع العربي"، لا يكتفي عبد السلام المساتي بتحليل المشهد السياسي المغربي، بل يُشري الجرحَ العميقَ الذي خلّفه عقدٌ من التحولات والخيبات. من صعود نجم عبد الإله بن كيران وزعيم "العدالة والتنمية"، إلى سقوطه المدوّي، ومن لهيب احتجاجات "الريف" إلى جحيم تداعيات كورونا، يرصدُ المساتي بجرأةٍ نادرةٍ انزلاقاتِ الدولةِ وسياساتِها التي حوّلت المواطنَ المغربيَّ إلى مجردِ رقمٍ في معادلاتِ البقاءِ السياسي. هذا الكتابُ ليس مجردَ مقالاتٍ صحفيةٍ، بل هو تأريخٌ آنيّ لحظةٍ راهنة، وشهادةٌ على فشلِ الخطابِ الشعبيويّ، وإعادةِ إنتاجِ هيمنةِ "المخزن" بطرقٍ حديثة. إنه دعوةٌ لقراءةِ المغربِ من زاويةِ المغبونين، أولئك الذين يركبونَ ظهورَ البغالِ بينما تُوزَّعُ المناصبُ في القصور. مغرب ما بعد الربيع العربي
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEijKEeKCg6Yhi9R0FNLTIshzZZikJsFySVK_xfGt5GlwzvzTuiM9Z9LZ0BoEUHE7oeyw7Ihk5qcV4H9TzEaW2ik-QVMd14GAy8pctaDNu-i1nHXx4XcMqgarQh6VFycgMiCQmm91_r_zThS9LqEE7H5OFyol7vnlYuQ6xbrP3vFsnxjbuLPSw-Jaqn-fCg/s320/537.jpg

في كتابه "مغرب ما بعد الربيع العربي"، لا يكتفي عبد السلام المساتي بتحليل المشهد السياسي المغربي، بل يُشري الجرحَ العميقَ الذي خلّفه عقدٌ من التحولات والخيبات. من صعود نجم عبد الإله بن كيران وزعيم "العدالة والتنمية"، إلى سقوطه المدوّي، ومن لهيب احتجاجات "الريف" إلى جحيم تداعيات كورونا، يرصدُ المساتي بجرأةٍ نادرةٍ انزلاقاتِ الدولةِ وسياساتِها التي حوّلت المواطنَ المغربيَّ إلى مجردِ رقمٍ في معادلاتِ البقاءِ السياسي. هذا الكتابُ ليس مجردَ مقالاتٍ صحفيةٍ، بل هو تأريخٌ آنيّ لحظةٍ راهنة، وشهادةٌ على فشلِ الخطابِ الشعبيويّ، وإعادةِ إنتاجِ هيمنةِ "المخزن" بطرقٍ حديثة. إنه دعوةٌ لقراءةِ المغربِ من زاويةِ المغبونين، أولئك الذين يركبونَ ظهورَ البغالِ بينما تُوزَّعُ المناصبُ في القصور.

مغرب ما بعد الربيع العربي مقالات 537 154 مارس 2021 yes 201091985809 عبد السلام المساتي كاتب مغربي https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEh3L-kVQFMjVU_ltoilHjvnnQohXPTnrmBOaEnPztgzV8tt-HYiWgmTfqK5q1NzIzmH15E7OVpubVQ3giKQmn-SLXYr53tug-3svr-PZt_CoP5aqZDoD06ZotQC9PmgCphNAtLW53vShrAVO5OXq1PtGtUXWoNtc4mHYAc6Gq1XgNASacUK3uJ4TsgDnP4/s800/%D8%B9%D8%A8%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D8%A7%D8%AA%D9%8A.jpg

يُشكّلُ كتابُ عبد السلام المساتي "مغرب ما بعد الربيع العربي" خلاصةً وافيةً ورؤيةً نقديةً عميقةً للمشهدِ السياسيِّ المغربيِّ خلالَ عقدٍ كاملٍ من التحولاتِ الجذرية، انطلاقاً من تداعياتِ الربيعِ العربيِّ عام 2011، وصولاً إلى أزمةِ كورونا عام 2020. يفتتحُ الكاتبُ كتابَه بمشهدٍ بسيطٍ لكنّه بليغ: امرأةٌ تتعرثرُ خلفَ بغلٍ يركبُه زوجها، مُعبّراً عن الفجوةِ الصارخةِ بينَ وعيِ النخبةِ السياسيةِ وهمومِ المواطنِ البسيطِ الذي لا تعنيهِ صراعاتُ القصورِ بقدرِ ما تعنيهِ لقمةُ العيشِ. من هنا، ينطلقُ المساتي في رحلةٍ نقديةٍ تُفكّكُ آلياتِ اشتغالِ النظامِ السياسيِّ المغربيِّ، مُركزاً على الشخصيةِ المحوريةِ التي طغتْ على المشهدِ طيلةَ هذهِ السنوات: عبد الإله بن كيران.

يُقدّمُ الكاتبُ قراءةً متوازنةً لشخصيةِ بن كيران، مُسلّطاً الضوءَ على التناقضِ بينَ خطابِه الشعبيويِّ الجذابِ الذي أيقظَ العلاقةَ بينَ المواطنِ والسياسةِ، وبينَ حصيلتِه الحكوميةِ التي اتّسمتْ بتراجعِ المؤشراتِ الاقتصاديةِ وارتفاعِ الديونِ وتكريسِ الفشلِ في ملفاتِ التعليمِ والبطالة. غيرَ أنَّ السؤالَ الأعمقَ الذي يطرحُه المساتي لا يتعلقُ ببن كيرانِ شخصياً، بل باللعبةِ السياسيةِ التي جعلتْ منه نموذجاً "للزعيمِ الشعبيوي" لتستفيدَ منه الدولةُ في اجتيازِ مرحلةِ الخطرِ التي مثّلَها الربيعُ العربي، قبلَ أن تُقصيهِ وتُحاولَ العودةَ إلى منطقِ "التدبيرِ الفعال" بعيداً عنِ الزعاماتِ الكاريزمية. وهذا ما يظهرُ بوضوحٍ في إعفاءِ بن كيران من رئاسةِ الحكومةِ وتعيينِ سعد الدين العثماني مكانه، وهو القرارُ الذي يقرؤه المساتي كإعلانِ انتصارِ "الدولةِ" و"المخزن" على مكتسباتِ الربيعِ العربي.

يتوسّعُ الكتابُ ليتناولَ أبرزَ المحطاتِ التي هزّتِ المغربَ في هذهِ الفترة، مثلَ حراكِ الريفِ الذي انطلقَ من الحسيمة، وجرادة، وغيرها من المدنِ المهمّشة، مُحلّلاً أسبابَ هذهِ الاحتجاجاتِ في ضوءِ الإقصاءِ الاجتماعيِّ الممنهجِ، ومُشيراً إلى خطأِ الدولةِ في التعاملِ الأمنيِّ معَها بدلاً منِ الحلولِ التنموية. كما يُحلّلُ المساتي بدقّةٍ صراعَ الأحزابِ وخلفياتِ "البلوكاج" الحكوميِّ الذي أعاقَ تشكيلَ الحكومةِ بعدَ انتخاباتِ 2016، واصفاً دورَ أحزابِ "الأصالةِ والمعاصرةِ" و"التجمعِ الوطنيِّ للأحرارِ" كأدواتٍ في يدِ الدولةِ لمواجهةِ المدِّ الإسلاميِّ، ومُشيراً إلى فشلِ هذهِ السياسةِ في تحقيقِ أهدافِها.

لا يكتفي الكتابُ بنقدِ الأداءِ الحكوميِّ، بل يمتدُّ ليقترحَ مساراً بديلاً يتمثّلُ في إحياءِ اليسارِ المغربيِّ وتوحيدِ صفوفِه، مُركّزاً على دورِ شخصياتٍ مثلَ نبيلة منيب كأملٍ لتجديدِ الخطابِ السياسيِّ. كما يُناقشُ المساتي قضايا آنيةً مثلَ جدلِ "الكوطا" الشبابيةِ ومدى تمكينِها الفعليِّ للشباب، وأزمةَ التعليمِ عن بُعدِ في زمنِ كورونا، والعلاقاتِ المغربيةِ السعوديةِ المتوترة، وكيفَ انعكستِ السياساتُ الخارجيةُ على الداخلِ المغربيِّ. يختتمُ الكتابُ بنظرةٍ مستقبليةٍ متشائمةٍ نسبياً، حيثُ يرى أنَّ المغربَ ما زالَ عالقاً بينَ إرثِ "المخزن" وطموحاتِ شبابٍ يئنُّ تحتَ وطأةِ الفقرِ والتهميش، ودعوةٍ صريحةٍ إلى تغييرِ عقلياتِ الحكمِ قبلَ تغييرِ الأشخاص، وإلا فإنَّ احتجاجاتِ الغدِ ستكونُ أكثرَ عنفاً من احتجاجاتِ الأمس.