قصائد على خد الورد

هذه الوريقات ليست مجرد حروفٍ مطبوعة، بل هي أنفاسٌ خرجت من صدرٍ احتضن فلسطين وجراحها، وارتعش لشوقٍ إلى الأحبّة. "قصائد على خد الورد" ليست عنواناً لقصائدٍ تزين خدود الزهور، بل هي استعارةٌ تلخص حزن الورد، وشهقة الألم التي تخنق عناقيد العنب. هنا، يتجلى الشاعر ناصر أبو حاكمة، ليس كمن يلقي الكلمات، بل كمن يستحضر الأرواح، يجمع شتات الذكريات، ويوقظ فينا حنيناً لزمنٍ ربما لم نعشه، لكنه حفر بصمته في ذاكرة الأمة. في هذا العمل، تتجسد فلسطين "الجريحة" لا كقضيةٍ سياسية، بل كجسدٍ ممزقٍ بوعودٍ واهية، ووجعٍ يمتد من صخرة الأقصى إلى تراب الوطن. تتكاثف المشاعر، تتشابك الأبيات، فتنسج قصائد تتدفق كأنهار حبٍ جارف، تارةً معذبة، وتارةً أخرى تغني بصوتٍ يطرب الروح. هنا، لن تجد خطبةً جوفاء، بل بوحاً صادقاً، يلامس شغاف القلب، ويثير فينا صدىً عميقاً. قصائد على خد الورد
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEggspPfD4y6T9G1ED_BzqzCHMPRpnZ0Scu9urUZxKsVm6tM_rR71xuXjKBRtMa8Wo8ThzLx4jG9xPtT8nI0ad8XKIcdrzb5tx5jVfooAeVVTplIU-1SHj5EwvXAYIRZDmb_Ag3r-AILbHKvyw-rr4Kv6_ROJdKGNwbnoPIrNypGJZIm4yjLjGxiGW5f230/s320/229.jpg

هذه الوريقات ليست مجرد حروفٍ مطبوعة، بل هي أنفاسٌ خرجت من صدرٍ احتضن فلسطين وجراحها، وارتعش لشوقٍ إلى الأحبّة. "قصائد على خد الورد" ليست عنواناً لقصائدٍ تزين خدود الزهور، بل هي استعارةٌ تلخص حزن الورد، وشهقة الألم التي تخنق عناقيد العنب. هنا، يتجلى الشاعر ناصر أبو حاكمة، ليس كمن يلقي الكلمات، بل كمن يستحضر الأرواح، يجمع شتات الذكريات، ويوقظ فينا حنيناً لزمنٍ ربما لم نعشه، لكنه حفر بصمته في ذاكرة الأمة.

في هذا العمل، تتجسد فلسطين "الجريحة" لا كقضيةٍ سياسية، بل كجسدٍ ممزقٍ بوعودٍ واهية، ووجعٍ يمتد من صخرة الأقصى إلى تراب الوطن. تتكاثف المشاعر، تتشابك الأبيات، فتنسج قصائد تتدفق كأنهار حبٍ جارف، تارةً معذبة، وتارةً أخرى تغني بصوتٍ يطرب الروح. هنا، لن تجد خطبةً جوفاء، بل بوحاً صادقاً، يلامس شغاف القلب، ويثير فينا صدىً عميقاً.

قصائد على خد الورد شعر 229 112 يونيو 2019 yes 201091985809 ناصر أبو حاكمه كاتب أردني https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEggLrk7gQcrNvOQjzzyP8XefGj6XWY_if89l-ALwf_pZULe8o5uac5NZ5svktCU6O01eE2mzKPTY8tYUxeNMcmT6zY6uWxnbPtQFJEfhkiup3a2pwye-Z5-Tbn44mmLJsqHwG-e_zLXKp-vHA-7Z9B2WIZt5FJLJUUW7uswBPxp5ehGqkbAkuEfmZEZ8qg/s800/%D9%86%D8%A7%D8%B5%D8%B1-%D8%A3%D8%A8%D9%88-%D8%AD%D8%A7%D9%83%D9%85%D9%87.jpg

تنساب الكلمات في ديوان "قصائد على خد الورد" للشاعر ناصر أبو حاكمة كأنها قطرات ندى سقطت فوق رداء محارب استراح قليلاً تحت ظل شجرة لوز، ليمزج بين صليل السيوف في ساحات القدس وعزف الناي الحزين في رثاء الأحبة. يفتتح الشاعر عوالمه بنزيف فلسطيني لا يهدأ، حيث الأرض ليست مجرد جغرافيا، بل هي "الجريحة" التي تنادي أبناءها من حيفا إلى يافا، محولاً القصيدة إلى خندق صمود يرفض الإذعان ويستل سيف الشهادة في وجه الخيانة والجمود. تتجلى في هذه النصوص روح المقاومة التي لا تنفصل عن الذات الشاعرة، فالقدس لديه ليست شعاراً خطابياً، بل هي محراب صلاة تتوحد فيه دماء الشهداء بتراب الأرض الطاهرة، في استعادة لافتة لصورة "الجندي المجهول" الذي يقف خلف كل نجاح، وصورة المرأة التي تجود بنفسها في سبيل العقيدة والصمود.

يستحضر أبو حاكمة في رحلته الإبداعية طيف الموت الذي اختطف شقيقه "أحمد"، فيرثيه بمرارة تذكرنا بمرثيات متمم بن نويرة، حيث يتحول الدمع إلى زوبعة تدوي في جنبات الروح، ويصبح الفقد يتماً يفتت المفاصل ويجفف الدموع في المآقي. هذا الوجع الإنساني الخاص يمنح الديوان صدقاً شعورياً يتجاوز حدود الوصف إلى معايشة الفجيعة، حيث يغدو "أحمد" وجهاً صبوحاً يضيء عتمة القصيدة، وذكراه سيرة عابرة للثريا ترفض الغياب رغم مواراة الجسد تحت التراب. هنا تصبح اللغة وسيلة وحيدة لمخاطبة الغائب، ومحاولة بائسة لاستعادة زمن الصبا والضحكات التي غابت خلف حجاب الأقدار، مما يضفي على النصوص مسحة من الوقار الحزين الذي لا يخلو من التسليم والرضا.

تتحول الدفة في قصائد أخرى نحو مرافئ الحب والوجدان، حيث يرسم الشاعر ألوان الغرام في دفاتر العشق، مستخدماً الطبيعة كلوحة تعبيرية لجمال المحبوبة، فعيناها جنان خضراء ووجنتها حبات رمان حمراء تخجل منها النجوم. الحب عند أبو حاكمة هو "حلم سخيف" تارة، وأنهار جارفة تارة أخرى، يتماوج بين لذة اللقاء وحرقة الوداع، حيث تشدو الشفاه بألحان النشوة بينما يظل القلب مرتعاً للحنين. يغوص الشاعر في تفاصيل المشاعر الصغيرة، من رموش العين التي يتخذها مظلة ووسادة، إلى نبضات القلب التي تنتعش بعودة الوصل بعد رحلة يأس، معتبراً أن العشق هو الذي يزيل التردد ويمنح النفس نقاء السريرة أمام الخالق.

تتجلى في ثنايا الكتاب علاقة أبو حاكمة مع أسرته كقيمة عليا، فيخص حفيدته "نجاح" بفيض من الشوق والوله، واصفاً إياها بسحر الإلهام الذي سكن فؤاده قبل قدومها، مما يعكس رقة المشاعر الإنسانية التي تتسع لتشمل الفرح بالمستقبل كما اتسعت للحزن على الماضي. القصيدة لديه بستان من الزهر الأخضر، يحاول فيها أن يجمع شتات روحه الموزعة بين الغربة والوطن، بين الصحة والسقم، مؤكداً أن سبيل النجاة يكمن في الصحبة الكريمة والعيش بعزة نفس ترفض الانكسار أمام خطوب الدهر العظيمة. إنه يكتب ليقاوم النسيان، وليبني من الكلمات وطناً بديلاً يسكنه حين تضيق به الدروب، جاعلاً من صوته صدىً لأوجاع أمة وقبيلة وذات وحيدة.

ينتهي القارئ من هذا العمل وهو يحمل في مخيلته صورة "البركان الذي يزفر الحميم" ليواجه من يسلبون الأرض، وفي الوقت ذاته صورة "الحمام المنشد" الذي يرفرف فوق غصون الحب. لقد استطاع ناصر أبو حاكمة أن يطوع الحرف ليكون تارة رصاصة وتارة وردة، متمسكاً بخيط رفيع من الأمل يربط بين الفجر والمغرب، وبين الموت والبعث. إنها تجربة شعرية تحتفي بالحياة رغم قسوتها، وتجعل من "خد الورد" مساحة لكتابة التاريخ الشخصي والجمعي بمداد من الصدق والوفاء، حيث تظل القصيدة هي الباب الذي نقتحم منه عوالم الخلود، ونواري خلفه "سوءة الإذعان" بسيف الكلمة الشريفة.