أرجوك لا تترك أمي وحيدة

في رواية "أرجوك لا تترك أمي وحيدة"، يغوص المهدي الفتاشي في أعماق علاقةٍ إنسانيةٍ شائكة، حيثُ يتشابك الحنينُ بالخذلان، وتصبحُ الغياباتُ أقسى من الموت. نزار، ذلك الشابُ التائه بينَ وظائفَ مؤقتة وذكرياتٍ مثقلة، يحاولُ أنْ يُلملمَ شتاتَ عائلةٍ تهشّمتْ بفعلِ غيابِ الأب. بينَ مرضِ الأمِّ الذي يُنهكها، ورسالةِ الأختِ الموجعة، وصداقةٍ مع رجلٍ عجوزٍ يحملُ أسراراً أعمق، يسيرُ نزارُ في متاهةٍ لا يرى مخرجاً لها. الروايةُ ليستْ مجردَ سردٍ لحكايةِ فراق، بل هي تأملٌ في كيفَ يغدو الانتظارُ موتاً، وكيفَ تتحوّلُ الذاكرةُ إلى سجنٍ لا مفتاحَ له. بأسلوبٍ سلسٍ وحواراتٍ صادقة، يُقدّمُ الفتاشي عملاً يصلُ إلى قلبِ كلِّ منْ يعرفُ ثقلَ الغيابِ على الروح. أرجوك لا تترك أمي وحيدة
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEhNAnrjiAgUe7PWUcsyMjtuxq-CMv2hut3DDGn1zEziEjywdK5RVtGFm76Yhp4r7c7SZP_ZzsiT-x8Iot3qpuC3Mhaceat6MjSLFQ_khuMbg85OhwFu0KhstLbGpucLazg60NZog6v4MzWrB3-bLMQhxFeBtwxfJd0GB5ErtJ9jlAZ3mPj-twhAGYgjUZc/s320/708.jpg

في رواية "أرجوك لا تترك أمي وحيدة"، يغوص المهدي الفتاشي في أعماق علاقةٍ إنسانيةٍ شائكة، حيثُ يتشابك الحنينُ بالخذلان، وتصبحُ الغياباتُ أقسى من الموت. نزار، ذلك الشابُ التائه بينَ وظائفَ مؤقتة وذكرياتٍ مثقلة، يحاولُ أنْ يُلملمَ شتاتَ عائلةٍ تهشّمتْ بفعلِ غيابِ الأب. بينَ مرضِ الأمِّ الذي يُنهكها، ورسالةِ الأختِ الموجعة، وصداقةٍ مع رجلٍ عجوزٍ يحملُ أسراراً أعمق، يسيرُ نزارُ في متاهةٍ لا يرى مخرجاً لها. الروايةُ ليستْ مجردَ سردٍ لحكايةِ فراق، بل هي تأملٌ في كيفَ يغدو الانتظارُ موتاً، وكيفَ تتحوّلُ الذاكرةُ إلى سجنٍ لا مفتاحَ له. بأسلوبٍ سلسٍ وحواراتٍ صادقة، يُقدّمُ الفتاشي عملاً يصلُ إلى قلبِ كلِّ منْ يعرفُ ثقلَ الغيابِ على الروح.

أرجوك لا تترك أمي وحيدة رواية 708 240 ديسمبر 2022 yes 201091985809 المهدي الفتاشي كاتب مغربي https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEjqMxc0jN0CeTPHDvgFWtT5yPg0fgB7zaFjs3TLgR7qs1zij-254bcTD5ZjdtKSGuP8F7KpGBFEkwuRHT51ki9d1q8SgyLUccRjT0klw7KOF7VzrIhpxST9upewdXqUqkVIaeRklpgeVpOXsFDbARCI2yUzvey3p7lOaqjHZDvEDxzS5xGYX8fYCugPSHo/s295/%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%87%D8%AF%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%AA%D8%A7%D8%B4%D9%8A.jpg

"أرجوك لا تترك أمي وحيدة" روايةٌ سوداويةٌ واقعية، تبدأُ بهدوءٍ دراميٍّ حيثُ نُصادفُ نزاراً في صباحٍ عاديّ، قبلَ أنْ تنكشفَ أمامنا دوائرُ حياته المثقلةُ بالهموم. هو شابٌ عاطلٌ عن العمل، يُقسّمُ وقتهَ بينَ زياراتٍ لأمّه المريضةِ التي تعيشُ عندَ أختهِ "راضية"، وبينَ البحثِ عنْ وظيفةٍ لا تدوم. غيرَ أنَّ هذا السطحَ الهادئَ يخفي عمقاً موجعاً: غيابُ الأبِ الذي لمْ يتركْ سوى عقدٍ ذهبيٍّ وأسئلةٍ مُعلّقة، وأمٌّ تنتظرُ عودتَه حتى أضناها المرضُ والوحدة.

تتطوّرُ الأحداثُ بانضمامِ نزارَ إلى عملِ حارسٍ ليليٍّ في معملٍ لإعادةِ تدويرِ النفايات، حيثُ يصادقُ "أحمد" ويواجهُ كلباً شرساً يدعى "المدلل". هذهِ المساحةُ المهجورةُ تصبحُ مسرحاً لمعاركَ صغيرةٍ، لكنَّ الروحَ الحقيقيةَ للروايةِ تكمنُ في زوايا المدينةِ الفقيرة، وفي لقاءاتِ نزارِ العابرةِ معَ "إبراهيم"، الشيخِ الذي يروي له قصصَ غربتهِ في أوروبا، ويُصبحُ كمرآةٍ تعكسُ له مصيرَ التيهِ الذي قد ينتظرُه.

مع تقدّمِ السرد، تتفاقمُ وتيرةُ الحزن: تُصابُ الأمُّ بغيبوبةٍ ذهنية، وتتكشّفُ خيوطُ ماضٍ مظلم، حيثُ يتبيّنُ أنَّ نزاراً كانَ طفلاً شاهدَ، وربما تسبّبَ، في سقوطِ فتاةٍ من شجرة، وهي حادثةٌ تُشلّها وتُغيّرُ مسارَ عائلتها. هذهِ الجريمةُ القديمةُ، التي هربتْ منها أمُّه خوفاً عليه، تشكّلُ العقدةَ الأساسيةَ في الرواية، وتُفسّرُ الصمتَ والعقابَ الذاتيّ الذي يعيشُه البطل.

أسلوبُ الفتاشي يعتمدُ على المفاجآتِ التدريجية، حيثُ كلُّ فصلٍ يُضيفُ طبقةً من الألمِ إلى حياةِ نزار، من فقدانِ وظيفتهِ إلى تدهورِ صحتهِ وانقطاعِ صداقتهِ بأحمد. الحواراتُ تبدو عفويةً وقريبةً من اللغةِ اليومية، لكنَّها تحملُ في طيّاتِها ثقلَ الأسئلةِ الوجودية: ما معنى الولاءِ في غيابِ الأب؟ كيفَ يُمكنُ للفردِ أنْ يُصلحَ ما أفسدتهُ ذاكرةُ الطفولةِ القاسية؟

في النهاية، "أرجوك لا تترك أمي وحيدة" هي روايةٌ عنِ الفقدِ بكلِّ أشكاله: فقدانُ الأبِ، فقدانُ الصحةِ، فقدانُ الصداقةِ، وفقدانُ البراءةِ. إنها تصويرٌ قاسٍ لشخصٍ يحاولُ أنْ يتحمّلَ مسؤوليةَ حياةٍ لمْ يخترها، ويُصارعُ ليجدَ معنىً في يومٍ يلي يوم. رغمَ ثقلِ الموضوع، تتركُ الروايةُ أثراً عميقاً، وتُذكّرنا بأنَّ نهايةَ كلِّ حكايةٍ، مهما كانت مُظلمة، قد تكونُ مجردَ بدايةٍ لصفحةٍ جديدة، أو ربما هي مجردُ محطةٍ أخرى في رحلةِ النسيان.