أرجوك لا تعتذر

ثماني سنوات من الانتظار، وكابوس واحد لا يبارح غرفة النوم. سيليا، التي تركتها الحياة أرملة وزوجها على قيد الحياة، تعلّم بناتها كيف يذكرن أباهنّ في صلاتهن، بينما تخفي خلف حكايات المساء صورته البالية. ميغيل، رجل المال الإيطالي الذي هجر كل شيء بسبب غيرة أعمته، يدرك بعد أن كاد يفقد إمبراطوريته أن ما خسره حقيقة لا تُقدّر بثمن. بين فورتاليزا المشمسة وتورينو الباردة، بين مطعم شعبي ومقر بنك عالمي، تكتب هالة جاد ملحمة حبّ لا تموت. ففي زمن أصبحت فيه الخيانة روتيناً والعاطفة سلعة، تبقى هذه الرواية شهادة أن بعض الحبّ يستحق كل هذا العناء. ولكن هل يستطيع النسيان أن يمحو جراحاً عميقة؟ هل الشوق كافٍ لإعادة بناء ما تهدم؟ عن الغيرة العمياء، وعن الأمهات اللواتي يخنّ أبنائهنّ خوفاً عليهنّ، وعن العائلات التي تجمعها الأسرار وتفرّقها الكبرياء، تروي هذه الرواية قصة العودة التي لا تشبه أي عودة. أرجوك لا تعتذر
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEiJe6o4nci3f92n107hNptoDrrutA17L0Ukd4ybr4adtEVbNhe_dXYDyft3FOgGBhHyaBj2_F13tfsvugVS7qaLowtC1tSthDC50wAfD7DHaH7tZMMQ5_JYcCzhh2AxRo_x2sSFA4KnqRDO5t6rryz-aOjYPyXhB-jgO2oiy7OjOUj2_R8cZbPsNFFK_QU/s320/657.jpg

ثماني سنوات من الانتظار، وكابوس واحد لا يبارح غرفة النوم. سيليا، التي تركتها الحياة أرملة وزوجها على قيد الحياة، تعلّم بناتها كيف يذكرن أباهنّ في صلاتهن، بينما تخفي خلف حكايات المساء صورته البالية. ميغيل، رجل المال الإيطالي الذي هجر كل شيء بسبب غيرة أعمته، يدرك بعد أن كاد يفقد إمبراطوريته أن ما خسره حقيقة لا تُقدّر بثمن. بين فورتاليزا المشمسة وتورينو الباردة، بين مطعم شعبي ومقر بنك عالمي، تكتب هالة جاد ملحمة حبّ لا تموت. ففي زمن أصبحت فيه الخيانة روتيناً والعاطفة سلعة، تبقى هذه الرواية شهادة أن بعض الحبّ يستحق كل هذا العناء. ولكن هل يستطيع النسيان أن يمحو جراحاً عميقة؟ هل الشوق كافٍ لإعادة بناء ما تهدم؟ عن الغيرة العمياء، وعن الأمهات اللواتي يخنّ أبنائهنّ خوفاً عليهنّ، وعن العائلات التي تجمعها الأسرار وتفرّقها الكبرياء، تروي هذه الرواية قصة العودة التي لا تشبه أي عودة.

أرجوك لا تعتذر رواية 657 78 يناير 2022 no هالة جاد كاتبة مصرية

تبدو الرواية وكأنها مرثية للحبّ الضائع، بيد أنها سرعان ما تنقلب إلى نشيد البقاء والعودة. هالة جاد تبتكر عالماً درامياً تتصارع فيه العواطف العنيفة مع صمت السنين، لتقدّم سردية تمسّ جوهر العلاقات الإنسانية من خلال شخصيتين تتقاطع حياتهما في لحظة فارقة، ثم تتباعدان بسبب سوء فهم غرسته أيادٍ خفية. من هنا، يبدأ السؤال الكبير: هل يمكن للحبّ أن يصمد أمام غياب يستمر ثماني سنوات؟ وهل تكفي كلمة "أعتذر" لردم هوّة الفراق؟

على هذا الأساس، تُبنى الرواية على مفارقة زمنية محكمة: إذ يمرّ الزمن ظاهراً، بيد أن الشخصيات تظل أسيرة لحظة الافتراق. ميغيل، الرجل الناجح والمتردد في آن، ليس مجرد مصرفي إيطالي، بل هو ابن عائلة عريقة يحمل على كتفيه إرثاً ثقيلاً من التقاليد والصراعات العائلية. غير أن هروبه من إيطاليا إلى البرازيل لم يكن هروباً من المسؤولية فحسب، بل كان بحثاً عن هوية أخرى بعيدة عن صراعات الإمبراطورية المالية. في المقابل، تجسّد سيليا الفتاة الريفية البسيطة نموذج الصبر الأنثوي الذي يتحوّل إلى قوّة حين تواجه الحياة وحدها. فهي التي تكتشف حقيقتها كامرأة وأمّ في غياب زوجها، وتصبح هي الحارس الوحيد لذكراه.

ولعلّ أبرز ما في الرواية هو اشتغالها على فكرة الغيرة كمرض اجتماعي ونفسي. فبريندا، والدة سيليا، ليست مجرد امرأة متسلطة، بل هي رمز للخوف المرضي من الفقدان، الذي يتحوّل إلى سمّ يدمّر حياة ابنتها. ومن ثم، تتكشف العلاقة بين الأم وابنتها كنسيج معقّد من الحبّ والتملّك والغيرة، حيث تخشى الأم من أن تسلبها الحياة كل ما تملك، فتفعل المستحيل لتفريق العروسين. فضلاً عن ذلك، يظهر فرناندو كشخصية محورية تعيد تعريف معنى العائلة؛ فهو الأخ غير الشقيق، والصديق، والأب البديل، والطبيب الذي يرعى سيليا في ضعفها، دون أن يطلب شيئاً في المقابل. بهذه الطريقة، تخلق الكاتبة توازياً بين عائلة الدم وعائلة الاختيار، حيث تكون الثانية أكثر أماناً وصدقاً.

الجو العام للرواية يتّسم بنبرة حزينة تميل إلى التفاؤل الحذر، مع لمسات من الرومانسية الإيطالية الممتزجة بالدفء البرازيلي. إذ تمتزج الأمكنة بالعواطف؛ فشوارع فورتاليزا وساحاتها تحمل ذاكرة الحبّ الأول، بينما تعكس قاعات البنك في تورينو برودة العلاقات العائلية وصلابتها. ومن هنا، تظهر مهارة جاد في توظيف المكان كشخصية موازية، تعكس حالات الشخصيات وتؤثر فيها. الكاتبة أيضاً تستخدم تقنيات تعدد الأصوات السردية، فتارة نسمع صوت سيليا المنكسرة، وتارة نغوص في أعماق ميغيل المليئة بالندم، بل ونصل إلى أصوات الفتاتين ليليان وفيفيان، اللتين تمثلان البراءة التي تعيد الحياة إلى ما بدا ميتاً.

وأخيراً، تتناول الرواية قضية الصفح والمغفرة دون وعظ أو مثالية مفرطة. فالعودة ليست حلاً سحرياً، بل هي بداية لمعركة جديدة مع الذات ومع الماضي. فسيليا التي تسامح بسرعة، ليست ضعيفة، بل هي الأقوى لأنها اختارت الحبّ رغم كل شيء. وفي المقابل، ميغيل الذي يعود بكل ثروته ونجاحه، يكتشف أن أغلى ما يملكه ليس المال ولا السلطة، بل تلك العائلة الصغيرة التي كاد يفقدها بسبب غروره. الرواية، إذن، ليست مجرد قصة حبّ، بل هي تأمل في معنى العائلة، في حدود الغفران، وفي قدرة البشر على إعادة بناء ما تهدم، شريطة أن يتركوا الكبرياء جانباً ويتعلّموا فنّ الاعتذار الصادق.